بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 04 September 2003 No. 12858 Year 39

الخميس 07 رجب 1424العدد 12858 السنة 39

  تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز

د. عبدالله أبوهيف

هذا قاص ساخر بامتياز؛ وقد لفت النظر إلى أهميته في كتابة القصة الساخرة منذ مجموعته القصصية الأولى "مسائل تافهة" (دار سعاد الصباح والهيئة المصرية العامة للكتاب - 1992)، وهي المجموعة التي فازت بالجائزة الأولى مناصفة في مسابقة د. سعاد الصباح للإبداع الفكري بين الشباب العربي في مجال القصة القصيرة. ثم ما لبث مؤلفها تاج الدين موسى ان عزز هذه الأهمية في المجموعتين الثانية "الشتيمة الأخيرة" (منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1995) والثالثة "حارة شرقية حارة غربية" (منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1996).
لقد صار للقصة الساخرة تراث طويل في سورية، وكان عبّد دربها باقتدار حسيب كيالي منذ الخمسينيات، فسار على هذا الدرب عشرات القصاصين، غير ان تاج الدين الموسى تميز عنهم جميعا بمقدرته الحكائية الواضحة، وبمضاء السخرية عنده إلى دعابية مريرة مليئة بالشجن، ثرية بأبعادها الإنسانية، وباستيعابه لموضوعات متنوعة، اجتماعية ووطنية وقومية، وباستحضاره لخصوصيات بيئته المحلية، وبحساسيته الفائقة إزاء القيم الأصيلة، وبتلك الروح الأخلاقية المتأبية على الفساد، وما ينتقص الكرامة والنبل. ولعله من طرائف المصادفة أن يكون الرائد حسب كيالي وتاج الدين موسى من بيئة واحدة ومحافظة واحدة في سورية، هي إدلب، القريبة من حلب.
سعى تاج الدين الموسى منذ بداءة كتابته القصصية إلى انبثاق السخرية من خضم المتغيرات الاجتماعية، وحرص على توازي الفكاهية الناقدة والمرارة المتأسية في صلب تحفيزه الواقعي نحو محاكاة صادقة لواقع يمور بعناصر التجديد، فعني بالحوار المدروس الذي يستفيد كثيرا من الموروث الشعبي كالأمثال والنوادر والخصوصيات المحلية في رسم الواقع وفي وصف الذاكرة العامة. ولربما حوت قصته المبكرة "مقدمة للصمت" من مجموعته الأولى، الملامح الأولى لسخريته من الكتاب غير الواقعيين الذين يغفلون عن مشكلات جماعاتهم البشرية. ويكشف الحوار الأخير في القصة عن وجهة نظره، على ما فيها من مباشرة تكاد قصصه التالية تخلو منها:
" - الفن ضرورة يا سامر والكتابة عن شروق الشمس وغروبها أفضل من تركها نهائيا.
- أنا لا اتفق معك يا سليم. عندما لا يستطيع الكاتب أن يسمي الأشياء باسمائها، عليه ان يرمي قلمه ويصمت. أنت ما تزال تذكر آخر أمسية أحييتها قبل خمس سنوات. يومها شتمني الجمهور يا صاحبي. الحق معهم ألف وأدور وأقرأ عشر صفحات مرمزة من أجل ايصال فكرة إليهم لا يحتاج إيصالها إلى أكثر من سطرين!" (ص  78-  79مسائل تافهة).غير ان هذه المباشرة سرعان ما تذوب في إلماحاته الدالة عن البؤس الذي يصيب القرى التي يهجرها أهلها إلى المدن:
"كانت تشع منها أنوار واهنة، تفصله عنها غابات من أشجار الزيتون غارقة في ظلمة حالكة" (ص  79مسائل تافهة).
اتجه تاج الدين الموسى إلى معاينة التحويلات المجتمعة في فكاهاته الناقدة دون ان ينزلق إلى الميوعة الميلودرامية (المشجاة)، أو ان يندرج في المدى التعليمي، وتعد قصة "مسائل تافهة"، التي حملت اسم المجموعة، نموذجا طيبا لاسلوبه، فهي تسخر بعمق من القطاع العام، دون أن تذكر اسم القطاع العام صراحة.
يستفيض تاج الدين الموسى في تقصي الشرط الإنساني والاجتماعي والتاريخي لشخوصه، منطلقا من بعض الخصائص النفسية أو الجسدية في تعبيره عن الحساسية العامة خلال هذا الخاص، أي حرصه على نمذجة العلاقات الداخلية، وابتعاده عن المصادفة والاستثناء في الظرف التاريخي، أو لدى الشخصية. يبني تاج الدين الموسى قصته "الزيارة" على خصيصة "ان اصحاب الأنوف السليمة، الأنوف التي تشتم جيدا، وتميز.. هم الذين يقفون في المقدمة"، وعند عبدالجليل، بطل القصة، ان الذين صاروا مليونيرية استعملوا أنوفهم "إنهم يعرفون أين يستثمرون قرشهم، ويشتمون راحة الصفقة الرابحة، ولو كانت في آخر العالم" (ص  19مسائل تافهة). واليوم، جاء عبدالجليل المحامي ليزور أخاه عبدالغني، ويحاوره وزوجته حليمة في تشغيل رأس مالهما، والموضوع باختصار: "أنا عرفت طريق الثروة يا أخي. فقط أريد ان تضع أنفك بجانب أنفي لنبدأ معاً" (ص  19مسائل تافهة). ولكن أخاه وزوجته يرفضان الصراع الازلي بين الطامحين والقنوعين. فما كان من عبدالجليل إلا ان خرج ناقما، وهو يردد: "إلى أين أروح بهذا الأنف يا رب؟.. إلى أين؟" (ص  24مسائل تافهة).
وفي قصته "التحول"، يروي الأب ساخرا متوجعا كيف ربي وحيده وحيد، وكيف شقي والأسرة من أجل نموه وتعليمه، وكيف تحولت حياة الأسرة كلها من بحبوحة إلى ضيق من أجله. ثم يتحول الوحيد إلى امرأة، فهذا هو جسده، وهو حر. يكشف الأب شيئا فشيئا عن التحول بوصفه فجيعة "تهد الحيل" كما يقول التعبير الشعبي. ولعل خاتمة السرد الذي ينسرب في حيلة فنية عبر حوار مزعوم بين الأب وأحد سكان الضيعة هو مكمن الفجيعة:
"فيا عبدالرحمن، أرجوك.. أبوس يدك كف شرك عني. أنا لن أحكي لك شيئا مهما كلف الأمر. أأفضح نفسي؟ وإن فعلت، لا سمح الله، وحكيت لك، قد تقول لي مثلما قال لي الأستاذ (يقصد ابنه الوحيد). انه جسده وهو حر، يا أخي: هو جسده، وهو حر، ما اختلفنا.. لكن كيف أنظر في وجوه رجال الضيعة بعد الذي جرى؟.. كيف؟!" (ص  23مسائل تافهة).
ويمعن تاج الدين الموسى في اسلوبيته الدعابية، أي توشح الفكاهة الناقدة بالمرارة، في مجموعته الثانية "الشتيمة الأخيرة"، فيشرح الأوضاع الخاطئة، ويلح على ضيعة القيم تحت وطأة المتغيرات الاجتماعية الطاحنة، وينادي الكرامة الإنسانية المسفوحة على مذبح الشره والاستغلال والإذلال، وينفح ضميرا اخلاقيا لا يقبل الضيم والحاجة والضعف. في قصة "النسر" يمنعون عنه الأرض، فأخذ الرابية التي عافوها، وأصلحها وزرعها واستثمرها، ولكنهم لم يتركوه بحاله، ويهددونه:
" - يريدونك في المنزول (يقصد مضافة المختار)، هناك المعلم أبو الدهب.. ورئيس المخفر سيهدم غرفتك فوق رأسك إذا لم ترحل اليوم عن الرابية.. يقولون: إن الحكومة ستعمل مشروعا سياحيا بالرابية.. وهناك رئيس الجمعية الفلاحية" (ص  53الشتيمة الأخيرة"، ولكن نسر لا يذهب، "ومن يريد نسر يجيء عنده" (ص 54).
أدرك نسر "ملعوبهم" وطمعهم، فيوم "صارت الرابية جنة، لعبت عيونهم عليها.. راحوا إلى سجلاتهم الصفراء، ثم جاؤوا إليك، وقالوا: هذه الأرض للجمعية الفلاحية". (ص 56)، ويحاصرونه، ويخسر القضية أمام باعثا هذه الدعابية الموجعة من خلال أمرين، فجعل المطلب بالرابية هو الجمعية الفلاحية التي يفترض ان تدافع عن حق الفلاح بأرضه، واستند، فيما استند إليه، إلى الشعار المعلن ان "الأرض لمن يفلحها"، فاكتشف "بعد أن شلحك المحامي، وخسرت الدعوى، ان العدل خارج حيطان المحكمة" (ص 57".وعندما خابت جهودهم في اقناع نسر بالتخلي عن الرابية، انقضوا عليه وقتلوه. بدأ الأمر تخويفا، أو هكذا طلب المعلم، لأنه لا يريد ان يضعه في رقبته، وعندما هجم الفلاحون وأولاد نسر على المعلم، هرب بسيارته عبر طريق فرعي. أما نفحة النبل ففي الخاتمة المؤسية: "قال الفلاحون: ما قتلته الرصاصة، الرصاصة في الفخذ لا تقتل.. نسر مات من القهر" (ص 60).وتتكرر هذه النبرة الحزينة في غالبية قصص المجموعة الثانية، حيث قسوة التحولات المجتمعية على وجدان الفقراء والبسطاء. يستغلون السلطة ويقضمون الأرض في قصة "من أخبار الضيعة"، ولا تنفع الشكوى:
"يا ابن أخي، أنا لا أريد شيئا من الوزير. أريد أن أراه، لأقول له: يا سيادة الوزير، كلما طلع مسؤول من ضيعتنا يعيد تقسيم أرض الإصلاح، ويأخذ عشرة دنمات زيادة، فتنقص أرضنا ونخاف، يا سيادة الوزير، ان ننام ذات يوم آخر السهرة، ونفيق عند الصبح، لنجد اننا لم نعد نملك مترا واحدا من الأرض" (ص 68).
وتمثل مجموعة تاج الدين الموسى الثالثة "حارة شرقية حارة غربية" ذروة دعابيته في نقد الواقع من منظورات اجتماعية وسياسية متعددة في قرية هي محط التحولات المجتمعية عبر اكتناه جوهر الروح الانساني في مكابدتها لصنوف القهر والضعف والمعاناة.. وقد أفلح القاص في صوغ شخصيات وأحداث فنية شديدة الدلالة والتأثير، بكثير من الإلماح والاقناع. يرتب وجيه الحارة الشرقية من قريتهم في القصة التي تحمل عنوان المجموعة الثالثة زيارة وزير دولة للحارة، ولكن الحارة الغربية تنجح في استضافة وزير الزراعة، والمعركة قائمة، فالحاج عبدالغفور، وجيه حارتهم الشرقية لن يهدأ له بال حتى يستضيف رئيس الوزراء أو حتى وزير الدفاع على الأقل.
وفي قصة "حلم جدتي" تأخذ الدعابية طابعا أكثر قسوة في رؤية الطبيعة البشرية. تموت الجدة التي كانت تحلم بجمع أولادها وأحفادها، وها هم يجتمعون الآن، لا لحل مشكلاتهم المتفاقمة التي ظلت عالقة، ولكن لوداعها في قبرها. وفي قصة "الكرسي" أم فقدت زوجها، ولديها خمسة أولاد. هم يكبرون وهي تراهم صغارا. تزعل الأم وتذهب لبيت الجدة، لأن أحدهم كسر الكرسي الذي تصدر الأوامر منه، على انها تنكد عليهم في كل شيء. ويقرر الأبناء اللحاق بها عند الجدة، مما يضطر الأخيرة لطردهم جميعا مع الأم. غير ان المفاجأة أذهلتهم فقد وجدوا أمهم "قاعدة وسط أرض الديار، بيدها منشار، وقربها كومة من المسامير، وقدوم، وأخشاب مكسرة، وهي تحاول بنفسها اصلاح الكرسي الذي سحقناه". (ص  29-  30حارة شرقية).
من الواضح، ان السخرية غدت أكثر شفافية، أكثر دعابية، في قصصه الأخيرة، مما يجعل من تاج الدين الموسى هذا القاص الساخر بامتياز. انه يتمتع بحس فكاهي شديد اللذع والإلماح في تعبيره الصادق والأصيل عن قيم الانتماء القومي والوطني، والاحساس العامر بالكرامة الإنسانية.




 

بقية المواضيع

خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي
اللغة ومشكلة المعنى
بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان
تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز
طَيَران فوق الشعر
هشام يانس.. مؤدي أدوار الشخصيات السياسية:هددت بالقتل بعد تقليدي لابن لادن..ومثلت شخصية الملك حسين بحضوره..
رؤية .. محمد عبده.. ماذا بعد النهر؟!!
المصور والتشكيلي عبدالمحسن الطوالة: أنا كسول وكاميرتي لا تجمل صوري!!
حورية عرفات تشارك نجوم الدراما الكويتية في مسلسل (الناس للناس)
الذاتي والموضوعي في العولمة  المعاصرة
في إصدار ضمن سلسلة كتاب "الرياض"القرشي يقرأ اللغة ونص الكتابة في مشهدنا السردي
فوضى الواقع الثقافي ونهاية العروبة
النملة يقرأ المشهدين العالمي والمحلي
المنحنى النفسي لثقافة الطفل
تغيير الثقافة باستخدام السياسة
شعراء من أرض السواد
1000نون
وزير الإعلام البحريني يفتتح معرض ملون السعودية التشكيلي
شماليل
جروح الخفايا
قراءة في أوراق شاعر : ابن دحيم شاعر العرضة والغزليات
"الكعبر" يحفظ لعشرات السنين و"البكيله" أفضل طرق إعداده
رسالة إلى الشريك الخفي
رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال
ثلاثية "نحت على طين لزج"
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض