عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 03 October 2002 No. 12522 Year 38

الخميس 26 رجب 1423العدد 12522 السنة 38

  رواية مسالك العصب والدم

محمد علي شمس الدين

وجدت نفسي مضطرا، وأنا اقرأ رواية الشاعر اللبناني عباس بيضون الصادرة له حديثا عن دار رياض الريس في بيروت بعنوان "تحليل دم" لاقرأ معها رواية "الغريب" L.etsouger  للروائى والمسرحي الوجودي الفرنسي الراحل في الستينات ألبير كامو Albest Comues وقد لاحظت روابط مشتركة بين الروايتين لجهة انطلاق كل منهما في واقعة "الموت" ثم الدخول منه في تفاصيل حياة ومسالك الأشخاص، فكامو يبدأ روايته حول واقعة موت السيدة مرسولت  mue Messeault العجوز في مأوى للعجزة، وحضور ابنها لتسلم جثتها وعباس بيضون ينطلق بروايته من واقعة موت العم في المهجر الافريقي (دكار) في ظروف غامضة، وبداية البحث وتتبع سيرة العم وعلاقاته وصفاته، بدافع يكاد يكون مرضيا أو عصبيا ويكاد يصل لحدود حلول نفس العم في جسد الراوي حتى ليحسبه هو هو او ان تقمصا ما قد حصل بين العم وابن أخيه، في السلوك والعلاقات.
وهنا تفترق الروايتان، فكامو يسلك مع بطله سلوكا آليا وجوديا، يصل لجوهر العبث في السلوك والمصائر، فهو يقوم بجريمة قتل على الشاطئ  مثلا، لايذكر من اسبابها شيئا سوى انصباب اشعة الشمس القوية على دماغه، وتحركه العصبي الآلي في اتجاه القتل، اما عباس بيضون فيسلك مع الراوي واشخاص الرواية مسلكا نفسيا، فرويديا معقدا، نستطيع ان نعتبره ايضا مسلكا عصبيا، لا يخلو من مزاجية السلوك من رفض وقبول، حب وكراهية، لامبالاة ورغبة.. الخ هو يكره بلاغة أبيه وطنين ألفاظه وضخامة العبارات، ولكنه حريص اشد الحرص على تقصي ادق التفاصيل في ما خلفه من مخلفات ورسائل وأوراق محفوظة في صندوقه، والراوي (ولا افصله عن الكاتب فصلا كليا ولا أصله به وصلا مطابقا) شخص خاص، وحتى الموت لا يهمه، ولكنه يرصد باهتمام بل بدأب ويتابع علاقات لا مبالية كثيرة، وشخصيات عابرة ليست في العمق بل على سطح السيرة، وتراه ايضا يرصد ادق التفاصيل والعبارات والحركات لأشخاص يلاحقهم ويلاحقونه، ولا يقدر أن يبرأ منهم على امتداد الرواية، فالموتى هنا لا يموتون.
يجمع بين شخصي بيضون وكامو، في "تحليل دم" و"الغريب" ايضا، الضغط على الحواس من الخارج، الا اننا نلاحظ، استدراكا، الضغط لدى بيضون من داخل، وهو ما يميزه، باعتبار العصب، الدم، النفس، عوامل موجهة للسلوك اضافة لمؤثرات الخارج.
ففي الغريب لا يفتأ السرد في الرواية يشير الى اشعة الشمس وانعكاسها على الزجاج، او الشاطئ، او الوجه او العينين، وثمة رصد للغبار ودخوله في موشورات الضوء، ولدى عباس بيضون ضغط للغابة الافريقية والليل الافريقي بسحره وخوفه على أشخاص صفية ووالدها علي شرف، وامينة، وعمه وشبيهه موسى.. انه يسرب الرعب والسحر الافريقي الى سلوك اشخاص يظهرون وكأنهم قائمون في منطقة وسطية بين النوم واليقظة، اشخاص شاردون مهمومون بشيء آخر غير الشرف والنساء، بل خاضعون لشر غامض يحدث في الغابة الافريقية.
علي شرف، والوصفية، مهاجر ثري في دكار، صاحب ليل، يصفه المؤلف بانه شرود متأتي نصف مسطول ولا يقتفي دفتر حسابات وكل شيء يحدث في رأسه، يعيش في قصر غامض، نظراته لزوجته وابنته ولاصدقائهما من خدم وسائقين، ولعمه موسى (صديق ابنته صفية) خرساء مريبة، ينضح منها الشر، ولا يعرف احد كيف ومتى ينتقم، يقتل مثلا، او يرسل من يقتل، وبحوزته مجلدان اصفران من كتب السحر يقضي ليله في القراءة فيهما، وفي قبو منزله اكوام من الريش وعقاقير ذات روائح لاذعة وانابيق وعظام ومثلثات ودوائر وحبال وخيطان وبسط ومظلات واسعة ودواليب ومقابض وذرور ومسامير وصنوج.. غالبا ما يظهر لدى عباس بيضون، مع تأثير المناخ والخارج، شيء ما اخر، شخص ما اخر، يتكلم في الأشخاص من داخل.. كأنهم حريصون وأكثر ما يتجلى في هذا الحال، في سيرة الراوي بالذات، فالرواية، من حيث هي رواية سيرة لكاتبها أو لصاحبها وعائلته، تركز على "العم".. هي رواية البحث عن "العم".. في ذات الراوي، والعم (واسمه موسى) مهاجر من جملة المهاجرين الى "دكار"  في افريقيا، غامر واغتنى وافتقر ومات في غموض، ونسج علاقات عمل وصداقة وعلاقات نسائية (لا نستطيع ان نسميها حبا) مع نساء كثيرات ابرزهن "صفية" ابنة علي شرف، ال
تي تعود الى لبنان بعد موت العم، ويرتبط بها الراوي بعلاقة بين الجسد والنفس، بين الرغبة في النبش داخل جسدها ونفسها معا عن صورة عمه فيها.. بل عن ذاته هو الغائرة في عمه، والتي يرغب في ان يعانقها من خلال جسد صفية وأسرارها..
لجهة الحسية والضغط على الحواس نعثر في رواية بيضون على ما نسميه ضغط الرائحة في اكثر من شخص من اشخاص الرواية، يصف جسد ابيه بانه كان يفرز تلك الرائحة الكريهة التي هي ايضا دموع آسنة، والتي احس ايضا انها ليست الدموع وحدها بل الكلام المحصور، ولو تكلم لو ان الكلام ممكن، لكان تحرر قليلا من رائحته.. والرائحة في انفه، وفي انفاسه المترددة، رائحة سمك قديم او ازهار عفنة يشمها وحده ويكاد يأسن بها انها رائحة نفسه، بل لشدة الحاح الرائحة تكاد تنبعث من سويداء قلبه، ليست دموعه المحتقنة فحسب بل افكاره الميتة. ليست رائحة فقط، يمكن أن تكون فكرة موجودة كالسوس بني افكاره، قد تكون وسواسا اختفى وترك مكانه رائحة، فكر ما اذا كان الزنخ رائحة بل رعبا، يقول "الدهن العرق  أليست هذه احشاؤنا ايضا؟.. ويفكر في ان كل مياه العالم لا تقدر على أن تغسل هذه الرائحة، وضغط الرائحة ايضا، التي تتحول من الخارج الى الداخل فتغدو رائحة نفسية، تتعدى الأب الى أشخاص آخرين، في اشياء عمه، بل يشير الى أن لها رائحة وهي مريضة، رائحة أخرى تحت الجلد وتحت خصلات الشعر، وان الطبيب قال لابنتها سمية ان جلدها بحاجة الى مادة .
ما يميز رواية عباس بيضون هي انها رواية عنكبوتية لجهة العلاقات والأوقات والاشخاص، يأخذك فيها احساس المتاهة Labyrinthe  - صحيح انها رواية عصب ودم وعائلة، مبددة بين صور (في جنوب لبنان) ودكار في السنغال، ولكنها ايضا رواية مغامرة اللبنانيين في افريقيا، حيث الثروة والموت مقترنان، وحيث السحر وغموض المكان يلفان الأشخاص بأقنعة مخيفة.. بل لعل الشخصيات من دون استثناء شخصيات معذبة بأقدارها، ولا يعرف سبب لهذا العذاب، وهي شخصيات ملتبسة، فثمة التباس تبدأ بذرته من اول الرواية، قائم بين عم الراوي (ويدعى موسى) المهاجر لدكار، المغامر  الواقع على الغنى بتجارة الألماس، وعلى تبديد الثروة فجأة، على يد المنافسين له، وأحد العاملين بخدمته (واسمه موسى ايضا) الشبيه به في ملامحه، يموت العم، ويعود موسى الى صور، فيجن، ثم يوما بعد يوم، يلمح للراوي الى أنه هو نفسه عمه.
الراوي لا يحسم الأمر، لأنه لم يعرف عمه الا في صوره ورسائله واخباره، وهو حين يسأل عمته عن هذا  الأمر تقول انها لا تعرف من هو عمه ومن هو موسى الآخر تقول "ذهبا الى "كولخ" وهناك مات أحدهما وفقد الآخر عقله، لا تعرف من مات ومن جن.."
هذا الغموض يهب الرواية جاذبية خاصة، ان جاذبيتها كائنة في متاهتها.. ومتاهتها متأتية من كونها تتوغل في شبكة واسعة من اعصاب العائلة ودمائها وجيناتها "حين استرجع اليوم انشغالي الهوسي بعمي احس انني كنت في الواقع افكر بنفسي".
ولكنها حفر في اعصاب الذات "ذات الراوي - الكاتب" ودخول في دهاليزها المعتمة.
اما التقنية فقائمة على التداخل والتداعيات والسرد الارتدادي، وترك الأشخاص ينتشرون على امتداد الرواية، انتشارا افقيا، ما خلا الراوي وعمه.. حتى نكاد نسمي الرواية "رواية العم" الأم والاخوات وسائر الأشخاص "ما خلا صفية" نكاد نشعر انهم حاضرون بضرورة النسيج العائلي للرواية، اما العم فهو هو الراوي التباسه مشكلته ومآله الغامض.
وهذا البحث عن العم هو الذي يشد اواصر الرواية الى بعضها البعض على امتداد محطاتها واشخاصها، بقي أن نسجل، في سياق السرد الذي هو سرد مناسب لغيبوبة فضاء الرواية.. وينتقل من المحسوسات الى الحواس ومنها الى العصب فالنفس فاللغة، هذا السرد يتوتر على امتداد الرواية، بضربات متتالية باوصاف نفاذة او جمل نفاذة.. يقول "كان رأي الدمع في عينيها مرارا وهي نائمة، الآن يشعر بان الدمع يملأ راحته من خصرها وجسدها بل شعر بانه يسمع الدموع في جسده.. كانت كليا بين يديه خارجة من النوم جسدا قبل الرغبة"..
يقول في ابيه "لم يصلني منه الا دويه، في اكثر اوقاتي حاجة له خاطبني بعبارات صماء.. صوته الرخامي العريض الذي كأنه ليس لأحد.. وهذا الوصف الوحشي الساحر لافريقيا الغروب يتصاعد كنفس عميق كأنما تتحرر الارض من حماها بلهفة قوية.. تتحرر الاشجار والهواء نفسه يبدو وكأنه يصغي الى لغة مبهمة ويتجول كزفير حي، فيما الغابة الشجية تصعد الى القمر الكبير وتتلامح كالوشم عل جلد السماء".
ے




 

بقية المواضيع

افتتاح المعرض السادس لفناني الدوادمي
الموت يغيِّب الشاعر عبدالله باهيثم ويغلق (خندقه) إلى الأبد
بعد صدور (ضد الذاكرة) محمد العباس لـ"الرياض": قصيدة النثر ليست مصيراً حتمياً للذائقة العربية
ما الذي يمكن فعله لإنقاذ الواقع الروائي من الفشل والإحباط؟
سيرة جيل كتب الشعر بين الأوقات الضائعة
معرض الرياض الدولي التاسع للكتاب: حصار "الحزام" والمرأة
"نايبول" آخر مرشح للفوز بجائزة نوبل للآداب
فواصل صغيرة .. في قضايا الفكر والثقافة والنقد
محمود الصغيري... الميناء القديم.. والمنحى التاريخي
وقفة مع الراحل
تعبتُ
المعرض السادس لفناني الدوادمي.. النبتة التشكيلية تنمو.. ترتفع.. تورق.. تزداد جمالاً وبهاءً
عبدالمحسن النمر يكثف تواجده في رمضان القادم
عادل عبدالرب: آمل أن أكون امتداداً "مستقلاً" لوالدي
زينب العسكري تشارك فيه "قرار انتصار" مسلسل جديد لأولاد المنصور
شيم وقيم وعادات وتقاليد البدو أهم ما يميز جلسات السمر
1000نون
هاني سلامة ونور ثنائي جديد في "أكاديمية الحب"
ياخير معبود
قصائد لم تنشر
بريد الخزامى
هبت عواصيف
شاعر وقصيدة
رواية مسالك العصب والدم
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض