بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 04 September 2003 No. 12858 Year 39

الخميس 07 رجب 1424العدد 12858 السنة 39

  طَيَران فوق الشعر

محمد علي شمس الدين

من أقصى الشرق لأقصى الغرب، وعلى الرقعة العربية أيضاً، مازالت تقام احتفالات للفنون، وتعقد أمسيات الشعر. فيتوالى منصّاتها أناس غامضون، مبدعون في القليل، عابرون فائتون في الكثير الغالب..  ومثلما حوّرت وسائل الإعلام والإعلان والدعاوة في العالم معنى الطرب وجوهر الغناء، لحقت جرثومة الفساد الشعر وأهله الشعراء والناس جميعاً.. فهنا وهنالك احتفالات، وهنا وهنالك غثاء..
ولا يظهر من خلال مشهد السنوات العشر الأخيرة، التي ارتفعت فيها مقولة النهايات للازمنة السابقة على اكتساح العولمة لحقول التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد في العالم بقيادة فكها المفترس الولايات المتحدة الامريكية وتابعتها انجلترا.. لا يظهر ان هذه النهايات تحققت بالفعل وبشكل قطعي وأخير. الحروب المتنقلة مازالت مفتوحة على مصراعيها، والقوة الأعظم في العالم اليوم تراها تنهش وتُنهش في آن.. تضرب في كل مكان لتقطع أيدي وأعضاء وحش أسطوري أطلقت هي عليه تسمية الإرهاب، ناسية ان هذا الوحش المتناسل في كل مكان، انما هو مقيم في قلبها بحكم تكوينها القائم على تقزيم الإنسان واخضاعه لاغتراب الآلة وظلم الاستهلاك.. فلو كان لها ان تطعن أحداً فلتطعن قلبها بالذات اولا.. علّها تفصد الدم الفاسد فيه.. قبل ان تقتل شعوباً بكاملها تحت ستار الإرهاب.
لم يمت التاريخ اذن، لم يمت الشعر، لم تسترح الحروب، لم تمت الكلمات، لم يمت الصراع، لم تمت الحرية.. وبقي دوران الليل على النهار والنهار على الليل يرسمان أفقاً جديداً وولادات جديدة.. أشعاراً وخبزاً وأطفالا يولدون مكان أطفال يموتون.. وهكذا وهكذا، مازلنا نستطيع الطيران من الشرق للغرب ومن الغرب للشرق، لاقتناص المتعة، والاصغاء لموسيقى الشعوب ورؤية رقصاتها، ولقول الشعر أو استراق السمع اليه.. وهذا الطيران، سواء سمي طيران العصفور فوق الغابة المحترقة، الذي أشار اليه هلدرلن، أو سمي طيراناً فوق عش الكوكو والجنون، فهو مازال مستطاعاً على الأرجح.. "لسة الأغاني ممكنة" كما يقول المغنّي.
ومن أجل هذه الأغاني والأهازيج، من أجل رقصات الشعوب، وأشعارها، طرنا ويطير الشعراء مثلنا، إلى باريس وأمستردام، القاهرة وبرلين، اللاذقية وحمص ودمشق وعمّان.. حيث تعقد ندوات الشعر، ويحضرها جمهور بين العشرات والمئات، وقليلا ما هم بالآلاف، على حين ان أية حفلة لاي جندب من جنادب الطرب السريع حيث الاستماع والنشوة بالاقدام وليس بالآذان والقلوب، تجمع حولها الآلاف  المؤلفة من جمهور وعوام مستعدين للتمايل مع أي ضارب طبل، والانتشاء بأي ناعق بصوته من وراء الميكروفون.
والمشكلة على ما نرى، حقيقية، بل بمنتهى الجدّ، وان كان فيها ما يثير السخرية أو العجب في أقل تقدير.. ونعني بذلك مشكلة الشعر ومهرجاناته وندواته.
ولا يستطيع المرء ان يمنع نفسه بادئ ذي بدء، عن مقارنة الشعر بالطرب، والشعراء بالمغنين، وان كان في المقارنة شطط أو أذية، فالغناء فنّ والشعر فنّ.. وطالما اقترن هذا بذاك على امتداد العصور، فوضع الغناء في خدمة الشعر ولم يحصل العكس إلا في بعض الاستثناءات حيث كتبت كلمات  لقصائد وأغنيات تلبية لألحان بعينها. فأبو الفرج الاصفهاني وضع كتاب الأغاني في الاصوات ويعني بها الاشعار المغنّاة. فكل قصيدة صوت، أو أغنية، والتصق الشعر باللحن، والشاعر بالمغني. فأصوات معبد هي القصائد المختلفة التي غناها معبد لشعراء متباينين.. وقل الأمر عينه في ابن حريز وعزة الميلاء وزرياب.. وسواهم. وحين ابتكر فن الموشحات في الأندلس، وغنيت القصائد الموشحة، تمّ اطلاق تسمية الموشح على القصيدة واللحن معاً. فالموشح قصيدة والموشح لحن في آن.. هكذا تمّ الالتحام الجميل في المكان الجميل المناسب (الاندلس) بين مركبتين جميلتين: الشعر والغناء.. وكان ذلك حَسَناً..
وجرت الأيام في  مجاريها، والقصائد في معانيها، والاصوات في مغانيها.. حتى أيامنا هذه.. يروي الأصفهاني أن معبد مات تحت السقيفة.. وهو يغنّي، بعد ان تكاثر الناس على ظهر السفينة لسماعه، فتهافتت بهم عليه ومات.. ونصري شمس الدين مات وهو واقف على أحد مسارح دمشق يغني، فخانه قلبه ووقع ميتاً كحصان أو كفارس في الحلبة.. الناس هنا وهناك  كثير، والمغني يُغني ويموت وعينه راضية عن حاشيته.. أما الشعراء فلا.. مشكلتهم اليوم أصعب وأكثر دقّة. الشعراء اليوم يموتون بلا حاشية ولا أوسمة ولا اشباع.
الشعراء المبدعون الحقيقيون جمهورهم أقلوي، وعشاقهم خاصّون، وكأنما دخلوا مع قرائهم في علاقة حب سرّية.. اما الناعقون فما أكثر الناس حولهم.. وما أكثر الهراء أيضاً..
يذهب الشعراء العرب اليوم، المشاهير منهم، والأقل شهرة، بخاصة منهم المنشغلون بقصيدة النثر، والمهتمون بترجمة أشعارهم إلى اللغات الاخرى، إلى مؤتمرات عالمية حيث يقرؤون أشعارهم بالعربية أمام جمهور أجنبي، لا يفهم العربية أصلا إلا فيما ندر، فيصغي لصوت الشاعر ويراقب حركاته وتعابير وجهه، ولكنه لا يفهم المعنى إلا نقلا وترجمة، وفي رأيي ان الشعر يضيع جوهره إذا ترجم للغة اخرى، فالشعر موسيقى ولغة ومعنى متماوج بين عروف الموسيقى واللغة.. يذهبون اذن إلى هناك، في لندن أو أمستردام أو برلين أو باريس، بكثير من التهافت وأوهام العالمية، ويقرؤون أشعارهم بالعربية، ويهتمون بترجمات لها إلى اللغات الاخرى. والحصيلة تحقيق وهم الوصول وسراب العالمية. كل شعر ليس في لغته الأم، مستعار.. وأقل من أصله.. فعلام هذا اللهاث وراء ترجمة أشعار أدونيس وبنيس ودرويش والحاج وسواهم إلى اللغات الاجنبية؟ مجد الشاعر في أصل لغته.. والترجمات، حتى لو كانت لابد منها، إلا انها كما قال الفرنسيون خيانة للشعر TRADUIR CصEST TREHIR في الشعر يبني نصّ على نصّ آخر وذلك ليس بترجمة. هو تناصّ بشكل أو بآخر TEXTUALITE فأنا على قصيدة للشيرازي حافظ بالفارسية، أكتب قصيدة بالعربية..
وكما قال أبو عثمان الجاحظ في ألف عام. مازال القول حول الترجمة ساري الاصول حتى اليوم، قال ابو عثمان ان شرط الترجمة من لغة اجنبية إلى العربية هو ان يُدءمَج النص المترجم في أصل وجوهر اللغة المنقول اليها، ويتسم بخصوصياتها وبلاغتها.. كما فعل عبدالله بن المقفع بترجمته لكليلة ودمنة عن الفارسية..
اما رأي أبي عثمان بترجمة الشعر فرأي شديد التطوّر، بل هو أكثر حداثة من حداثوي هذا الايام.. انه يرى في ترجمة الشعر من لغة لاخرى ما يشبه الاستحالة، وينصح بعدم اللجوء لمغامرة غير محمودة العواقب.
نعود للملتقيات الشعرية التي تعقد هنا وهناك وهنالك، ويشدّ اليها الشعراء العرب الرحال، ركوباً للطائرات، أو خروجاً في القطارات. ولو صلحت الجمال لشدّوا عليها الرحال، فيلتقون في الفنادق، ويعقدون اللقاءات، ويتسامرون، ويتنادمون، ويتبادلون الاشعار واهداءات الدواوين والنميمة.. ثم ينفضّ السامر، ويعود كل إلى موقعه، موطنه أو منفاه.
حَسَناً.. ماذا يحصل في هذه اللقاءات؟.. وأين هو الشعر منها؟..
ذهبنا هذا العام إلى اللاذقية، في آب حيث الحر اللاهب، وفي مهرجان المحبّة، أقيمت أمسيات شعرية أربع، وشاركنا في الاولى منها.. وما حصل في تلك الأمسية، كان فيه من العجب العجاب، ما يستطير لبّ العاقل والأديب.. فقد بدأ الأمسية شاعر حطّم اللغة العربية شرّ تحطيم، وارتكب اخطاء شنيعة في الوزن والصرف والنحو. لو سمعتها التآكل لاستلقت على ظهرها من شدّة الضحك، كل ذلك تمّ تقديمه وتصويره على مرأى من جمهور متفاوت ومسمع منه، رسميين وأدباء ومتأدبين وعواماً.. ومن فحش الأخطاء وكثرتها، استفزّ الشاعر المشارك في الأمسية، الاستاذ أحمد داوود فوجه للواقف على المنبر كلاماً جهاراً بأن انزلء وكفى.. المشرفون على برنامج الشعر يحملون المسؤولية.. فكيف يدعي من ليس بشاعر ولا ناثر أيضاً، ليشارك في أمسية شعرية في مهرجان مكرّس ومنتظر في كل عام؟ ولماذا لا تتولى لجنة للشعر في المهرجان، مشهود لها بالمعرفة الأدبية، توجيه الدعوات لاصحابها المعروفين.. فيتم بذلك تلافي خلل فاضح حصل ولا يمكن التستّر عليه؟..
بنقلة "طائرة، أيضاً، ذهبنا هذا العام إلى جرش، حيث للشعر في جرش نصيب، ككل عام. في جرش الشعر هذا العام، كانت الدعوات أكثر تمحيصاً وأحسن اختياراً. دعي للأمسيات الشعرية شعراء معدودون من أمثال أدونيس وقاسم حداد، وأمجد ناصر ونوري الجرّاح وطلال حيدر، فضلا عن شاعر فرنسي وشاعرة انجليزية وشاعر ايطالي. وتم توزيع الأمسيات على مراكز ثقافية في عمّان..
ولا ريب في أن موسماً للشعر يفتتحه أدونيس (بالفصحى الحداثية) ويختتمه طلال حيدر (بالعامية الحداثية) سيكون موسماً خصباً ومثيراً بل محرّضاً على أسئلة كثيرة حول علاقة الشعر بالحداثة، وعلاقة الحداثة بالجمهور، وعلاقة الشعر بالمهرجانية والاحتفال.. كان جمهور الشعر عاماً ونخبوياً في آن.. كان ثمة تفاعل حقيقي مع القصائد: اصغاء وترقب وأسئلة.. والصحافة غطّت الندوات بعين ناقدة وجيّدة.. حتى ولو وجد صحافي شويعر هنا أو هناك، انتظر مناسبة كهذه المناسبة، لتصفية حسابات سابقة.. الا ان الشعر كان حاضراً بقوة وامتياز.. فقط رسخ في ذهني من جرش الشعر لهذا العام ملاحظتان: الاولى تتعلق بشاعر كثير الموهبة، أحبه شخصياً وأحب قراءة شعره، هو الشاعر قاسم حداد.. فأنا لم أكن قد سمعت حداد يلقي شعره. كنت قرأته. وحين قرأ شعره في أمسية مع كل من غسان زقطان وأمجد ناصر، كسّر اللغة العربية تكسيراً فاحشاً، وأخطأ في الصرف والنحو واللفظ أخطاء لا تحتمل من شاعر بقيمة واسم قاسم حداد.. ولماذا؟ لا أعلم.. هو في الكتابة لا يخطيء، لكنه في اللفظ يخطيء..
أمجد ناصر قدم تجربة قصيدة السرد اليومي المبسّط على صورة حكاية فيها الكلمات الاجنبية والتركيك اللغوي والتبسيط غير محسوب العواقب..
قدّمت قصائد نثر كثيرة.. والمشكلة هي المشكلة.. أين الشعر؟ وكيف؟.ي




 

بقية المواضيع

خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي
اللغة ومشكلة المعنى
بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان
تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز
طَيَران فوق الشعر
هشام يانس.. مؤدي أدوار الشخصيات السياسية:هددت بالقتل بعد تقليدي لابن لادن..ومثلت شخصية الملك حسين بحضوره..
رؤية .. محمد عبده.. ماذا بعد النهر؟!!
المصور والتشكيلي عبدالمحسن الطوالة: أنا كسول وكاميرتي لا تجمل صوري!!
حورية عرفات تشارك نجوم الدراما الكويتية في مسلسل (الناس للناس)
الذاتي والموضوعي في العولمة  المعاصرة
في إصدار ضمن سلسلة كتاب "الرياض"القرشي يقرأ اللغة ونص الكتابة في مشهدنا السردي
فوضى الواقع الثقافي ونهاية العروبة
النملة يقرأ المشهدين العالمي والمحلي
المنحنى النفسي لثقافة الطفل
تغيير الثقافة باستخدام السياسة
شعراء من أرض السواد
1000نون
وزير الإعلام البحريني يفتتح معرض ملون السعودية التشكيلي
شماليل
جروح الخفايا
قراءة في أوراق شاعر : ابن دحيم شاعر العرضة والغزليات
"الكعبر" يحفظ لعشرات السنين و"البكيله" أفضل طرق إعداده
رسالة إلى الشريك الخفي
رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال
ثلاثية "نحت على طين لزج"
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض