عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  "طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت

محمد العباس

إذا كان "طاش ما طاش" يشي برغبة حقيقية لمثاقفة اللحظة، فمسلسل ينتبه اليه رؤساء تحرير الصحف المحلية، ويصر عبدالرحمن منيف على متابعته، كما صرح ذات لقاء، لا يخلو بحال من مغزى جدير بالتأمل، وبغض النظر عن مبررات اصراره على الاشادة بالعمل، يستدعي المسلسل تجاوز مظهريته بما هو عرض فني الى بناه التحتية كفعل ثقافي، للوقوف على المآل الذي انتهى اليه كرسالة فنية وكخطاب ثقافي، فهو موروط، ولو من الوجهة الجمالية،  في فعل التنمية، وبالتالي فهو لا يبتعد بمسافة فاصلة عن خطابات مثقفين كعبدالعزيز السويد وعبدالله الفوزان ومحمد القنيبط وعبدالله الغذامي سواء بالمحايثة او بالتضاد مع أطروحاتهم، أو معالجاتهم على الأقل.
ولأنه يعتمد على الصورة كأداة لعصر، يقوم على الملتميديا، بدا أكثر خطورة وتأثيرا من كل خطابات المناقدة الاجتماعية، بالنظر الى صيغته الشعبوانية التي تقوم احيانا على العبارة اللوذعية والملاسنات التي تشبه في عوالم الضحك الثقافي بالريبارتية والابيغرامية، لدرجة منافسته، من ناحية التمدد والانتشار، لكتاب على درجة من الأهمية والتأثير هو "لا تحزن" الذي وصف بالأكثر مبيعا، وعلى ذلك لا يمكن الاصغاء الى شكوى أصحابه من قلة الدعم، والخوف من توقفه، كحالة افلاس لشركة من الشركات المالية أو الفنية، انما ينبغي الانصات اليها كاستغاثة صريحة من أجل انقاذ مؤسسة ثقافية، تعاني من ضبابية الرؤية او انعدامها، أو انحرافها ربما عن مراداتها.
هكذا يبدو الأمر دون تهويل ولا مبالغة، فالمسألة اكبر من مجرد مسلسل يعيش ضائقته التمويلية، ويمكن انقاذه بضخ معونة مالية اضافية، فقد سبق ان استنجد أهل "طاش ما طاش" بالمثقفين لتزويدهم بنصوص قابلة للتدريم، وبالتالي فهم في هذا اقرب الى اعلان المجالات الادبية والفنية الآيلة للغياب من المشهد الثقافي، وعلى ذلك جاءت الصرخة للوقوف الى جانب صرح ثقافي مهدد بالدخول في غيبوبة ثقافية، او هذا ما تشير اليه تلك النداءات التي بدت فصيحة هذا العام، ازاء مسلسل يراه اصحابه شجرة خضراء تموت، او تتماوت واقفة، فيما يراه بعض المتفرجين، وحتى بعض الفنانين،مجرد جواد انتهى عمره الافتراضي وآن الاوان لاطلاق رصاصة الرحمة عليه.
ويبدو ان خيار طي صفحة "طاش ما طاش" اقرب للمداولة الآن، فهنالك من يراه، لاسباب فنية، عقبة او عذرا لانسدادات الانتاج الفني المحلي نتيجة الحظوة التي يلاقيها من المسؤولين مقارنة بغيره من الأعمال، سواء من ناحية الدعم المادي او الاعلامي او حتى توقيت عرضه، ولأسباب ثقافية، يعتقد آخرون انه قد تجاوز حزمة من الخطوط الحمراء ولابد من اعادته الى عقاله، وقد آن الأوان للاجهاز عليه كعمل فني يلفظ انفاسه الأخيرة، رغم ان فريق المسلسل قد يكابر ازاء حقيقته الفنية المتردية مؤخرا، مكتفيا بالاستغاثات، ومحاولة تطعيمه او انقاذ سمعته بأسماء عربية مرموقة لا تزيده الا بهوتا كزهير النوباني مثلا في آخر فصوله.
وربما لانه من الوجهة التربوية والاجتماعية صار تقليديا بل مدرسيا اكثر مما ينبغي، بعد ان كان منبرا نقديا بامتياز ينهض على السخرية من كل ماهو نظامي ومدرسي، على عكس ما تفترض الكوميديا، بمعنى التأكيد على المبالغة بشأن التناقض (المادي والروحي) القائم بين واقع معاش وآخر متمنى او مستعاد بفلكلورية من الذاكرة، فهذا هو الفن كتعبير حسي عن الفكرة، بتصور هيجل، الذي يرى مهمته الجمالية في افتضاض قشرة الواقع الصلبة وزحزحتها نحو الانساني.
لم تمت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لكوميديا "طاش ما طاش" بالتالي ليس من المفروض إنهاء رديفها التعبيري، ولكن يمكن محايثتها بشيء من التراجيديا لمواجهة ظواهر الخلل الاجتماعي المتمادية، فهي أنجع من الوجهة الفنية والتربوية كما يميل الكثير من أهل الشأن الفني والاجتماعي، الامر الذي سيفتح آفاقا فنية على معالجة مواطن الخلل في المسلسل وفيما عالجه كعمل فني بعد ان اصابته عدوى اللاجدوائية واللاابالية المستشرية في النسيج الاجتماعي.
ورغم الملل ايضا الذي صار يتسرب من تكرار ذات الثيمات، الا ان هذا المبرر وغيره من الذرائع لن تكون كافية لطرد "طاش ما طاش" من المشهد، فكل هذه اسباب قابلة للمجادلة المفتوحة لاثراء الحياة الفنية، ولكن المطلوب هو انقاذ كل الجهود والخبرات الفنية التي أفسحت لنا مكانا على خارطة الانتاج الفني العربي، ولابد من الحفاظ عليها، لئلا نخسر طاقات فنية على درجة من الكفاءة، وفتح أفق آخر  لهذه الطاقات يليق بكفاءتها الفنية.
إن عدم الاهتداء الى نص مقنع لا يعني عدم وجوده، وعدم القدرة على انجاز عمل فني متجاوز لا يعني اماتة اولئك الفنانين في تكرارات "طاش ما طاش" وتدويخهم في حلقة مفرغة، بل المطلوب هو البحث الجاد، وليس الصوري او الاستهلاكي التبريري، عن نصوص، محلية بالضرورة، وايكالها الى سينارست على درجة من الوعي والاحتراف، بدل الاكتفاء بنصوص هواة وإعادة تكييفها تحت عناوين مضللة كفكرة واعداد وادعاء التأليف، فهذا المسلسل ديمقراطي جدا، ولكن ليس لدرجة التصويت عمن يكون الأب داخل الاسرة كما يتندر سكارميتا.
ليس من المعقول ان تنحبس طاقة، المشخصاتي البارع القصبي في محدودية شخصية "فؤاد" المدبرة بدون نسق، والمرسومة كيفما اتفق او حسب كفاءته كفنان، ولا أن تموت امكانات الحيان الهائلة في شخصية "هازار" من خلال الرهان على ارتباكات حضوره الجسماني، ولا ان ينتهي السدحان حتى آخر عمره الفني يردد "ايس فيه" او يكرر بنمطية تقليد شخصية العجوز الهرم، دون أن ينميها في نسق ولو بمستوى شخصية "أبومسامح" ولاشك ان الجراح اكبر بكثير من شخصية "طرطشلي" ومتشابهاتها، وبالتالي فان ازاحته عن هواه الفني الى سذاجة حلقات الكاوبوي والقراصنة والشعودة لا تخدمه كفنان، بل تدخله في تكرارية مخلة لا تتقدم الى الامام، بقدرما تسمح له بتجسيد شخصيات معلبة، سريعة الذوبان، او من النوع "الدايت" فالمسلسل سيختبر على محك التاريخ الفني وليس وفق اغراءات اللحظة.
صحيح أن النجاح الفني يقاس احيانا بمدى ما يستزرع من شخصيات في الوجدان الشعبي، كما عرفناها تاريخيا وأدبيا وثقافيا في شخصيات جحا وأشعب وغيرهما، وكما حققه فنيا عبدالعزيز النمش بشخصية أم عليوي" وريد لحام بشخصية "غوار الطوشي" وهكذا لابد من ملاحظة الفخ الذي يمكن ان يقع فيه اي فنان نتيجة القراءة القاصرة او المغلوطة او الآنية لذلك النجاح، ففنان بحجم جعفر الغريب اكبر من ان يحبس في لهجة، او حركة ادائية، او حتى شخصية، ولا يعرف الا بعبارته الملذوذة، "أشذه ذا" وكذلك بالنسبة للكنهل الذي لم يعد يعرف الا من خلال ترنيماته المحببة "أنت توحي" و"ما دريتا" فالشخصية الفنية دائما بحاجة الى نسق تنمو فيه كالبهلولية مثلا التي تتحشد ضمنها مواصفات وشروط مشتقة من الحياة ومرتدة بجمالية داخل العمل الفني.
اما شكل الحضور الشرفي للمتفرد راشد الشمراني في المسلسل، فلم يستثمر بما يتناسب مع هذه القامة، فهذا الفنان الموحي بالرصانة والدعابة في آن، الذي جسد "التاريخ" برهافة حضورية ساخرة، لم يعط حقه، الا بالمقدار الذي اعطي ل "سداح" نتيجة عدم الوعي بأهمية التشارك في الجهود وتكثيفها وكل تلك نجاحات جميلة ولافتة، اخذت لها حيزا في المزاج والوجدان الشعبي، حتى باتت من كلاسيكيات التخاطب الودود في النسيج الاجتماعي، ولكن عند الالتفات الى الوراء، وتأمل عقد من الزمان يبدو المنجز اقل من الدعم الشعبي والرسمي الذي تأتي، كاستثناء، لفريق "طاش ما طاش" وبالتالي يكون المطلوب فنيا اكثر، فشارلي شابلن بكل عبقريته مثلا بنى انجازه الاهم في مساحة زمنية اقل، وما هذه الجهود والتمثلات الفنية الا مقدمات لما سنكونه فنيا بعد فترة وجيزة وأظننا هنا بحاجة الى "برلمان المنتديات الالكترونية" للتصويت في هذا الامر والتنادي حوله، اي بشأن موت "طاش ما طاش" تماوته، او حتى إماتته.
أو ليست الكوميديا ان تقع - كواعظ - في ذات المطب الذي تحذر الآخرين منه؟ وبالتالي هي ان نضحك من أنفسنا ومعها وعلى حماقاتنا؟ لقد فعلها السدحان مثلا بالسخرية من سذاجة برامج المسابقات واذا به ضيفا على واحد منها، ثم معلنا لآخر، تماما كما سخر ياسر العظمة في "مراياه" من فعل السرقة الادبية بعد ان استنزف كل قصص التركي السار عزيز نسين، وكما تحولت بعض وجوه المسلسل الى واجهات اعلانية استثمارا لنجومية ابطاله او تسليعا له كالسدحان والقصبي والحيان والجراح، فقد كان الطاقم ينزاح عن رسالته الفنية حتى تحول في مفصل من مفاصله الى سوق اعلاني صريح للترويج لماركات سيارات، ومنتجات غذائية، فيما لم يحقق نجومه اي نجاحات تذكر خارجه، وكأن الأمر لا يعدو كونه فيلما فرجويا تسلويا عن الفقر والفقراء يمثله وينتجه ويخرجه اغنياء.
واذا كان الرأي الشعبي، مسألة ملحة وعلى درجة من الأهمية لتقويم المسلسل، فان المقاربة الثقافية، بروح المناقدة الفنية ضرورية ايضا، فهذا العمل الفني الذي احتل وجداننا بشخصيات محببة لعقد من الزمن يصعب تجاوزه بهذه السهولة، وهكذا يمكن ان يكون تجاهله كامتداد، او تفرع لخطاب ثقافي اشمل، ونسق علوي أكمل، حالة من العبث والتهاون ازاء شكل هام من اشكال الثقافة الشعبية.
أو ليس الضحك "اشارة اجتماعية" كما تميل العلوم الانسانية؟ فلنبحث عن سر هذه الاشارة وفق خصائص "طاش ما طاش" بمعنى تقصي منطلقاتها، ومراداتها، والمآلات التي انتهت اليها، فتحت السبب الفني لهذه الكوميديا وداخلها، مبررات خارجية وتداعيات اقتصادية ونفسية وثقافية مطمورة، وعلى طريقة فرويد في تصوره للقبلة كعضة محورة، هكذا تصلنا ضحكة "طاش ما طاش" فهي دمعة نسيت أصلها ومسبباتها المادية.





 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض