بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة

Thursday 03 July 2003 No. 12795 Year 39

الخميس 03 جمادى الأولى 1424العدد 12795 السنة 39

  البصيرة النقدية   2-2

حسين بافقيه

ويلفت النظر في نقد عبدالله الطيب أنه يعيد الاعتبار الى النقد العربي القديم، ولا يجد غضاضة، وهو المتضلع من النقد الانكليزي، من أن يستعمل المصطلحات نفسها التي راجت لدى قدامة بن جعفر والقاضي الجرجاني وعبدالقاهر وابن رشيق وابن الأثير، فهو لا يحيد عن استعمال مصطلحات النقاد والبلاغيين ك "الجناس" و"الطباق" و"المزاوجة" و"التكرار" و"التقسيم" و"الموازنة" دون ان يحد ذلك من الحمولة النقدية التي تدفع تلك المصطلحات الى آفاق جديدة، عز أن نجد لها مشابهاً في نقد اليوم، وهو ما يصل النقد الحديث بالنقد القديم، أو على الأقل قراءة الشعر القديم بمصطلحاته ومفرداته التي استعملها نقدة الشعر، وأهل البصر به، مع ما يشيع استعمال تلك المصطلحات من ألفة وقرابة بين القارئ والمقروء، دون أن يحيف ذلك بالطاقة النقدية التي تترسم اعماق الشعر والوصول به الى اللب منه.
ومن ذلك وقفته عند ظاهرة التكرار في الشعر العربي، حيث تتجاذب الكلمات من أجل صناعة المعنى الشعري، فكلمات اللغة ليس من همها أن تخبر، قدر همها أن تحشد تلك الطاقة الشعورية والعاطفية التي تمليها بعض الكلمات التي يتكئ عليها الشاعر كثيرا، كأسماء المواضع، وأسماء الحبائب، التي تذيع في الشعر العربي القديم، وكأنها تضفي جوا من الألفة بين الشاعر الكون، من ذلك قول امرئ القيس:
كدأبك من أم الحويرث قبلها
وجارتها أم الرباب بمأسل
ويوم دخلتُ الخدر خدر عنيزة
تقول لك الويلات إنك مرجلي
وقوله في الرائية:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم
قريبٌ ولا البسباسة ابنة يشكرا
يقول عبدالله الطيب خذ "نُعما" و"أم الحويرث" قد يجوز أن يكون أريد بهذه الأسماء أشخاص بأعيانهم، وقد تكون عنيزة وأم الرباب وأم الحويرث كلهن نساء عرفهم امرؤ القيس، كما قد تكون "نعم" امرأة عرفها النابغة، ولكن صورة النسيب الواردة فيها هذه الأسماء، لا يشترط فيها صدق الشاعر من الجهة الخبرية، انما يشترط فيها صدقه من الجهة العاطفية، وصدقه من الجهة العاطفية يعرف بمقدرته على احداث جو النسيب من تذكر وتفكر وحزن وحنين ونزوع الى الماضي. فلو كرر "ريا و"سعدى" كان ذلك كما لو كرر "الرباب" و"البسباسة" وانما الغرض تهييج عاطفة الغرام لا ذكر امرأة بعينها".
ولعل عبدالله الطيب أن يكون من أوائل النقاد العرب الذين تنبهوا للتأثير السحري الماثل في المقدمات النسيبية، وما تقوم به الكلمات من جذب،وبخاصة عنصر الحنين الذي تتجاذب فيه المواقع المتباعدة الأطراف حين تستحيل في المهاد الشعري الى مغناطيس لكل عواطف الحنين والوجد، وتغدو تلك المواقع جغرافيا متخيلة، ليس لها من خريطة سوى الشعر، وقد فطن الاسلاميون الأوائل إلى ما في تسمية المواضع من تأثير سحري، والى قوة اللون العاطفي الذي تشيعه في المقدمات النسيبية، وإلى عنصر اللاواقعية الملابس لها، والى عنصر الحنين الخاص الذي يخاطب الوهم فيها، فحفزم هذا على الاكثار منها في أشعارهم، مع تعمد البعد عن حقيقة السفر والجغرافيا فيما يكررونه من أسماء".
وحينما اراد الشعراء الشعوبيون في أوائل العصر العباسي ان يستبدلوا بالمواقع العربية الصحراوية ك "رامة" و"اللوى" و"ذي سلم" و"السوبان" الخ المواقع الحضرية ك "كلواذ"، و"طيزناباذ" و"الكرخ".. الخ فإنهم لم يستطيعوا ان يؤسسوا ذاكرة رمزية جديدة تقوم مقام تلك الجغرافيا الرمزية التي تشي بها اسماء تلك  المواضع الصحراوية في الذاكرة الشعرية، لأنها انعتقت عن أن تكون اسما لموضع، وأصبحت قوة شعرية محملة بمعان مختلفة من الوجد والشوق والحنين، فضلا عن المزية الصوتية التي تضفيها أسماء المواقع العربية الصحراوية، فتستحيل كلمات اللغة بسبب القوة الصوتية ل "الجناس" الى عوامل جذب وتماه بين المختلف الذي يتحول في الشعر الى مؤتلف، وهذا ما لم تقدر عليه اسماء المواقع الحضرية.
ولقد كان لابي تمام اثر بارز في احياء ذاكرة الأماكن التي تنتمي إلى الجزيرة العربية، واماتة المواضع البغدادية التي لهج بها عدد من الشعراء المحدثين كأبي نواس، وكان ولعه بالجناس ذا اثر في تجاذب كلمات اللغة التي مسها ببصيرته الشعرية، وهو ما لا تحققه أسماء الأماكن البغدادية، وبخاصة الأعجمية منها:
أرامة كنت مألف كل ريم
لو استمتعت بالأنس المقيم
وقوله:
سلمء على الربع من سلمى بذي سلم
عليه وسم من الأيام والقدم
وقوله:
تجرع أسى قد أقفر الأجرع الفرد
ودعء  حسي عين يحتلب ماءه الوجد
بل إن الشعراء، قد خضعوا للطاقة السحرية للكلمات، حين خلعوا على الأماكن اسماء المواقع البدوية المفعمة بشحنات شعرية تنتمي الى محيط الجزيرة العربية التي تحولت، في ذاكرة الشعراء، إلى "خزان ذكريات" لا ينضب، كبغداد التي استحالت في عدد من الاستعمالات الشعرية إلى "الزوراء"، تشبها بزوراء المدينة، وهو ما يعني ان هذه الأماكن الحضرية الجديدة لا تثير عاطفة الشعراء القدامى إلا حينما تكسوها طبقة من البداوة، التي تحوِّلها إلى معنى شعري بدوي.
وتبدو السمة الرمزية لكلمات الشعر في "النسيب" فصورة المرأة في الشعر الجاهلي امتداد لمعان رمزية ذات أبعاد دينية تبوأت فيها المرأة مكانة النماذج العليا، لطاقة "الخصب" التي أضفت على الكون معاني النماء والاستمرار، فخلعت الأنوثة على مظاهر مختلفة من الكون، في علاقة رمزية باطنة بين المرأة والنخلة، والمرأة والناقة، ومن ذلك تلك العلاقة الشعرية بين "الظعائن" و"النخل" و"الدوم" في الشعر الجاهلي، إذ تعود تلك العلاقة الرمزية، فيما يقول عبدالله الطيب، الى "رمزية المرأة الكامنة في النخلة، مع الذي قد يتبادر الى الذهن من أن هذا التشبيه من وحي البيئة وظاهر ما يبديه النظر لا غير، إذ جماعات الابل تلوح من بعيد كأنها الشجر، وإن كانت عليها الهوادج كانت شديدة الشبه بالدوم والنخل وهما  اخوان، والذي يرجح عنده انه راجع إلى الرمزية، ما قدمته لك من عبادة النخلة، وما يحيط بها من معاني الخصوبة المؤنثة في رشاقتها وبسوقها واحتفال أشطورها بالتمر، وفي الحديث ما ينبئ بأن النخلة ذات كرامة وبركة، ومن ذلك تشبيهها بالمؤمن، واستحسان وضع شيء من جريدها الأخضر على قبر الميت،  وعندما في السودان يزينون سرير العروس بأقواس من جريد النخل، وكذلك يفعلون بسرير ا
لختان، وفي هذا من دلالات الخصوبة ما فيه.."
وقادته القراءة الرمزية لكلمات الشعر الجاهلي إلى مقاربة جديدة، ومبكرة، لرمزية الحنين والتنكب في مجاهل الأرض، وبوعي نقدي يتماس مع ما تضفيه الأمكنة من شعرية كامنة فيها، كالعلاقة الباطنة بين "المأوى" و"المرأة" "فالمرأة" كانت المأوى الأول حين كانت أماً، ثم هي المأوى الثاني حين تكون الخدن والزوجة والخلة والصاحبة، والعرب مما تكني بالبيت عن المرأة.. وقد رمزت العرب في شعرها للمرأة بالطلول والرسوم والديار والمعالم والمواضع رمزية لا يعسر دركها على أدنى متأمل.. وعلى ذلك تستحيل مفردات الكون ك "البرق" و"الوميض"، إلى قيم رمزية باطنة في الشعر القديم، يُعمِل فيها عبدالله الطيب قراءة تتجاوز المعاني السطحية للكلمات، للبحث عن أعماق الشعر، التي هي، كذلك أعماق تصور  العربي للكون والحياة، وعبر نسيج رمزي ترتد أصول أنواله إلى مراحل ممعنة في القدم، كما تنبيء عن ذلك رمزية "الحمامة"، و"اليمامة"، و"الهديل"، و"الأثافي" و"الرماد"، و"الليل"، و"النجوم".. الخ.
لقد استطاع عبدالله الطيب عبر كتابه الضخم "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها" ان يقدم عملا موسوعيا توخى من خلاله قراءة النفسية العربية - أو لنقل العقل العربي - كما تتجلى في الشعر، وبرؤية نقدية رائدها البصر بحقيقة الشعر، ترفده ثقافة تاريخية ونقدية وشعرية تنثال انثيالاً في صفحات ذلك الكتاب الضخم، وتؤسس رؤية جديدة - لم تستثمر وذلك مؤسف، ولم تؤسس لها تلاميذ ومريدين، لذائقة نقدية عربية، أدواتها المصطلحات النقدية والبلاغية والعروضية القديمة، ومشفوعة بتعمق في تاريخ الأديان والأساطير والانثروبولوجيا واللغة، في نسيج قرائي واحد، لا يتعالى على القارئ بل أحسب أنه يصادقه، ويقيم بين الناقد والقارئ حوارا حميما، ويفتح كوى جديدة لقراءة نقدية عربية الوجه واليد واللسان، أحسب انها جديرة بالتأمل والوقوف عندها مليا، بدل الهرولة وراء كل صائح في الغرب.




 

بقية المواضيع

لقاء بغداد ثقافة تنهض من بين الانقاض
"توبة وسُليّ" رواية تجمع بين:خطاب التصوف وأدبيات العشق وحكايات العجيب الغريب (1- 2)
في جديد كتاب  "الرياض" الانزياح من منظور اسلوبي
رسائل كافكا إلى فيليس
صمتك كلام.. ندم مضارع
معجم جغرافي للطائف
صورة العرب في الرواية الإسرائيلية
أبو عفش: القوّة زبٌد أسود
الخريطة ليست الطريق
سارة الخثلان توثق أربعاءاتها
بكت المنابرفي رثاء فقيد الأمة العلامة البروفيسور عبدالله الطيب
حجايا الطويلات
بيت الصدى
أحمد الناصر أمير شعراء الرد كسب الأضواء وتواضعه زاد من شهرته
بعد انطلاق قناة روتانا الموسيقية بدون تشفير
شماليل
تنمية المجموعات في مكتبات لكليات البنات
يقدم على القناة الثالثة " زوايا " طرح منوع في إطار شبابي مميز
المكتبات العامة .. هموم وتطلعات
الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات ينظم ورشة عمل عن المكتبات الرقمية العربية في بيروت
مكتبة الملك فهد العامة في جدة والبحث عن حل لتشغيلها
في الحوار الثقافي 1البحث عن هوية الاختلاف
عبلة كامل تسدد ضربة قاضية لنبيلة عبيد وحسين فهمي ووحيد حامد يتبرأون من هزيمتها
فقيد العروبة.. عبدالله الطيب..بعض من خواطر عجلى
السر الموزع للآنسة مي
اخبار فنيه
لقاء القبور
البصيرة النقدية   2-2
سارية تطرح ألبومها (الأسيرة)
شمس والشمراني يتضامنان مع الشعب الفلسطيني
رؤية ايه يعني غرامك ودعني..!
د. بهجت جنيد: مجلات الأطفال في دول الخليج تهمل القيم الوطنية والصحية والنفسية والسلوكية والرياضية
تشكيل لجنة لندنية للدفاع عن اسم سعاد حسني
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

  مركز النتائج

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض