عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان

محمد علي شمس الدين

يقول ت. س. اليوت في قصيدته "أغنية حب ج. ألفريد بروفروك"
.. وحقا سيكون هناك زمن
للدخان الأصفر
الذي ينزلق على طول الشارع
سيكون هناك زمن سيكون هناك زمن
لإعداد وجه يذيب الوجوه التي تلقاها
سيكون هناك زمن للقتل
وزمن للخلق
وزمن ......
وحقاً سيكون هناك زمن
للتأمل في: هل أجرؤ
وفي "هل لا أجرؤ؟".
وهذا المقطع من أغنية بروفروك لإليوت، بالذات، يشير لزمنين من أزمنته الكثيرة: زمن للقتل وزمن للخلق. وهناك زمن آخر هو الزمن اليومي المكرر، يقول فيه بروفروك: "إنني أكيل أيامي بملاعق القهوة".
بين هذه الأزمنة جميعاً، نسأل: أي زمن هو زمننا اليوم؟
لأول وهلة، سوف نجيب أنه زمن للتقل.. بل هو الزمن الأمريكي بامتياز. هذا الزمن الذي طالما وصفه شاعرهم الأكبر إليوت ونعته بصفات اليباب، خاصة في قصيدته الشهيرة "الأرض الخراب" وفي "الرجال الجوف". ثم جاء من بعد إليوت، شاعر البيت Beak والتسكّع البشري المدمّر. ألن غنسبرغ. ليصف في قصيدة "عواء"، ما رآه من تفكك الحضارة والقيم الأمريكية، وليهجو هذه القيم بشعر هو أقرب ما يكون للسكاكين الحادة التي تمزّق الوجه اللّماع لحضارة بلاده.
نحن اليوم، في العالم، في العالم الثاني أو الثالث، في عالم الجنون المتخلّف المهدد، بل في العالم أجمع، ونحن على عتبات عام مضى وعام يقبل، نسأل أنفسنا ما زمننا وما سمته ووصفه؟. ولعلّ الإجابة على شفة كل إنسان، هي أنه زمن الخوف. بل أكثر هو زمن الرعب. نتخيّل أنّ للبشرية قلباً كبيراً يدقّ بقوة واضطراب في وسط العالم، يدقّ من الرعب. وعام الرعب هذا هو عام متبادل. القوي والضعيف معاً يشملهما الخوف. القوي من شدّة خوفه وقلقه الذي ينهش قلبه، يعكس هذا الخوف على الضعيف، وطبول الحرب العالية التي تدقّ في واشنطن ولندن وتلّ أبيب، وتتجاوب أصداؤها في العراق والجزيرة والخليج وفلسطين وجميع أرجاء المعمورة، ليست سوى طبول الخوف المشتركة للقوي والضعيف معاً، للقاتل والقتيل، للمعتدي والمعتدى عليه... وليست كلمة الخوف أو الرعب سوى اختصار مكثّف لأحوال كثيرة وأحداث بدأت تتسارع، منذ ما قبل الحادي عشر من أيلول العام الفائت 2001م مروراً بهذا التاريخ المنعطف في التاريخ المعاصر، وصولاً لما استدعاه من حروب وإبادات... حتى اللحظة الحالية، لحظة الخوف الأكبر.
لم ينبثق تاريخ "أيلول 2001م فجأة من رحم الزمن، بلا مقدمات ولا إشارات. بل لعله ميلاد مخاض طويل من القهر والعسف اللذين مارستهما ثقافة العولمة الأمريكية على العالم أجمع، فارتدّ ذلك عليها من داخلها بوسائلها التي ابتكرتها هي، وفي عقر دارها: في نيويورك وواشنطن. فالإرهاب ينتج الإرهاب، وكما قالت العرب قديماً: الدم يستسقي الدم.
نحن نعتقد أنّ كل ثقافة أو حضارة في التاريخ، مهما تقدّمت وتمتعت بأسباب القوّة والجبروت، فإنها تحفر قبرها بأسنانها إذا لم يصحح ميزان القوّة فيها، ميزان العدالة. قد تكون البرغماتية المسيطرة أو المنتصرة أخيراً، ضدّ هذه المقولة، فليس في البرغماتية مكان للأخلاق، بل ليس للقوّة أصلاً من أخلاق، إلاّ أن أحداث ما بعد انتصار البرغماتية، وما أصاب سيدة العولمة والبرغماتية الولايات المتحدة الأمريكية في رموزها ومؤسساتها الشاهقة والمحصنة، يدلّ على أنها لم تكن محصّنة بالعدالة اللازمة لانتصار القوّة. ما نقوله في الولايات المتحدة الأمريكية نقوله أيضاً في إسرائيل. إنّ الوحش المتعطّش للدم، سوف ينهش في النهاية نفسه، ويبقر بطنه، وهو يبحث عن دم جديد ليسفكه. فموازين القوة الماديّة هنا (العسكرية والاقتصادية) سوف يقلقها معنى عميق غائر في نفس الكائن البشري هو معنى إحساسه بالعدل.
أليس من المثير حقاً أن تخترق الدفاعات الأمريكية بكاملها، بما في ذلك رمزها العسكري المحصّن في البناغون، وأجهزة راداراتها، وأنظمة التنصّت والرصد الهائلة فيها، حفنة طائرات مدنية انتحارية، تخترق قلبها السياسي والاقتصادي والعسكري اختراقاً مدوياً، وجبرها على إعادة حساباتها وخططها... في اتجاه مزيد من العسف والقهر في العالم.. ويا للعجب.. وليس في اتجاه مزيد من التوازن والعدالة؟
أليس من الملفت للانتباه أيضاً، أن إسرائيل بكامل جبروتها وأنيابها وأسلحتها الهائلة، ترتجف أمام الولد الفلسطيني وبيده حجر، أو مقلاع، وتستيقظ بين الفينة والفنية، على أشلاء أبنائها مبعثرة بفعل استشهادي فلسطيني دمّر جسده في المجتمع الإسرائيلي، فتساوى تجاه المشهد القوي بالضعيف، واختلط دم الطرفين اختلاطاً عجيباً... بل انقلب الدور والمشهد بكامله: القوي المدجج بكامل عدته وأسلحته مذعور مضطرب ذاهل يلملم أشلاء قتلاه، والضعيف المقهور المطارد، يزغرد فرحاً بأشلاء قتلاه، يلمّها بحنان، ويرقص بها وكأنه في عرس....
حين نقول إنّ العام الفائت، كان عام الخوف، فإننا لا نعني بذلك خوف الضعفاء والمقهورين والدول المهدّدة بالحرب... فقط، بل نعني الخوف المتبادل بين القوي والضعيف، المهدِّد والمهدَّد في آن. ولو دققنا النظر في بدايات هذه النهائيات، بل في جذورها التاريخية وأسسها النظرية السياسية والفكريّة، لوجدنا أنّ اختلال التوازن بين الدولتين العظميين في القرن العشرين: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، كان في أساس وحدانية القوّة والسلطة، فانهيار الاتحاد السوفياتي انهياراً دراماتيكياً وسريعاً، بسبب عسفه ولا توازنه والغاء الحرية الإنسانية على حساب التوتاليتاريّة البيروقراطية أو تحكّم البروليتاريا... كل ذلك جوف النظام السوفياتي وحطمه من داخله... ووزعه شظايا وأشطاراً جغرافية وديمغرافية، فتلقفتها الولايات المتحدة الأمريكية لتستبد بجميع أقطار العالم، وتصبح القوة الوحيدة الكبرى في التاريخ المعاصر.
هذه النهاية التاريخية حدد معالمها وأسبابها، الديبلوماسي والمفكر الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما في كتابه الشهير "الرجل الأخير على الأرض" أو "نهاية التاريخ"... وهو يعني به نهاية أشكال الصراع القديمة بين القوى والكتل، بهيمنة القوة الوحيدة الأخيرة المسيطرة على الأرض والمتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد تمّ تداول مسألة النهايات أو الميتات التاريخية، في ثقافة الغرب الأمريكي السائدة، فتكلموا على نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة أو موت الفلسفة ونهاية الشعر أو موته، وسائر النهايات والميتات للعالم القديم. والغاية تكريس بداية جديدة للتاريخ متمثلة بواحدية القوة والسيطرة على العالم، يمثلها راعي الأبقار الالكترونية والنووية الأمريكي... والعالم أمامه وبين يديه حظيرة فسيحة الأرجاء، تمتدّ من محاور الخير والنفط والثروات إلى محاور الشر (كما يصنفها هو) ومن أفغانستان وآسيا الوسطى إلى الخليج، ومن أوروبا إلى كوريا... وهكذا فالسوط الأمريكي العجيب يلعلع في فضاء العالم... لكنه خفت وارتعب في "أيلول 2001م"... ما جعله يعيد التفكير في نهاية الحروب، ويخوض حربه الجديدة العالمية الثالثة، تحت شعار غامض ومطّاط هو "الحرب على الإرهاب"،
ناسياً إرهابه هو وإرهاب ربيبته العجيبة إسرائيل... محولاً العالم إلى جبهتين: جبهته هو بكل ما تملك من أسلحة دمار شامل وقوة اقتصادية كاسحة، وجبهة الآخرين الذين يشكل العالم العربي والإسلامي جوهرهم الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي: هذا العالم الذي في جوفه ثروات العالم النفط والمعادن، وفي قلبه القوة التغييرية الثورية للإسلام.
حسناً: بالأمس أفغانستان، واليوم العراق، وبعد غدٍ ماذا وأين؟ وبين الأمس واليوم وغداً، ينتصب الشعب الفلسطيني عملاقاً دامياً ومهشماً وشهيداً باتساع الكرة الأرضية، وامتداد الحق البشري والعذاب البشرب بكامله.
وبين الأمس واليوم وغداً، تزداد إسرائيل شراسة ووحشيّة، وهي إذ تلتهم البلاد والعباد، تغصّ بين دفعة ودفعة، وتتلوى من ألم ضربات المقهورين، وتكاد تضيع صوابها حين تتأمّل قوتها العسكرية والسياسية الرهيبة، وهي تهان في كل آن... وتنسى حكمة التاريخ وهي أنّ الظلم مرتعه وخيم، وأنّ العنف يستدرج العنف، والدم يستسقي الدم، وأنّ الحقّ لا يضيع ما دام وراءه مطالب.
في نهاية العام 2002م، يتخلّى فوكوياما عن موقعه لهنجتنتون، وبوش يتخلى عن موقعه لشارون، والخوف في جميع أرجاء المعمورة، يصدح كالكروان.... والكرة الأرضية شبيهة بقلب كبير يرتجف من الرعب... من رعب القاتل والمقتول في آن.
إنّ ما يسود هذه البلاد مع نهاية العام 2002م هو ما سمّاه غرامشي بخوف العقل أو تشاؤم العقل، وما هو مطلوب هو إرادة الشعوب، فالتاريخ لا تصنعه سوى الشعوب. ظnب




 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض