عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  بين مكيافيللي وكليلة ودمنة

بيروت - مكتب "الرياض":

يُجري باحث لبناني في كتاب صادر حديثاً له في بيروت مقارنة بين الفكر السياسي لكليلة ودمنة وتعاليم المفكر الايطالي الشهير مكيافيللي صاحب كتاب "الأمير". والسؤال هو: هل قرأ مكيافيللي كليلة ودمنة عبر احدى ترجماته إلى اللغات الأوروبية في القرون الوسطى، أم ان توارد الخواطر بين عبدالله بن المقفع ومكيافيللي كان محض مصادفة؟
الباحث مصطفى سبيتي في كتابه جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة (الصادر عن دار الفارابي) يقول ان مكيافيللي كان يعرف اللاتينية والاغريقية والفرنسية والألمانية والايطالية ليخلص إلى ان دبلوماسياً مثقفاً ورجل دولة مثله "كان جديراً بالاطلاع على كل الترجمات التي نُقلت إلى الايطالية وبعض اللغات الأوروبية وكان كتاب كليلة ودمنة على رأسها".. على أنه رغم شواهد كثيرة لا يمكن الجزم بأن مكيافيللي قرأ الكتاب العربي "إلا أن سياق المطارحات والكثير من عناوينها الرئيسية كنصيحة مكيافيللي للأمير ان يتمتع بقلب أسد وعقل ثعلب، مستوحاة من باب "الأسد والثور" وهو الباب الأشمل والأهم في كليلة ودمنة، حيث تدور السياسة فيه بين الأسد بنداكا والثعلب دمنة. وكذلك عنوان "الغاية تبرر الواسطة" الذي اشتهرت به المكيافيلية، ورد كثيراً في أبواب كليلة ودمنة بصيغ مختلفة. ثم ان الأساس المنهجي الذي اعتمده مكيافيللي في مطارحاته والمتمثل بإعطاء وجهة نظره، ثم إيراد الأمثلة في مناقشتها ثم التعقيب عليها بخاتمة، كل ذلك اعتمده كتاب كليلة ودمنة، رغم الفارق بين مضامين الأمثلة والتفاوت في واقعيتها. وهناك الكثير من المقاطع والنصوص المتشابهة، كلها تغلّب قراءة ميكافيللي لكتاب كليلة ودمنة".
وهناك أحياناً تماثل بين أقوال كليلة ودمنة وعناوين مكيافيللي في مطارحاته. وقد يصل هذا التماثل أحياناً إلى حد الترجمة الحرفية، مما يخلق لدى المتابع روح الفضول في ملاحقة تشعبات النظرية المكيافيلية في السياسة والاجتماع. وهناك أمثلة كثيرة على هذا التشابه.
يقول مكيافيللي: "على الأمير ألا يسند المراتب الرفيعة إلى أناس سبق وأساء إليهم".
ويقول كليلة ودمنة: "لا ينبغي على الأمير أن يقرب من سبق وعاقبه أشد العقاب".
يقول مكيافيللي: "أنا لا أدعو إلى عدم استخدام القوات العسكرية، ولكنني أدعو إلى جعلها الوسيلة الأخيرة بعد استنفاد كل الوسائل الأخرى".
ويقول كليلة ودمنة: "العاقل جاعل القتال آخر الحيل وبادئ بما سوى ذلك".
غاية كتاب الباحث اللبناني تأسست على معطيات كثيرة أهمها ان كتاب كليلة ودمنة هو محطة بارزة في تاريخ تطور الفكر السياسي، وهو مايعبر عنه كليلة ودمنة نفسه في خاتمة الكتاب، حيث يخاطب بيدبا ملكه دبشليم مشيراً إلى ما تضمنه كتابه: "أيها الملك فإنه قد كمل فيك الحلم
والعلم، وزكا منك العقل والقول والنية. فلا يوجد في رأيك نقص، ولا في قولك سقط ولا عيب. وقد جمعت النجدة واللين، فلا توجد جبانا عند اللقاء ولا ضيق الصدر عندما ينوبك من الأشياء. وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل بيان الأمور، وشرحت لك جواب ما سألتني عنه منها. فأبلغتك في ذلك غاية نصحي واجتهدت فيه برأيي ونظري ومبلغ فطنتي، التماساً لقضاء حقك وحسن النية منك بأعمال الفكرة والعقل، فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة".
في هذا القول بيان جلي عن الهدف الذي وُضع له كليلة ودمنة، وهو إرشاد الحكام في جميع ما يتعلق بسلطتهم وبإدارة شؤون دولتهم وبما يواجهونه من المشكلات في الداخل أو الخارج. ولا يسعنا إلا الاعتقاد بوظيفة واحدة سخر لها الكتاب كل تلاوينه، تتلخص في وضع أسس منهجية لسياسة الدولة. وتظهر أيضاً الوظيفة السياسية للكتاب من خلال العناوين التي فتحت بها أبوابه، حيث يسأل الملك فيلسوفه عن مسألة سياسية فيأتي الباب جواباً عليها. وكذلك من خلال التعقيبات التي ختمت بها أبواب الكتاب حيث يؤكد الفيلسوف دائماً على أن النص كان "جواب ما سألتني عنه" مضيفاً إليه خلاصة سياسية تتجلى في شكل حكمة.
وكذلك في مقدمة الكتاب لعلي بن شاه الفارسي، حيث يذكر السبب في وضعه بصراحة ووضوح، فيذكر طلب دبشليم من بيدبا أن يضع له "كتاباً بليغاً تستفرغ فيه عقلك، ويكون ظاهره سياسة العامة وتأديبها، وباطنه أخلاق الملوك وسياساتها للرعية على طاعة الملك وخدمته".
لا تكاد كلمة من كليلة ودمنة تخرج عن مخاطبة الدولة، خلافاً لكل الصيغ التي ورد فيها ظاهرالخطاب. أما استخدام أسلوب الحديث عن أفراد عاديين، فذلك يأتي انسجاماً مع منهجيته القائمة على اعتماد القصة والمثل، ومع أسلوبه المعتمد على الترميز والكناية وإكثار المجاز في توليف الجمل، فنوّع مخاطبته للدولة بتسمياتها التالية: العاقل، ذي العقل، المرء، الرجل، السلطان، الوالي، صاحب السلطان، وسواها. وهي اسماء مختلفة على مسمى واحد وهو الدولة. لذلك يلتبس الأمر على القارئ حين يُغرقه النص في مساجلات بين أفراد عاديين، فيشرد ذهنه عن حقيقة الجوهر، وهو ان هؤلاء تجسيد لدول ومنظمات، أي بكلمة واحدة، تجسيد للشخص العام. وإلى ذلك أشار بيدبا في قوله أعلاه، المميز بين ظاهر الكتاب "سياسة العامة" وبين باطنه أي ارشاد الحكام وسياستهم للرعية.
ولم يخرج مكيافيللي عن هذا النهج. فالدولة هي المخاطب في كتابه (الأمير) وفي مطارحاته رغم اعطائه أمثلة كثيرة عن أفراد عاديين. إلا ان الحكمة المستخلصة من تصرفاتهم كانت تقدم كإضاءة لمسيرة الأمير. كذلك فقد اعتمد في أسلوبه ذكر التسميات نفسها التي استخدمها كليلة ودمنة في اشارته إلى الدولة والمتمثلة في: المرء، العاقل، الرجل، الأمير، الحاكم، السلطان.. إلا ان مكيافيللي كان واضحاً صريحاً في كل مطارحاته، حيث يستحضر السلطة ومؤسساتها دائماً كلما أوشك ان يلتبس الأمر على القارئ، فيذكر الجمهورية والامارة والمملكة والامبراطورية واسماء المدن، على طريقته المباشرة في شرح آرائه.
ومن خلال هذا التوضيح نستطيع فهم ما يقصده كليلة ودمنة بالحديث عن الصديق والعدو، والبخيل والسخي، والشجاع والجبان، والمتردد والمتهور، كنعوت لسياسات دول وليس لتصرفات أفراد.
اعتمد كليلة ودمنة أمثاله من قصص نسجها خيال بيدبا، مثّل بطولتها البهائم، إلا انها كانت شخصيات متناسقة في سماتها الخاصة
وفي علاقاتها المجتمعية. كل بهيمة مثلت شريحة من شرائح المجتمع الإنساني عبر المثل بواسطتها بأمانة عن سلوك تلك الشرائح في مواجهة مصالحها. فالأسد هو رأس السلطة، والنمر هو الصاحب والوزير والقاضي. وابن آوى هو المغالب في حياته صراع المصالح من أجل تحقيق موقع أفضل في الهيكلية السلطوية والاجتماعية. والفيل هو المتعجرف صاحب الآنفة، والكلب تابع ذليل. والجرذ يمثل الذكاء والحكمة (المثقفين). وقد اختار كليلة ودمنة شخصياته في كل مناسبة حسب ما تقتضيه الحكمة.
وقد أجمع النقاد على قيمة ما أضافه ابن المقفع في كليلة ودمنة رغم اختلافهم في أصل واضعه.
أما مكيافيللي فقد اعتمد الأمثال من تاريخ روما، فجاءت واضحة مباشرة يسمي فيها الأشياء بأسمائها. وقد ناقش مع نفسه، وهو ما أسماه المطارحات، كل ظاهرة سياسية من خلال وجهات نظر متعددة. وأعطى على كل وجهة نظر الأمثال التي تدعمها أو تدحضها. والمثل عند مكيافيللي عبارة عن حادثة تدعم جانباً بسيطاً من موضوع المطارحة، فتتضافر أمثلته لتحيط بحجة واحدة. أما المثل عند كليلة ودمنة فهو بظاهره قصة يؤكد مجملها ما جاءت لأجله، إلا انها تتضمن الكثير من المفاهيم
والعبر السياسية التي لا يقل كل واحد منها أهمية عن عنوان الباب الذي وردت فيه.
البشر منطبعون على الشر والفساد فرضية تأسيسية في كل من نظرتي مكيافيللي وكليلة ودمنة حول البشر وتحققهم الإنساني ومع أن الكاتبين يتفقان انه مع صحة التسليم بالقضاء والقدر، إلا انه ينبغي على البشر ألا ينجرفوا في سيلهما العشوائي بل ان عليهم ان يتخذوا الحيطة والوقاية والحزم والقوة والعقل والتدبير حتى يصلوا إلى المسك باندفاع الحظ وتحويله إلى مصالحهم. وفي الكتابين شواهد كثيرة على ذلك مثل: "ان الحظ كالمرأة إذا أردت ان تسيطر عليه، فعليك ان تغتصبه بالقوة".
وفي صفحات كتاب الباحث اللبناني، وعددها 368، مقارنات أخرى كثيرة حول أفكار متشابهة أو متطابقة لمكيافيللي وكليلة ودمنة، وفق منهج دقيق اعتمده الباحث في بحثه، ليستخلص اخيراً قواسم مشتركة تجمع بين مكيافيللي
وكليلة ودمنة، أو ليكتشف على الأصح ان مكيافيللي قديم وانه ظهر مرة في العصر العباسي في كتاب قيل ان ابن المقفع نقله من الهندية أو الفارسية إلى اللغة العربية!




 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض