بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 03 July 2003 No. 12795 Year 39

الخميس 03 جمادى الأولى 1424العدد 12795 السنة 39

  فقيد العروبة.. عبدالله الطيب..بعض من خواطر عجلى

إدريس محمد نور

ما من شخصية تجذّرت وعي الناس بهذه الكثافة والتلقائية وعمق الرسوخ مثل استمالة العلامة الكبير عبدالله الطيب وجدان أهل السودان وأمزجتهم ودفاتر يومياتهم.
لست في معرض ايراد لفضائل الرجل ودلائل عبقريته الفذة حيث ان ما جاء في حيثيات تسليمه جائزة الملك فيصل للأدب العربي من انه (محيط بالشعر العربي وتاريخه وقضاياه احاطة قل ان تتوافر لكثير من الدارسين) ما يعبر بجلاء عن تمكنه من ناصية هذا الفن الواسع بدقائقه واسراره وجمالياته. وفي هذا التعاطي المدهش مع الحضارة العربية الاسلامية في تحولاتها وتبدلات مواقعها ومن استيعاب مثير للاعجاب لقبائل العرب وأنسابها ووقائعها وايامها ما حوله الى ما يشبه الاسطورة في مطارحات الناس ومؤانساتهم في مدن البلاد وقراها النائية.
حاولت مراراً ان اجد تفسيراً لظاهرة عبدالله الطيب.. كيف تسنى له ان يتحول هكذا الى شاغل مستمر للناس؟ هل عجبوا لأفندي يحاكي اللندنيين في لباسهم كيف تأتّى له ان يستنزل الحارث بن حلزة والنابغة الجعدي وعبديغوث وعبيد الجرهمي بينهم.. ويحدثهم عن سجع الكهان وداحس والغبراء وقس بن ساعدة. ويعرج مفصلاً وهو يتكئ على فصول من المعارف الجمة راوياً السيرة النبوية العطرة بإتقان أخاذ من ذاكرة هي احدى أعاجيب عبدالله يستحضر دار الندوة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة وانتقال ولاية البيت الى  غبشان من خزاعة ويستوقفه حلف الفضول فلقاء بني هاشم وبني المطلب وأسد بن عبدالعزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة وبيعة العقبة الاولى ونقض الصحيفة، مضفياً احاطته المتمكنة بالموضوع على حوادث السنة الاولى من الهجرة وتحويل الكعبة وأشهر السرايا والمغازي وسبي هوازن واسهامات الاوزاعي وابن جريج وحماد بن سلمة وسفيان الثوري.. وهكذا تتداعى الصور المفتوحة دائماً على نهم التفاصيل وتمددها محولاً كعادته حديثه الى بانوراما غنية من الفنون الشجية حيث يتداخل السرد بالتاريخ والشعر والمقامة بالنحو والبلاغة وعلم الكلام بتأثيرات ارسطوطاليس ممارساً هوايته الاثيرة في تتبع جذ
ور المفردات وبيان تمايز لغات العرب وتقاربها.. وينحو تارة باتجاه اضافات الفرنجة - كما - يناديهم - فيتحدث عن شكسبير وكيتس وكوليردج وصاحب The Waste Land عارضاً اقتباسات ت. س. اليوت واستفادته من فضاءات امرئ القيس التصويرية وغيره في مقارنة معمقة للنصوص العربية والانجليزية التي أتقن أخذها وردها.
وكم عجبنا ونحن صغار حين كنا نسمع ان طلاب الطب والهندسة والبيطرة والزراعة كانوا يهجرون محاضراتهم عندما يترامى الى اسماعهم موعد حديث ثقافي وشيك لعبدالله الطيب في احدى قاعات جامعة الخرطوم.. وازددنا عجباً عندما سمعناهم وهم يحفظون مقاطع طويلة من محاضراته وبذات الطريقة المشوقة التي يلقي بها.. انه حب جارف للرجل تعاطاه الجميع بعاطفة جياشة لم ينفك من أسر سحره حتى زملاء عبدالله الطيب.
على ان ما جعل هذه العاطفة عميقة تجاه عبدالله الطيب برنامجه الاذاعي ذائع الصيت ذلك الذي انبرى فيه لتفسير القرآن الكريم كاملاً بلغة وسيطة راوحت بين الافادة والامتاع أتاحت تجاذباً مدهشاً مع قطاع شعبي واسع خلبته طريقته السهلة الممتعة في ايصال أعقد قضايا الاعجاز اللغوي والمواقف والمفاهيم ومصائر الامم وتبدل الايام وشواهد صعودها وأفولها.
واني لأجزم ان ما من موعد اتفق اهل السودان عليه كالتفافهم حول المذياع ساعة بث هذا البرنامج الشائق الامر الذي حول معده ومقدمه الى بطل شعبي ورمز انساني غني عميق التأثير لتتسع تجربته الاذاعية الثرة الى احاديث جامعة، وليشهد فيما بعد ميدان التلفاز عروضه الادبية البارعة مصاحباً بتلك البسمة الخفيفة العذبة التي تجلل وجهه لتعزز الفة طالما اراحتنا طوال حديثه عن المتنبي وشارحه ابن جني وأبي فراس والمعري والبحتري والاصمعي والوليد بن عبدالملك وابن الفارض والحمدانيين بحلب وطه حسين واحمد شوقي والعقاد ومحمود شاكر يوالف بينهم صاعداً بمشهدية اللحظة وبراعة الربط الى لذة معرفية تغري بالاستفاضة.
وفقيد العربية والاسلام لم تصب ذاكرته المتقدة دوماً إلا حين داهمه المرض أخريات ايامه وتلك من مزايا شخصيته الخصبة المميزة حيث اتاحت له استرسالاً ودفقاً معلوماتياً غزيراً. وحين احتفى به معهد العالم العربي بباريس في ثمانينات القرن الفائت استفاض مقدم الحفل في تقريظ علمه واستحسان ذاكرته.. قائلاً انه كان كثيراً ما يشاغب عبدالله الطيب كلما وجده في محفل عام بسؤاله كم تحفظ من اشعار العرب.. واضاف انه كان يخشى ان يكون رده كرد ابي بكر الخوارزمي عندما هم بالدخول الى مجلس الصاحب بن عباد تلميذ ابن العميد ووزير البويهيين فاستوقفه الحاجب قائلاً: ان ابن عباد لا يأذن بحضور مجلسه إلا لمن يحفظ خمسين الف بيت من اشعار العرب.. فرد عليه الخوارزمي: أخبر سيدك ان كان يريدها من اشعار الرجال ام النساء.. والحديث عن قوة حافظته واستطراداتها الكثيفة يطول شرحه.
ان الكلام عن اسهامات العلامة الفذ المولود بقرية التميراب قرب مدينة الدامر بشمال السودان في يونيو  1921والحائز على دبلوم الآداب من كلية غوردون التذكارية عام  1942ثم البكالوريوس من جامعة لندن في التخصص ذاته والدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة لندن عام  1949والذي عمل أستاذاً بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وعين بالجامعة أستاذاً مدى الحياة عام  1979وشغل منصب مدير الجامعة واول مدير لجامعة جوبا عام  1975واول رئيس للمجمع اللغوي بالخرطوم والعضو بالعديد من المجامع اللغوية وابرزها مجمع القاهرة منذ 1961م والحائز على تقدير واعتراف العديد من المنظمات والمؤسسات على المستوى الاقليمي والعالمي في خدمة اللغة العربية والاسلامية لا ينتهي.
ومن أياديه البيضاء عمادته لكلية اللغة العربية بجامعة احمدو بيلو ينيجيريا عام  1964وتأسيسه هناك كلية باييرو بمدينة كانو التي صارت فيما بعد جامعة كاملة وخوضه تجربة ثرة بالتدريس في السنغال في سبيل توطيد عرى اللغة العربية وعمله أستاذاً للغة العربية بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس بالمغرب وأستاذاً بجامعة الدار البيضاء عام
1978.حتماً ستظل اضافاته الابداعية الشعرية والنقدية الوفيرة التي زادت على العشرين مصنفاً ومنها دواوينه (اصداء النيل) و(بانات رامة) و(سقط الزند الجديد) وعدة مؤلفات يتقدمها منجزه الموسوعي الضخم (المرشد الى فهم اشعار العرب وصناعتها) الذي مكث عليه قرابةنصف القرن بجانب (الاحاجي السودانية) و(من نافذة القطار) و(مع أبي الطيب) وغيرها عنواناً لشخصية تواقة للمثابرة والتحدي صدمت دوماً قناعاتنا البائسة في الاطلاع والتلقي، بجسارة شخصية احالت المستحيل الى ممكن واستطاعت بحرفية دؤوبة وألمعية نادرة ان تستعيد ابهى خطابات العصور اشراقاً وحضوراً.
تلك شذرات من حياة رجل استطاع ان يمنح لغة العرب مودة خالصة من خلال اعادة صياغة القطيعة الذوقية معها الى نكهة مألوفة.. اذ انه أحال جفاف المادة الى رواء.. ووحشي مفرداتها الى نشيد شعبي حميم وهنا فقط تكمن فرادة وعبقرية هذا الرمز العربي الاسلامي الكبير.. البروفسور عبدالله الطيب.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله.


ے




 

بقية المواضيع

لقاء بغداد ثقافة تنهض من بين الانقاض
"توبة وسُليّ" رواية تجمع بين:خطاب التصوف وأدبيات العشق وحكايات العجيب الغريب (1- 2)
في جديد كتاب  "الرياض" الانزياح من منظور اسلوبي
رسائل كافكا إلى فيليس
صمتك كلام.. ندم مضارع
معجم جغرافي للطائف
صورة العرب في الرواية الإسرائيلية
أبو عفش: القوّة زبٌد أسود
الخريطة ليست الطريق
سارة الخثلان توثق أربعاءاتها
بكت المنابرفي رثاء فقيد الأمة العلامة البروفيسور عبدالله الطيب
حجايا الطويلات
بيت الصدى
أحمد الناصر أمير شعراء الرد كسب الأضواء وتواضعه زاد من شهرته
بعد انطلاق قناة روتانا الموسيقية بدون تشفير
شماليل
تنمية المجموعات في مكتبات لكليات البنات
يقدم على القناة الثالثة " زوايا " طرح منوع في إطار شبابي مميز
المكتبات العامة .. هموم وتطلعات
الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات ينظم ورشة عمل عن المكتبات الرقمية العربية في بيروت
مكتبة الملك فهد العامة في جدة والبحث عن حل لتشغيلها
في الحوار الثقافي 1البحث عن هوية الاختلاف
عبلة كامل تسدد ضربة قاضية لنبيلة عبيد وحسين فهمي ووحيد حامد يتبرأون من هزيمتها
فقيد العروبة.. عبدالله الطيب..بعض من خواطر عجلى
السر الموزع للآنسة مي
اخبار فنيه
لقاء القبور
البصيرة النقدية   2-2
سارية تطرح ألبومها (الأسيرة)
شمس والشمراني يتضامنان مع الشعب الفلسطيني
رؤية ايه يعني غرامك ودعني..!
د. بهجت جنيد: مجلات الأطفال في دول الخليج تهمل القيم الوطنية والصحية والنفسية والسلوكية والرياضية
تشكيل لجنة لندنية للدفاع عن اسم سعاد حسني
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

  مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض