عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟

باريس - مكتب "الرياض" - من عيسى مخلوف

موضوع الإرهاب لا يطغى فقط على الخطاب السياسي وإنما بات، في الأشهر الماضية، أحد المواضيع الأساسية في مختلف مجالات الكتابة. ولم يعد الخوض فيه محصوراً بالمفكرين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والإعلاميين وحدهم، بل أصبح منطلقاً للعديد من النتاجات الإبداعية في مختلف المجالات.
في روايته الأخيرة التي حازت على جائزة "غونكور" هذا العام، يتوقف الكاتب الفرنسي باسكال كينيار طويلاً عند مسألة الإرهاب. يعود في نصه مراراً إلى تفجير مبنيي التجارة العالمي في نيويورك، وقد ربط بين هذه العملية وبين ما يجري من اعتداءات صارخة بلغت ذروتها في إلقاء القنبلتين النوويتين فوق هيروشيما وناغازاكي. بين الحرب العالمية الثانية ومواقعها المحددة وبين الحرب المعلنة اليوم والتي ليس لها موقع محدد، بل أن مساحتها هي الكرة الأرضية بأكملها، يتأمل الكاتب في مصير العالم وفي عولمة الرعب، وهي تأملات مكتوبة بلغة الإشارة والومضة الشعرية النافذة، بخلاف ما يطالعنا في العديد من الكتب والإصدارات الفكرية التي نزلت إلى الأسواق الفرنسية خلال عام كامل.
في هذا المجال أيضاً لم يقف الأدباء مكتوفي الأيدي، بل مضوا بعيداً في تشريح الواقع ودراسته في محاولة ما يجري. ضمن هذا الأفق، وضع الكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو كتاباً بعنوان "المقاومة" وقد نُقل في عام واحد إلى لغات عدة. يتخذ الكتاب شكل رسائل موجهة إلى القارئ. خمس رسائل تنطوي على  تحليل لوضع عالمنا وهو يدخل في القرن الحادي والعشرين، مع دعوة إلى إنسانية جديدة. ويعتبر المؤلف أن القيم الروحية وحدها هي القادرة على إنقاذ العالم من الكارثة المحدقة به.
ينتقد أرنستو ساباتو سطوة العولمة الجديدة، العولمة القائمة على التسلط والاستئثار، كما ينتقد السياسة الاقتصادية القائمة على منطق الربح، غير العابئة بمصير الشعوب، لاسيما شعوب العالم الثالث. ويلتفت إلى الاستعمالات التقنية والتكنولوجية، وإلى التطور العلمي وتطبيقاته، كما الحال في مجال الجينات البشرية. ويرى الكاتب أن على الإنسان المعاصر أن يعيد صلته مع الحلم الذي أضاعه، وأن يعيد اكتشاف الحوار، مع الذات ومع الآخر، وأن يؤمن مجدداً بمصير البشر، وبإمكانية تأسيس إنسانية جديدة.
في اختصار، إن الرسائل التي يوجهها الكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو إلى القارئ في كتابه الأخير، هي بمثابة نداء وصرخة إغاثة، ودعوة إلى الوقوف في وجه ما يأخذ العالم نحو حتفه.
في السياق ذاته، جاء كتاب عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران وعنوانه "حوار مع المعرفة" الصادر عن منشورات "لوب" في باريس. وفي هذا الكتاب يتابع موران صياغة مشروعه الفكري القائم على دعوة واضحة إلى "تمدين الأرض". فالأرض، بالنسبة إليه، خصوصاً مع الثورة العلمية وتطور سبل الاتصالات والمواصلات، هي فسحة لجميع سكانها، ولذلك فهو يدعوها "الأرض الوطن"، أي الأرض التي تبطل فيها الحواجز بين الإثبات والجنسيات، بين الأديان والثقافات المختلفة، من أجل تأسيس حوار إنساني هاجسه العدل وقوامه الحوار.
في كتابه الجديد يركز إدغار موران على نقطتين مركزيتين: واقع كوكبنا ومستقبله، ودور التربية والتعليم في إحياء نهضة إنسانية جديدة، مع رسم الآفاق الجديدة التي ينبغي أن يضطلع بها المشروع التربوي والتعليمي. في النقطة الأولى يراقب عالم الاجتماع ما اصطلح على تسميته "سيطرة الإنسان على الطبيعة"، ويتساءل: "كيف يمكن الإنسان أن يسيطر على الطبيعة وهو لم يسيطر بعد على نفسه؟" كيف يسيطر على العالم وهو ليس إلا مجرد ذرة داخل الكون الغامض واللامتناهي؟
ولئن استطاع الإنسان، بحسب موران، فهم طبيعة الجينات والأجناس، والعمل على مضاعفة بعضها، فإنه غير قادر، بأي حال من الأحوال، على اجتراح سنونوة أو زهرة أوركيديا. ولئن استطاع أن يقضي على هذه الجرثومة أو تلك، فهو غير قادر على التحكم بنشوء أو عدم نشوء جراثيم جديدة تتحول وتتجدد باستمرار. لذلك فإن الإنسان مدعو، مهما بلغ شأوه في العلم، أن يتفاوض مع الطبيعة ومع الحياة، لا أن يهيمن عليهما ويكسرهما ويدمرهما لأنه في هذه الحال، إنما يدمر نفسه.
يقول المؤلف: "هنا، على هذه الأرض، وطننا ومنزلنا. وهنا نباتاتنا وحيواناتنا، موتنا وحيواتنا.. وعلينا أن نحتفظ بأنفسنا. علينا أن ننقذ الأرض المهددة". بهذا المعنى، الإنسان هو الذي ينتمي إلى الأرض وليس العكس. وعليه أن يغيّر طريقته في العيش وفي التعاطي معها. مع مياهها وسمائها. مع كل ما يجعلها مكاناً صالحاً للسكن.
عن النظام التربوي والتعليمي وعمّا إذا كان ينبغي تغييره مع التقليل من التعليم النظري والإكثار من المناهج الجديدة كالمعلوماتية؟ عن هذا السؤال يلاحظ إدغار موران أن التكنولوجيات الحديثة والمنظومات الجديدة والأقراص المدمجة والمحاضرات عبر نسق الفيديو، كل هذه الوسائل أصبحت ضرورية في حياتنا الراهنة ولا يمكن الاستغناء عنها على الإطلاق. لكنّ جميع هذه الوسائل لا تستطيع استبدال معلّم حاضر أمام الطلبة. كان أفلاطون يقول: "التعليم يتطلب شيئاً من اللذة والشغف والحب".
هكذا فإن عملية التواصل تمر بالضرورة عبر ما نحبه ونتواصل معه. والمعلم هو الذي يساعدنا عبر ما يعلّمه على اكتشاف حقيقتنا الداخلية ذاتها، إنه وسيط يساعدنا على معرفة أفضل لأنفسنا، تماماً كالأدب الذي ينطلق من تجارب معاشة. يقول موران: "أنا من الذين تعرّفوا إلى حقيقتهم من خلال بعض الأعمال الأدبية الكبيرة. لقد علمني دوستويفسكي أن أفهم مشاعري قياساً لما يجري في الحياة".
يعود إدغار موران في كتابه أيضاً إلى مقولة الفردية. وهي إحدى المقولات الأساسية في الثقافة الغربية الحديثة، ومن النتائج المباشرة لطروحات عصر الأنوار. ويعتبر موران أن للفردية وجهان: وجه ايجابي وآخر سلبي. الوجه الإيجابي للفردية الحديثة هو في إعطاء كل فرد حيزاً أوسع من المسؤولية ومن الاستقلالية، أما الوجه السلبي فيتمثل في تراجع أشكال التضامن واتساع رقعة الوحدة والعزلة.
يضيف موران قائلاً إن علينا أن نبتكر أشكالاً جديدة من التضامن، والكائنات البشرية غير قادرة على العيش في عالم قوامه الوحيد الكم والحساب والربح، فالبشر بحاجة إلى علاقات مبنية على العاطفة والحب. الحب ليس فقط وسيلة تساعدنا على العيش أيضاً هدف من أهداف وجودنا ذاته. ولا يمكن أحد أن يتجاوز هذا الهدف أو يعيش كأن لا وجود له.
الختام بيت شعر للشاعر الاسباني أنطونيو ماتشادو يؤديه المغني خوان مانويل سيرات: "أيها السائر ما من طريق. ترسم أمامك الطريق بمقدار ما تمشي".
في سياق هذا النوع من الإصدارات المسكونة بالهاجس الإنساني، صدر كتاب آخر بعنوان "زمن الرعب" وهو كتاب جديد للمفكر وعالم الأنتروبولوجيا الألماني ولفانغ سوفسكي، وقد صدرت ترجمته إلى الفرنسية عن دار "غاليمار" في باريس. يستعرض الكتاب الوضع الذي تعيشه البشرية اليوم والمخاطر التي تتهدد العالم ويحاول ايجاد تفسير لها بالاستناد إلى مرجعيات العلوم الإنسانية، كما يحاول أن يبحث عن جذور هذا الجنون الدموي في التاريخ الإنساني على العموم، منذ البداية حتى اليوم، ويستهل المؤلف كتابه بالعودة إلى قصة نوح في التوراة وفي بعض مراثي إرميا في مسعى يهدف إلى تأصيل العنف وجذوره. ومنذ البداية، ثمة ربط بين الموت، موت الإنسان ووعيه لموته، من جهة، وبين دوافع العنف والقتل والحروب.
يقول الكاتب إن الإنسان قادر على ممارسة أفظع أنواع القتل، وقادر على ما لا يستطيع فعله أي حيوان متوحش، ولا يعتبر الكاتب أن نزعة العنف والخوف تتأتى، كما هو شائع، من أساس حيواني، فالعنف مصدره الإنسانية الخاصة للإنسان ذاته. من هنا فإن الإنسان يخشى موته وحرية الآخرين معاً. ثمن الحرية، بهذه الطريقة، هو الألم والشر. أليست حرية الذئب هي موت النعاج؟
يعتبر المؤلف أن الخوف من الموت يولّد الحاجة إلى الأمن والديمومة. يريد الإنسان أن يبقى حياً حيال نفسه وحيال الآخرين. من هنا يتولد الشعور المعاكس لهذا التهديد الدائم، أي الافتتان باللحظة التي نسيطر فيها على خوفنا ونتجاوزه، وتلك اللحظة كامنة في العنف. العنف الذي يصيب الآخر.
ويلاحظ الكاتب أن ما يفتن الناس ليس انفلات المشاعر، وإنما العنف بذاته، تدمير الجسد الغريب، صراخ الضحية، رائحة الدم.. وإذا كان العنف موضع استهجان ودافعاً للخوف، فهو في الوقت ذاته يفتن ويؤمن شيئاً من اللذة. كأننا نرى فيه ما يتربص بنا. مشاهد التلفزيون لا يحيد نظره عن مشهد عنف وقتل مهما كانت درجة العنف الذي يبلغه. فالعنف هذا يكسر القوانين كلها ويصبح أثره مباشراً، كما الموت حين يصبح مشهداً مرئياً. كأن في ذلك انتصار على الذات. وثمة نموذجان من البشر لا يخضعان لهذا النسق، ينتصران على الخوف من الموت، وهما الشهيد والبطل الذي يفدي بنفسه من أجل الجماعة وما ترتقبه من حياة أخرى جديدة.
يرى ولفانغ سوفسكي أن من بقي على قيد الحياة لا يريد فقط البقاء بل يريد أيضاً أن يكون هنا عندما لا يعود من أثر للآخرين. وما يتطرق إليه الكاتب الألماني في هذا الكتاب الذي يغوص عميقاً في النوازع الإنسانية سبق أن عالجه في العقود الثلاثة الأخيرة عدد من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا. ولقد كشف هؤلاء أن موت الآخر يعطي معنى لبقائنا في الوجود. وأن وهم إحساسنا بالأبدية يغتذي من رؤية الآخر يموت. إنها لحظة انتصارنا على الموت. وهي هنا قوة في غاية الخطورة. يقول إلياس كانيتي في كتابه "الجماهير والتسلط" إن "الخوف من مشاهدة الموت يتحول إلى قبول وارتياح، ذلك أن الذي مات هو الآخر. الأحياء - أو من بقي حياً منهم - لا يلبثون يتقاتلون في ما بينهم. وهكذا فإن الشكل الأكثر خسة للبقاء هو القتل".
يخلص الكاتب إلى القول إن الفرح في البقاء بعد أن يفنى الآخرون يعكس قوة تدمير اجتماعية كبيرة. وهو يفعل فعله كما السم في الجسد.
"الذي لايزال يعيش بعد أن يموت الآخرون يشعر في نفسه بمزيد من الحياة. كمن أصبح في منأى عن الموت الذي يهدد الجميع. غير أن الإحساس الأكبر بالرضا والفرح يشعر به من يتمكن من البقاء بعد أن يقتل الآخرين بيده. ذلك أن القتل كان ولايزال واحدة من المتع الأقوى للجنس البشري". من هنا فإن فعل القتل يجد أساسه في وهم الإحساس بالخلود.. والتعطش إلى البقاء يحمل في ذاته دوافع العنف.
يحاول الكاتب أيضاً الالتفات إلى موضوع الجينات وما يمكن أن تكشف عنه في هذا الصدد، لكن هذا الجانب يبقى في إطار التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات منجزة وحاسمة. الكتاب يفتح السؤال على مصراعيه، صراع الإنسان مع نفسه ومع الآخر، ويُموَضع العنف داخل الجسد ذاته، وكذلك داخل أنساق اجتماعية صارمة.
ے




 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض