بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 03 July 2003 No. 12795 Year 39

الخميس 03 جمادى الأولى 1424العدد 12795 السنة 39

  في الحوار الثقافي 1البحث عن هوية الاختلاف

د.عبدالله إبراهيم

أثار الزميل الناقد الدكتور معجب الزهراني، في سلسلة من المقالات القيمة، ظهرت في الملحق الثقافي لجريدة "الرياض"، في الاسابيع الاخيرة، قضية على غاية من الاهمية، الا وهي قضية الاختلاف ولعلها في رأس القضايا التي تهم المجتمعات التقليدية، تلك المجتمعات التي تحتاج الى تغير انساقها الثقافية الثابتة، وتحديث بنياتها الاجتماعية التي بدأت تحول دون قبول التطور في علاقتها وأفكارها وتصوراتها، وكنت شغلت بهذا الموضوع طوال خمس عشرة سنة، ولمناسبة انتهائي من موسوعة حول الموضوع في نحو الف صفحة، رغبت تأكيداً لاهمية الموضوع، وفتحا للنقاش مع الدكتور الزهراني، ان اتقدم ببعض الخلاصات حول هذه القضية التي ارى ان البحث فيها ينبغي ان يختلف عما هو مطروح من جدل حولها في الثقافة الغربية منذ اكثر من ربع قرن فإضفاء الطابع الاجتماعي- الثقافي لقضية الاختلاف يكتسب اهمية قصوى في مجتمعاتنا الحائرة، والواقفة منذ قرنين في مفترق طرق، لاتعرف المسار الذي عليها ان تتخذه، فالعالم المعاصر يشهد ضروبا متنوعة من الخلافات، وقد دار جدل طويل وعميق حول تفسير التنازعات الكبرى القائمة في العالم، اقصد تلك التنازعات التي توجها ايدلوجيات كبرى، وتغذيها رؤى تستند الى تص
ورات ثقافية او دينية او عرقية، وانتهى الامر الى الاخذ بتفسيرين: اولهما صراع الحضارات، وثانيهما صراع الاصوليات، وفي موضوع جدالي مثل هذا تترتب فيه النتائج في ضوء زاوية النظر، ليس المهم الاتفاق الاصطلاحي حول المفاهيم فحسب، انما المهم ايضا الاتفاق على الحيثيات الموجهة لتلك التنازعات، ومع ان المجتمعات في العصر الحديث قد طورت مايكفي من اسباب التنازع كالايديولوجيات المطلقة، والاستبداد، والاستغلال، والمصالح، لكننا نرى ان التنازعات الكبرى هي نتاج لمركزيات ثقافية وجدت لها باستمرار تسويغاً من اطراف التنازع، وبسبب غياب النقد الذي يجرد تلك المركزيات من غلوائها، في نظرتها المغلقة الى نفسها والى غيرها: فقد تصلبت تصوراتها، واصطنعت لها دعامات عرقية او دينية، ادت الى زرع فكرة السمو والرفعة في الذات والدونية والانتقاص في الآخر، ومع ان كثيراً من اطراف العالم قد تداخلتء في مصالحها وثقافاتها، وافكارها، لكن ضعف الفكر النقدي حال دون ان تتلاشى المركزيات الكبرى واظن بأن الظروف الراهنة التي يشهدها العالم، تقتضي نقداً يمتص غلواء التعصبات المتعاظمة، لكي يحل التعايش والتسامح والسلام محل الاحتراب والبغضاء، فقد اصبح السلام العالمي مطلبا عام
اً لتخطي التوترات الثقافية والعرقية والدينية.
واول ماينبغي الانصراف اليه هو نقد يكشف التناقضات الكامنة في صلب الثقافات المتمركزة حول ذاتها، فالنقد هو الذي يدفع بتلك التناقضات الى ان تفصح عن مضمراتها؛ لانه يتتبع بدقة الممارسات الملتوية للمفاهيم التي تكونها ولاتقف مهمة النقد عن اظهار اخطار التمركز، انما تهيئ الامر لهوية ثقافية جديدة ومركبة وقائمة على مسار متحول ومتجدد ومتشعب الموارد من المنظورات والمكوِّنات الثقافية المنتجة او المعاد انتاجها في ضوء الشروط التاريخية للذات الثقافية وبما ان هوية المركزيات الدينية والعرقية تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية قارة وكونية في ان واحد فإن هوية الاختلاف لاتقر بالثبات ولا الشمول وتحرص على بعدها التاريخي وفيما تصطنع هوية الثقافات المتمركزة حو ل نفسها اصولاً عرقية ودينية وفكرية توافق مضمونها،  فإن هوية الاختلاف تتجنب انتاج ايديولوجيا متصلة بهذه الركائز؛ فاتصالها بهذه الركائز اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد ايديولوجي متصل بمعنى الهوية.
وفيما تقوم هوية الثقافات المركزية يطمس كل العناصر التي تتعارض معها بحيث تجعل الهوية اسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية فإن هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوِّنات فاعلة فيها، وهي تمثل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها.  النقد هو الممارسة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية تنبغي الاشارة ايضاً الى ان النقد هنا، لايؤمن بتغليب مرجعية على اخرى وهو لايدعي القدرة على الاجهاز فوراً علي كتلة ضخمة ومتصلبة من الممارسات المتمركزة على نفسها سواء كان ذلك على مستوى العلاقات الواقعية ام العلاقات الخطابية فالنقد ابعد مايكون عن كل هذا، فلا يصار ابداً الاجهاز على ظاهرة من خلال ابداء الرغبة في ذلك ف"التفكير الرعبوي" تفكير انفصالي بطبيعته عن موضوعاته، لانه يكيف نظرياً مسار الوقائع للرغبة دون الاخذ بالاعتبار الهوة التي تفصل الرغبة عن موضوعها ،انما يريد النقد ان يمارس فعله عبر الدخول الى صلب ظاهرة ثقافية كبيرة،  والتفكير فيها، ولكن ليس التفكير بها، هو نوع من العمل المنهجي الذي يتصل بموضوعه، وينفصل عنه في الوقت نفسه،  انه يتصل بالمركزيات على مستوى اشتغال مفاهيمها وفروضها وقضاياها واشكالياتها بهد
ف استكناه طبيعتها الداخلية وخلق "الفة" نقدية من التواصل مع ركائزها وآلية عملها ولكنه انفصال واضح عنها لانه يهدف الى ضبط مصادراتها واقصاءاتها وابراز تناقضاتها الضمنية . بعبارة اخرى النقد هنا، لايقبل لنفسه، بوصفه ممارسة واعية ان يتهرب من الاقتراب الحقيقي الى الظاهرة التي يدرسها ، انما هو مدفوع للوقوف تفصيلا على التشكلات الداخلية لتلك الظاهرة والارتباطات الخفية بين المفاهيم المكونة لظاهرة التمركز،  ووصف شحن الغلواء التي تمور بها، دون ان يعني ذلك- بأي شكل من الاشكال- انتقال تلك الشحن اليه هو. انه يريد ان يتجاوز التذلل والولاء، فيدخل موضوعه في سياق ندي شامل، دون ادعاء اية حقيقة واي يقين، كما انه لايصدر عن مرجعيات تجريدية ثابتة ترتبط بهذه الثقافة او تلك.
ان هذا النقد ممارسة معرفية واعية تنتمي الى ذاتها،  تتوغل في تلافيف الظاهرة ، وتضيء الانوار في العتمة الداخلية لها لتكشف امام الانظار طبيعة الظاهرة وآلية الممارسات التي تقوم بها سواء في انتاج ذات تدعي النقاء او في اختزال الآخرين الى نمط يوافق منظور تلك الذات.  والهدف من ذلك توسيع مديات الوعي فيما يخص طبيعة الظواهر الثقافية القائمة في عالمنا المعاصر وتخصيب تشعباته واعطاء اهمية للبعد التاريخي للثقافات دون اسرها في نطاق النزعات التاريخية.  انه في نهاية المطاف ممارسة حرة واعية بشرط حريتها ، وهو تفكير في موضوع التمركز، من اجل ابطال نزعة التمركز وتكسير مقوماتها الداخلية،  وفصل الوقائع المختلطة ببعضها والمنتجة في ظروف تاريخية متصلة ب"الذات" و"الآخر" هو نقد لايتقصد ايجاد قطيعة بين الاثنين،  انما ترتيب العلاقة بينهما على وفق اسس حوارية وتفاعلية وتواصلية ؛ بهدف ايجاد معرفة جديدة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المتمركزة وخرافاتها والآخر المتمركز ومصادراته ولايمكن ان تكون "معرفة الآخر" معرفة مفيدة الا اذا تم التفكير فيها نقدياً والاشتغال بها بعيداً عن سيطرة مفاهيم الاذعان والولاء والتبعية، وبعيداً ايضاً عن احاسيس
الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا.
اخيراً فإن من الاهداف الاساسية لهذا النقد، تغيير مسار التلقي ، الذي يقصد به الطريق الذي تأخذه الافكار الاخرى للدخول في وعي الذات فتشكل ضمنها وهي حاملة معها دلالاتها دون ان تخصع لمراجعة بحيث تحتفظ بمحمولاتها وسياقاتها الاصلية، وهو مايحدث انقساماً شديداً في الذات الثقافية،  لانها لم تكيف تلك العناصر بسبب غياب الاطار المنظم والمكيف القادر على إعادة انتاج تلك العناصر بما يجعلها مكونات في هذه الذات وليس جزءاً غريباً عنها مهيمنا عليها،  ومايحصل ان تلك العناصر ستمارس افعالها كأنها ضمن نسقها الثقافي الاصلي، وهذا يقود الى تعريض مكونات الذات الى انهيارات داخلية؛ لان تلك العناصر تضدتء جنباً الى جنب ولم تركب محمولاتها وفقاً للشروط التاريخية للذات الثقافية.
ولئن ذوبتء نزعات الحداثة والعولمة بعض التخوم الرمزية الفاصلة بين التجمعات القومية والعقائدية وفكت الانحباس التقليدي المتوارث فيها وبخاصة في الانتماءات الدينية والعرقية، فإنها بذرت خلافا جديداً تمثله مفاهيم التمركز والتفوق والتفكير بسيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر، وهو امر نشط مرة اخرى المفاهيم التناقضية- السجالية التي تخمرتء في طيات القرون الوسطى، وصارت تبعثء اليوم بصورة اشكاليات الهوية والخصوصية والاصالة وينبغي التأكيد على امر يكاد يصبح قانونا ثقافيا، وهو ان البطانة الشعورية - العقائدية وهي تشكيل متنوع من تجارب الماضي والتاريخ والتخيل والاعتقاد واللغة والتفكير والانتماءات والتطلعات، تؤلف جوهر الرأسمال الرمزي للتجمعات البشرية المتشاركة بها، اقول ان تلك البطانة المركبة تعمل على جذب التجمعات البشرية الخاصة بها الى بعضها،  وتدفع بها الى قضايا حساسة وشائكة لها صلة بوجودها،  وقيمها وآمالها وقد تتراجع فاعليتها التأثيرية في حقبة بسبب ضمور فاعلية عناصرها لكنها قابلة للانبعاث مجدداً في حالة التحديات والتطلعات الحضارية الكبرى ولايستبعد ان تغذى بمفاهيم جديدة تدرج فيها من اجل موافقة العصر الذي تتجدد فيه وهذا  هو الذي يبعث
التفكير ثانية في الماضي الذي يصبح حضوره ملحاً حينما تشرف المجتمعات على حالات تغيير جذرية في قيمها واخلاقياتها وتصوراتها عن نفسها وعن غيرها،  ينبثق تفكير ملح بالماضي حينما يكون الحاضر مشوشاً وعلى عتبة تحولات كبيرة اما بسبب مخاضات تغيير داخلي او بفعل مؤثرات خارجية.
تعيش المجتمعات الاسلامية حالياً ازدواجاً خطيراً تختلط فيه قيم روحية وقيم مادية ولم تفلح ابداً في فك الاشتباك بين الاثنتين على اسس عقلية واضحة.  فالقيم الاولى آلتء الى نموذج اخلاقي متعال ، اما القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها، باعتبارها افرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث وبالتحديد بفعل المؤثر الغربي، وهكذا فقد اصطدمتء وتداخلتء جملة من القيم المختلفة في مرجعياتها ووظائفها فلم تعد تلك المجتمعات قادرة لا على الدخول الى قلب الحداثة ولا الانفصال عن الماضي وظهرت العولمة وكأنها تسقط على تاريخ المجتمعات الانسانية شروطا جديدة لتغيير مساره التقليدي،  بحيث يتمركز حول جملة من القيم والرؤى المحددة، انها ترفع شعار توحيد القيم والتصورات والرؤى والغايات والاهداف بديلا عن التمزق والتشتت والفرقة وتقاطع الانساق الثقافية، ولكن العولمة في دعواها هذه انما تختزل العالم الي مفهوم وتتخطى حقيقته باعتباره تشكيلا متنوعاً من القوى والارادات والانتماءات والثقافات والتطلعات، لان توحيدا لايقر بالتنوع سيؤدي الى توتر يفجر نزعات التعصب المغلقة وعودة الى احياء الخصوصيات الضيقة التي تتغذى من مرج
عيات عرقية ودينية مغلقة ،  وذلك يقود الى الارتماء في سجن الهويات الثابتة،  فالتاريخ البشري لعوب في تحولاته، فكل رغبة بالتعميم والشمول قد تفضي الى التضييق المبالغ فيه، وبازاء العولمة الداعية الى ضغط المجتمعات في اطار واحد، تنشأ رغبات احتجاجية مضادة ترفض الامتثال لعملية الدمج التي تنزع عن المجتمعات خصوصياتها الثقافية من لغة ودين وبنية اجتماعية ونفسية واخلاقية ويقود مسار التنازع الى تعارض بين القيم ذاتها، اذ من الصعب الاحتكام الى مبدأ التراتب حينما يكون الامر متعلقا بالبطانة الشعورية والثقافية للمجتمعات لانها نسبية وتتحدد اهيمتها من نوع العلاقة التي يقيمها الانسان الذي ينتمي اليها.
abdullah-ibrahim.comمضادة ترفض الامتثال لعملية الدمج التي تنزع عن المجتمعات خصوصياتها الثقافية من لغة ودين وبنية اجتماعية ونفسية واخلاقية ويقود مسار التنازع الى تعارض بين القيم ذاتها، اذ من الصعب الاحتكام الى مبدأ التراتب حينما ي




 

بقية المواضيع

لقاء بغداد ثقافة تنهض من بين الانقاض
"توبة وسُليّ" رواية تجمع بين:خطاب التصوف وأدبيات العشق وحكايات العجيب الغريب (1- 2)
في جديد كتاب  "الرياض" الانزياح من منظور اسلوبي
رسائل كافكا إلى فيليس
صمتك كلام.. ندم مضارع
معجم جغرافي للطائف
صورة العرب في الرواية الإسرائيلية
أبو عفش: القوّة زبٌد أسود
الخريطة ليست الطريق
سارة الخثلان توثق أربعاءاتها
بكت المنابرفي رثاء فقيد الأمة العلامة البروفيسور عبدالله الطيب
حجايا الطويلات
بيت الصدى
أحمد الناصر أمير شعراء الرد كسب الأضواء وتواضعه زاد من شهرته
بعد انطلاق قناة روتانا الموسيقية بدون تشفير
شماليل
تنمية المجموعات في مكتبات لكليات البنات
يقدم على القناة الثالثة " زوايا " طرح منوع في إطار شبابي مميز
المكتبات العامة .. هموم وتطلعات
الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات ينظم ورشة عمل عن المكتبات الرقمية العربية في بيروت
مكتبة الملك فهد العامة في جدة والبحث عن حل لتشغيلها
في الحوار الثقافي 1البحث عن هوية الاختلاف
عبلة كامل تسدد ضربة قاضية لنبيلة عبيد وحسين فهمي ووحيد حامد يتبرأون من هزيمتها
فقيد العروبة.. عبدالله الطيب..بعض من خواطر عجلى
السر الموزع للآنسة مي
اخبار فنيه
لقاء القبور
البصيرة النقدية   2-2
سارية تطرح ألبومها (الأسيرة)
شمس والشمراني يتضامنان مع الشعب الفلسطيني
رؤية ايه يعني غرامك ودعني..!
د. بهجت جنيد: مجلات الأطفال في دول الخليج تهمل القيم الوطنية والصحية والنفسية والسلوكية والرياضية
تشكيل لجنة لندنية للدفاع عن اسم سعاد حسني
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

  مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض