بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 04 September 2003 No. 12858 Year 39

الخميس 07 رجب 1424العدد 12858 السنة 39

  بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان

د. عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري

حين  يستخدم الاديب  لغته للايحاء لا للواقع يكون قد ادى صورة ادبية تتمثل  في  المجاز والاستعارة والتشبيه، وتكون اما ابداعية، واما نقلية، واما واقعية، واما بعيدة مهوى الخيال. والصورة الادبية تخلق  في النص  جمالا وجذباً اقوى من  الكلام العادي،  لان الصورة تغني  الفكرة، وتحرك القارىء وتنقله الى اجواء ارفع  من الواقع لكن اللوحات الذهنية لا يجوز ان  تتعدى المعتدل، والا خرجت عن مفهومها الجمالي، وابتعدت عن ادراك المضمون،  ثم ان  الصورة الادبية يحسن ان تكون موجزة والا  قصرت في ادائها"(1)
وقد ترتبط الصورة الفنية اكثر ما ترتبط بصناعة الشعر، لانه قائم على الخيال وتوليد الصورة، ليست الصورة في اطارها التقليدي التي تعنى بالكشف عن الصورة البلاغية وحسب، بل تتعدى ذلك الى الكشف عن  الدوافع النفسية لبناء الصورة  بناء جديداً يتجاوز المفاهيم البلاغية إلى آفاق ارحب تتمثل في الصور المركبة المتداخلة المعتمدة في الاساس  على الصورة الذهنية  المتخيلة في  ذهن الاديب يصوغها في قالب جديد.
وقد يصعب احياناً تحليل هذه الصور  باستخدام الادوات النقدية القديمة، لانها تعتمد على التكثيف، والغموض  الفني، والايحاء عبر  نظام  داخلي تفرضه طبيعة علاقة العناصر  فيما  بينها.
وقد اتجهت معظم الدراسات الادبية النقدية في تحليلها للصورة الفنية الى الشعر واهملت النثر، فلا نكاد  نعثر  على  دراسة تعنى بهذا الجانب، اللهم الا ما يقوم به بعض النقاد من نقل  لمصطلحات الصورة الشعرية  وإلباسها بافتعال على النصوص السردية، فتبدو الثياب  فضفاضة لا تناسبها.ومهما يكن من امر،  فقد يكون  من اسباب عزوف النقاد عن الكشف عن الصورة في النصوص السردية، وتحديداً في فن المقالة، ما قد يظنه بعضهم  بانها  قريبة المأخذ في عمومها، ولا تتجه الى بناء الصور المحلِّقة المبدعة كما هو الشأن  في الشعر.وهذه نصف الحقيقة، والحقيقة الكاملة هي ان  الصورة الفنية  في المقالة لا تمنحك جمالها ولا تبدي  لك مفاتنها الا بالتأمل والامتزاج التام مع السياق العام  للنص. في الزمن،  وفي العاطفة، ومن خلال  المؤثرات البيئية للمبدع، وفي كل  الظروف  المحيطة  بالنص.
اما اقتطاع الصورة  وتحليلها في منأى عن  هذه المحاور،  فهو  تحليل ناقص  لا يمتزج  بالنص النثري كما يجب.
وقبل  ان ندلف الى مقالات السرحان لبيان مصادر الصورة الفنية  فيها وتحليلها،  يحسن ان نتوقف  وبشكل سريع جدا عند الصورة الفنية في شعره بالاعتماد على الدراسة القيمة التي انجزها احمد المحسن - رحمه الله - لشعره،  وفيها يقول عن الصورة:  "مصادر صورة تنبع من منبعين اساسيين هما:  الانسان والطبيعة..، فالجانب الاول يتمثل في صراع الانسان مع الحياة..  صراعه من اجل تحقيق امانيه ورغباته،  ومنها صراعه من  اجل البقاء،  ومنها صراعه في مواجهة الزمن... والمنبع الثاني لصوره هو الطبيعة التي تشمل الحيوان والنبات  والجماد"(2).
ولا تعني  هذه المقدمة إلا الاعلاء  من  شأن  الصورة الفنية عندالسرحان في مقالاته،  ولا الامتزاج  بين  صورة الشعرية والنثرية، ولكن هذا التمهيد يفيدنا في تلمس  الصورة الفنية الكلية النابعة من فلسفته الادبية العامة.
واول ما يستوقفنا في  صوره الفنية، اعتمادها على عالم الحيوانات والطيور والحشرات، وتصنيفها في مجموعتين: الاولى تمثل الايجاب، والاخرى السلب.
وهي  في  تركيبها  لا تستدعي التراث،  فتكون  منقولة  عبر  المخزون الذهني، ولكنها صور جديدة استقاها من  بيئته  وحياته في  البادية وتطلعه المستمر الي الحياة فيها، فهي  في  مجملها صادقة ودقيقة  وليست تماثل صور  الادباء  الحضريين الذين ترد  في نصوصهم دون وعي تام لمدلولها في البادية،  بل  ربما كان بعضهم  لم  ير الحيوانات التي  يذكرها في نصوصه الادبية،  مما يذكرنا  بمؤلفي كتب المواضع الذين يقطنون  اماكن بعيدة ويكتبون عن المواضع في الجزيرة العربية، فيقال عن "جبل رضوى":  انه قريب  من المدينة، واذا به في ينبع وليس قريبا منها(3)، واذا بحمدالجاسر  يهض  لتصحيح كلالاخطاء في مواضع الجزيرة العربية.
وهناك محور آخر  في بناء الصورة  عن السرحان،  وهو الانسان في  مدينته/ مدينته اختراعاته، وكلها صور سلبية ينظر اليها نظرة متشائمة، والانسان في  خيمته/ مع غنمه/ في صحرائه، ويمثل  الايجاب.
وقد تبدو بعض صور السرحان اذا ما انتزعت من سياقها القريب (المقالة) او سياقها البعيد (المقالات) محدودة ومباشرة، ولننظر:
الشهرة/ الطاووس.
الاطفال / العصافير
الشاب/ وعل اعصم
الانسان/ الحيوان.
انها صورة تبدو لا روابط واضحة بينها، وليس فيها ما يلفت النظر،  ولكننا اذا امعنا في سياقاتها، وحللناها من منظور  فلسفة السرحان الادبية العامة، وجدنا فيها ما  يستحق التأمل والاعجاب.
فاما المحور الاول (عالم الحيوان والطيور والحشرات) فهو يمثل الصراع بين المدينة والخيمة، فالمدينة ترتبط بالمجموعة (أ) وتمثل: السمك، الطاووس،  الضفادع، الخنفساء.
والخيمة ترتبط بالمجموعة (ب) وتمثل: الغنم، الجمال، والوعول، العصافير.
ولكل رمز، ولكل دلالة، فهو  لا ينظر الا الى الوجه القبيح  في المدينة،انها تمنحك الشهرة،  ولكنما الشهرة؟ انها "مثل ذيل الطاووس براق الالوان لماع الافواف كلما انعكست  عليه اشعة الشمس ازداد ألقاً وجمالاً"(4). وماذا بعد؟ لا  شيء.
ويبدو الصراع واضحاً بين قيم  الصحراء وقيم المدينة، فها هو يسخر من نفسه ويضع  يده على مكنوناتها الداخلية  في تطلع واضح لقيم  البادية التي رمز لها بالجمل،  فيقول: "كنت غبياً الى حد اني لا اعلم عن غبائي شيئاً.. اعني  نفسي بالرد في بعض الصحف على كتاب اعلام في الداخل والخارج فما اشبهني بالخنفساء  الحمقاء التي تتسلق ظهر الجمل، ويزين لها الوهم حينذاك انها اكبر من الجمل نفسه!"(5).
فالصورة  هنا تمثل الصراع  غير المتكافيء بين حشرة سوداء حمقاء وليست طبيعية، وحيوان يمثل الانفة والكبرياء والنقاء في  اجمل  صورها.
انها  تسلق، ولا تستطيع المواجهة، وتسلك الطرق المعوجة  للتأثير ، ولا تصاب  باليأس، لان الوهم  قد نفخها فظهرت اكبر من الجمل.واما الجمل  فغير عابىء بها، لكنها  قد تؤثر فيه بمرور  الزمن، وهذا ما يبدو  في مداهمة المدينة للقرى والارياف والهجر وكل القاطنين خارجها.
وقد يهاجم صور التناقض  والتلون والتنافر في اخلاق المدينة مستخدما عالم الحيوان  فيقول: لقد عشنا جميعا نبيع الغنم.. ولكننا لم نعش لتنفس الهواء مثل (الضفادع)، ولا لتنشم  الماء مثل (السمك).."(6).
فالغنم جاء تصنيفها في مجموعة الايجاب، والضفادع والسمك في مجموعة السلب، وهما ليسا من  بيئة البادية.
واذا تذكرنا ان الضفدع "حيوان برمائي  ذو نقيق"(7)، والسمك يغمس نفسه في الماء ولا يكاد يظهر، أدركنا جمال هذه الصورة التي أراد فيها وصف أخلاق المدينة بالتلون والنفاق والتناقض (برمائية)، وبالخبث ممثلاً في السمك الذي يختفي فلا تظفر به الا بجهد ومشقة!، وهكذا هي المدينة دونها خرط القتاد.
ومما يؤيد هذا الصراع الداخلي الذي يعيشه السرحان قوله عن الادب: "شغلنا عن كل ذلك عن الشعر والنثر والنقد بأعراض هذه المعيشة المرزوءة التي لا تتحقق أحياناً إلا باهدار المروءة وبخس الشرف" (8).
اما بيئة البادية بنقائها وصفائها ووضوحها فهي تمثل عنده الحلم/التطلع، ويرمز لها بحيواناتها وطيورها، وتعني لديه كل القيم والمثل الجميلة، بما في ذلك البراءة والبساطة والوضوح.
فالعصفور رمز الحرية والانطلاق، لا يعيش بين جدران، ويطير في كل اتجاه كيفما شاء، وهذا بالضبط هو ما يتطلع اليه السرحان ويمثل حلماً دائماً يلح عليه: "كنا كالعصافير تنطلق من أوكارها خماصاً، فتعود بطاناً، وكنا نعبث ما حلا لنا العبث" (9).
وفي شبابه المبكر لم يجد ما يصف به نفسه وهو يرعى البهم (صغار الغنم) إلا ان يقول: "وكنت - إذ أرعى البهم - اثب على شعف الجبال كأني وعل أعصم.." (10).
وهي صورة مأخوذة من بيئة البادية، ومرتبطة في ذهنه بالأنفة وعزة النفس.
وأما المحور الثاني (الانسان) فهو مرتبط بقوة بالمحور الاول ولا ينفصل عنه، والانسان هنا يسير في اتجاهين: الاتجاه الاول: انسان المدينة/المدنية ويمثل السلب، والآخر: انسان البادية، ويمثل الايجاب، فلننظر كيف جاء بناء الصورة هنا وهناك؟
إن الوقوف على ذلك يتطلب منا فهماً جيداً لسيرة السرحان الذاتية، وأبرز المؤثرات التي أسهمت في بلورة مفهومه الادبي وفلسفته الادبية تجاه الحياة والناس والمجتمعات، ومن ثم يكون فهمنا للصورة مبنياً على اساس وليس على أوهام. فالسرحان عاش اول حياته مرتبطاً بالحياة البدوية ارتباطاً قوياً، يرعى البهم، ويبيع في الاغنام، وكان مسكن أسرته في حي المعابدة، وكان في ذلك الوقت خارج مكة وفي أطرافها، فكانت حياته تشبه حياة البادية في معظم مظاهرها، ولكن لم تمر سوى سنوات حتى طغى التوسع العمراني على حياتهم البسيطة، وأدخلتهم الحاضرة في خضمها والسير على سننها ونواميسها، فمنهم من ألفها وعاش معها معيشة سلم ورضا، ومنهم من تصدى لها وخاض معها حرباً ضارية، وفي المقدمة من هؤلاء: حسين سرحان (11).ومن أهم صفاته كره التزلف والمداهنة واجتنابهما، والتطلع الى عالم مثالي، فنتج عن ذلك "حساسية شديدة تجاه تصرفات الآخرين، ومراقبة دقيقة لأحوالهم، فقد رأى التعامل في الحاضرة يقوم على تبادل المصالح والعمل على تحقيقها من وجهة فردية بحتة، وما يجر ذلك من رذائل النفاق والتزلف"، فلم يرق له "هذا الحال وعز عليه تبدل القيم والمثل والفضائل، وإيثار الحياة المادية التي ي
نطلق منها معظم التعامل بين الناس" (12).
ومن هنا جاءت صورة الانسان المدني لديه قاتمة، ليس في منظورها القريب، ولكن في المنظور البعيد، وأعني نظرته الى الانسان الذي انتج الحضارة والتمدن وطمس البراءة والفضائل والمثل، فكان ان حمل أكثر من مرة على الانسان/السلب فأخذ منه اهم صفاته، وهي "العقل" فمنحها الحيوان، ومنح الانسان/السلب صفة "الجهل"، فأنشأ مقالته "الحيوان العاقل والانسان الجاهل" (13).
فالصورة هنا قائمة على المفارقة وتبادل الأدوار، لماذا؟؛ لان الانسان أحمق يريد ان يدمر نفسه بالمدافع والصواريخ والقنابل الذرية، وتلك هي براقش التي جنت على نفسها (14).ولا يفتأ السرحان يحمل على الانسان، فنراه في موضع آخر يشبهه بالحيوان، وما ذاك إلا لسوء تصرفاته التي عجز عن تفسيرها، فارجعها الى (الحيوانية) المتمثلة فيه، فقال في دعابة ممزوجة بالسخر: "إن هذا استعراض لما كتب عن الحيوان في بعض عهوده.. بقي حيوان واحد لم يكتب عنه كما ينبغي ولا كما يجب في صنوف الحيوان..  ولا كما هو صحيح! إنه.. الانسان! وله حديث آخر" (15).
وقد يعتمد في بناء الصورة للانسان/السلب على الاستعارة، ويبتعد عن الانسان بقدر ما يقترب منه، فالمدنية الحاضرة التي أنتجها الانسان تبعث على التساؤل، وتلقاه بوجه كالح منفر، فيصفها قائلاً: "فلست أدري بالضبط متى بدأت هذه العجوز الشوهاء الحيزبون تتخذ الاصباغ والطلاء وأدوات التبرج، لتعود كما خيل اليها غادة كعاباً" (16)
إذن، فالمسألة تنطوي على الخديعة: عجوز شوهاء تحاول ان تغير ملامحها، وهذا هو سبب رفضها.
ولكن السرحان لا يتركها تهنأ بشبابها المزيف، بل يراها بداية النهاية، فبقدر ما تحمل من الخديعة والحنق ضد الانسان البسيط النقي، فإنها في الوقت نفسه تحمل جراثيم فنائها في عناصرها الأساسية، وستدمر نفسها بنفسها (17).
فهنا صور مركبة قائمة على الاستعارة الجميلة ساقها السرحان وفق منظوره الفلسفي تجاه الحضارة والمدنية.
ويقودنا الحديث عن الصور الفنية الى الوقوف على مظاهر أخرى من مظاهر الصراع بين الانسان/السلب، والانسان/ الايجاب.فالسرحان يخبرنا ان استاذهم في الكتاتيب يضربهم بقسوة "فكأنه يضرب نعاجاً، لولا ان النعاج قد تستطيع ان تهرب" (18)، وفي شبابه يخبرنا انه يثب كأنه "وعل أعصم"، وانه يبيع الغنم، ولا يكون كالضفادع، وأدبه كالطائر الهزيل يحاول ان يطير ولكنه لا يستطيع، يقول: "نصف قرن أهدرته في رصف الكلمة وأختها وبنت عمها، حتى يتكون منها شطر، ثم يتولد الشطر الثاني، فاذا هما يطيران بجناحين هزيلين.." (19).
إنها في الواقع صور حقيقية للصراع الذي عاشه السرحان في حياته، فكان ان عبر عنه  من خلال الرمز مستعيراً عالم الحيوان، فاستاذ الكتاتيب القاسي يمثل صورة الانسان المدني، وابن البادية بريء يشبه النعجة، ولكنها أفضل حالاً بإمكانها الهرب عند الضيم، ولكن كيف الخلاص من قيود الحاضرة؟وأدبه يمثل الطائر الحر الأبي، ولكن حبسه في قفص المدينة نصف قرن جعله هزيلاً لا يكاد يقوى على الطيران.ومع شعوره بالضعف، فانه يرفض ان يكون عالة على الآخرين (20)، معتمداً - بعد الله - على نفسه، ولا يتعكز على غيره - كما يعبر (21)-.والعكاز من لوازم الحاضرة، والعصا من لوازم البادية، ولذلك لم يقل: "آخذ عصا غيري".أما الانسان/الإيجاب فهو مرتبط في ذهنه دائماً بالكواكب والسماء والفضاء والرمال، وتجده يحدثك عنه حديث المعجب بأنفته وعزته على فقره وبساطته.واذا كانت المدينة/المدنية عجوزاً شوهاء، فان البادية ترتبط بالسحر والجمال، والزمن في البادية يرتبط بأجمل مراحل العمر (الشباب)، فها هو يصف لنا الحياة في البادية وصفاً يتجاوز الصورة الجامدة (الفوتغرافية) الى الصورة المتحركة التي تصف الاشياء بدقة متناهية: ليلاً ونهاراً، وفي الارض وفي السماء، وترقب السراب وكيف يتح
ول الى ماء تعبره خوضاً. يقول: "للبكرة والاصيل والليل، في البراري معان غير معانيها في الحاضرة، فانك في الحاضرة لا ترى الشمس - إن تفضلت فنظرت اليها - إلا من خلال البيوت المتراصة وفجوات الحيطان القائمة كأنها السدود، فتراها - عندئذ - مثل دينار البخيل بدا حاجب منها وضنت بحاجب، اما في البر الواسع الشاسع فانك ترى هذه الأشياء على أبهى ما ترى طبيعة وجمالاً وجلالا.
فترى السراب الخادع وقد اصطفق فوق الرمال، كأنه يعزيها عن الحقيقة بالخيال، وترى الرمال، وقد حملته ورقرقته، وأخذت تدنيه وتقصيه، وترفعه وتخفضه، حتى لا يكاد الانسان كلما دنا منه ان يشمر عن ساقيه، ويعبره خوضاً.
فاذا أضواك الليل، وتموجت أمامك الكثبان العفر، رأيتها وهي متباعدة كأنها متقاربة وكأنها تشترك جميعاً في نجوى عذبة، ورأيت النجوم تشعشعها بالضياء فوق طرائقها الملساء، وتحدجها بعيون تكاد تتساقط فيها الأنداء.
الكثبان والنجوم تلك تلتصق بالغبراء، وهذه في أجواز السماء، ولكنك تراها في الليالي القمراء، كأنها تدني من بعضها أقرب إدناء، وتتلامس منها الانوار والأوفياء، فما يعييك لو سبح بك الخيال المجيب ان ترى الكثيب في النجمة أو ترى النجمة في الكثيب!وإذا الشمس القت خمارها في الصباح، وتجلى الأفق الشرقي في لازوردية مفضضة مذهبة، رأيت الأطيار تتواثب على ذوائب السلم والطلح والبشام، ورأيت الارض من أنجاد وأغوار، وكأنها تتحرك وتوصوص بعد غفوة الليل الطويلة، وترى السفوح، وكأنها انفصلت لتوها عن الجبال وارتدت الى مكانها المنخفض بعد ان كانت تطاولها في الظلام الذي لا فرق فيه بين شم الجبال ورؤوس الآكام" (22).
كيف رأيت السرحان هنا؟ اهو شاعر أم ناثر؟ وهل هو رسام او مصور؟ وكيف تصف نفسيته ومشاعره وعاطفته؟
إنه يكتب بصدق عن البيئة التي تعيش في ذهنه باستمرار وتلح عليه، ويرى فيها العزاء عن ضغوط الحاضرة.
ولعلك تلحظ المقارنة بين الحاضرة والبادية في مستهل النص، ثم تأمل هذه الصور الجميلة: "ترى السراب الخادع وقد اصطفق فوق الرمال.. وترى الرمال وقد حملته ورقرقته"، "تشترك جميعاً في نجوى عذبة"، "تحدجها  بعيون تكاد تتساقط فيها الانداء"،  "واذا الشمس ألقت خمارها في الصباح"، فكأنك لم تر الصحراء من قبل، وتقرأ وصفها من السرحان يغريك برؤيتها.
وليس هذا كل ما نعثر عليه من صور فنية جميلة، ولكنها الابرز لكونها متتابعة ومرتبطة لديه بالبيئة/ الحلم.
إن السرحان يبدع عندما يستدعي ذكرياته في البادية؛ لانه يكتب بصدق وبعفوية وعن طبع، ولنقرأ سطوراً من مقالته "الشباب"، ولننظر كيف استطاع بناء صور فنية جيدة. يقول عن الشباب: "شيء لا أعرف كنهه.. يفور.. شيء يتفجر، شيء ينطلق الى تخوم الارض، الى عنان السماء، الى الأغوار، الى الفضاء، زفاً، زفاً.. كزفاف القمر الى الجوزاء".
إنها صورة جميلة، واجمل منها تلك الصورة الفلسفية التي ربط فيها بين العين والشباب فقال: "وكما تجتمع الدنيا بأسرها في العين المبصرة، كذلك الحياة لا تكون مصطفاة همامة إلا في الشباب" (23).
وهي صور مبتكرة - في ظني - لم يسبقه إليها أحد.ومن الصور الجيدة التي نعثر عليها، قوله:
"أما اللحم فهو كوكب لا يلمح في ليالي الفقراء" "حتى رأينا الطائف عن كثب، وكأنه خميلة ملفوفة في الضباب".
"كان المطر يباكرنا.. حتى لكأنا كنا نتنفس مع الربيع بأنفاسه" (24).
وثمة صور عادية يستقيها السرحان من قراءاته وثقافته، وليس له فيها جهد؛ لانها صور مألوفة مثل:
"كالسحابة الهطالة".
"كبرق سحابة التوى ثم انطوى".
"أعلام أمثال الجبال" (25).
الهوامش
(1) المعجم المفصل في الأدب
591/2.(2) شعر حسين سرحان: دراسة نقدية، ص
261.255.(3) ينظر: حمد الجاسر، بلاد ينبع، الرياض: دار اليمامة، 1386ه/1966م، ص
135.(4) انظر: جريدة البلاد السعودية، ع1367/1/11.681ه، ص.
(5) جريدة المدينة، ع1367/3/8.229، ص
1.(6) انظر: عبدالسلام الساسي، الموسوعة الادبية. مكة المكرمة: مطابع دار الثقافة، 1393ه،
90/2.(7) المعجم الوسيط، ص
541.(8) جريدة عكاظ، ع 469، 1386/1/27ه، ص
3.(9) مجلة المنهل، رجب - شعبان 1360ه ، ص  42.واقرأ قوله في مقابلة صحفية: "أتمنى أحياناً ان أعيش في الفضاء - اي فضاء - في شكل اي طائر من الطيور البعيدة التحليق". (جريدة البلاد، ع131، 1382/1/20ه ، ص
4.(1) مجلة المنهل، (مرجع سابق).
(11) شعر حسين سرحان: دراسة نقدية، ص  64(بتصرف).
(12) المصدر نفسه، ص
28.(13) مجلة المنهل، جمادى الاولى 1372ه، ص
212.(14) المرجع نفسه.
(15) مجلة العرب، ع 8،صفر 1388ه ، ص
694.(16) مجلة المنهل، صفر 1368ه، ص
68.(17) المرجع نفسه.
(18) جريدة عكاظ، ع3، 1379/12/24ه، ص
8.(19)مجلة  اقرأ، ع44، 1395/10/11ه، ص
62.(20) الموسوعة الأدبية
90/2.(21) انظر: جريدة "الرياض"، ع7179، 1408/7/1ه، ص
5.(22) مجلة المنهل، جمادى الاولى 1366ه، ص
208.(23) جريدة البلاد، ع 1358، 1383/30ه، ص5.(24) البلاد، ع981، 1370/3/24ه، ص1، والمنهل، رجب شعبان 1360ه، ص
42.(25) البلاد، العددان:  516-1271، وعكاظ، العدد الثالث.




 

بقية المواضيع

خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي
اللغة ومشكلة المعنى
بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان
تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز
طَيَران فوق الشعر
هشام يانس.. مؤدي أدوار الشخصيات السياسية:هددت بالقتل بعد تقليدي لابن لادن..ومثلت شخصية الملك حسين بحضوره..
رؤية .. محمد عبده.. ماذا بعد النهر؟!!
المصور والتشكيلي عبدالمحسن الطوالة: أنا كسول وكاميرتي لا تجمل صوري!!
حورية عرفات تشارك نجوم الدراما الكويتية في مسلسل (الناس للناس)
الذاتي والموضوعي في العولمة  المعاصرة
في إصدار ضمن سلسلة كتاب "الرياض"القرشي يقرأ اللغة ونص الكتابة في مشهدنا السردي
فوضى الواقع الثقافي ونهاية العروبة
النملة يقرأ المشهدين العالمي والمحلي
المنحنى النفسي لثقافة الطفل
تغيير الثقافة باستخدام السياسة
شعراء من أرض السواد
1000نون
وزير الإعلام البحريني يفتتح معرض ملون السعودية التشكيلي
شماليل
جروح الخفايا
قراءة في أوراق شاعر : ابن دحيم شاعر العرضة والغزليات
"الكعبر" يحفظ لعشرات السنين و"البكيله" أفضل طرق إعداده
رسالة إلى الشريك الخفي
رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال
ثلاثية "نحت على طين لزج"
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض