عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  المعري في فكره وسخريته

بيروت - مكتب "الرياض" :

أبو العلاء المعري من أدباء التراث الخالدين الذي ظفروا بقسط كبير من اهتمام الباحثين القدامى والمعاصرين، وآخر من عرض بالبحث لفكره وسخريته الدكتور عدنان عبيد العلي أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب والعلوم بجامعة آل البيت بالأردن، وذلك في كتابه الصادر حديثاً عن دار أسامة بعمّان بعنوان "المعري في فكره وسخريته".
في باب فكر المعري وفلسفته عرض الباحث لجملة موضوعات ابرزها نهجه الفكري وخصائصه، المعري والفلسفة، فكره الديني، من فلسفة المعري: النباتية، الحرية، المرأة والنسل، فلسفته اللغوية.
وفي هذا الباب يقول الباحث إن المعري اعتمد منهجاً شمولياً في الفكرة، فلم يكن احادي النظرة، فردي الوسيلة، إذ جمع بين مناهج متعددة تجلت في توحده (عزلته) وصوفيته، وشكه، وتقيته، معتمداً في هذه الشمولية على ثقافة واسعة متنوعة تنوع موضوعاته. وعند استقراء فكره نجد أن لديه اهتماماً واضحاً بالعقل وقضاياه، وبالمعرفة وموضوعاتها:
يرتجي الناس أن يقوم أمام
ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيراً في صبحه والمساء
ولكنه يدعو إلى التناصر بين العقل والدين، فلا يتم إيمانٌ علمي حقيقي إلا بهذا التناصر. وقد اذعن للمعجزة الدينية لأنه يرى أن النواميس الطبيعية والسنن الكونية يمكن أن يجري ما هو خلافها فتتعطل حين يريد خالقها ذلك. ثم أنه لم يتخذ العقل أصلاً نظرياً واحداً للمعرفة، بل اشرك معه اصلين آخرين هما الحس والنقل.
ووفق بعض المعايير التي يرددها الباحث، يرى أن أبا العلاء فيلسوف بحسب التعريفات العامة للفلسفة التي تهدف إلى البحث عن الحقيقة النظرية غير الخاضعة للهوى، لأن أبا العلاء كان يسعى جاهداً في سبيل تكوين رأي معقول عن الحياة والكون. أما إذا اردنا بالفلسفة البحث المنطقي المنظم في مشكلات الحياة والكون، أو أي معنى اصطلاحي آخر من هذا القبيل، فإن أبا العلاء حكيم، أو أديب متفلسف جنح في فنه الأدبي إلى الفلسفة.
ولدى قراءة بسيطة لأبي العلاء، يخرج فيها المرء بنتيجة لاشك فيها هي أن هذا الرجل يعتقد بالتوحيد اعتقاد يقين لا يخالطه شك ولا يساوره ظن. وليس في أدب أبي العلاء بيت واحد من الشعر، أو عبارة توحي أو تشير إلى انكار الخالق أو الشك في وجوده. "وإذا كانت تهمة الالحاد التي أُلصقت به، تعني عدم الإيمان بالله، فإنها تهمة ساذجة لا تقوم على استقراء لأدب أبي العلاء، ولا تستند على أي دليل، وإنما هي حقد اعمى وتحامل مكشوف، لأن أدب أبي العلاء زاخر بالشواهد على الاعتقاد بالتوحيد واسباغ صفات الكمال الإلهية. ولا يختلف أبو العلاء عن المسلمين الموحدين في ذلك الاعتقاد بتلك الصفات". غير أن أبا العلاء كان يرفض التقليد والمحاكاة، ويدعو إلى إيمان متدبر واعتقاد مدروس مطمئن يستند إلى العقل والنظر.
وفي مواضع متعددة من أدبه، يكرر أبو العلاء رحمته بالحيوان بوصفه سبباً لنهجه النباتي مستخدماً إياه في السخرية الاجتماعية والتنديد بالظلم والقسوة والشهوانية التي ينطوي عليها أكل اللحوم، وذبح الحيوان وإيلامه، وتتجلى رحمته وارهافه في وصاياه المتكررة بحسن معاملة الحيوان والرأفة به والاشفاق عليه.
أحسن إلى الناقة الوجناء تبعثها
فيما تشاء وأكرم عشرة الفرس
وما بين الجبر والاختيار، مال المعري إلى المتوسط في المفهوم العام لهما، حيث يقول:
لا تعش جبرياً ولا قدرياً
واجتهد في توسط بينا بينا
أما في موضوع المرأة، فقد كان محافظاً، بل ومغالياً في فكره المحافظ عند التعامل مع المرأة محدداً واجبها في العمل المنزلي، ومقصراً تعليمها على الضروري في دروس التهذيب الدينية. ولم يكتب بنقد أخلاقها، وإنما تعدى ذلك إلى نقد طبيعتها. فجمالها صعب على الرجال جنودها الفتنة، وإعلامها الضلال، وسلاحها الاساور. وهي لم تقتنع بما لديها من جمال حتى راحت تحمّر الوجنات وتخضّب البنات بلون الورد.
وحين عمم المعري تشاؤمه فيئس من الإصلاح الديني، طالب بخصي الحياة التي يزودها الزواج والتناسل بالدوام والبقاء وتأجيج هذا الصراع الذي يحكمه الشر وتنتصر فيه غالباً قوى الباطل. لهذا كان موقفه عن المرأة هو موقفه من الحياة نفسها، لأن المرأة هي الحياة مصغرة:
آن للاوانس أن تزور قبورها
خير لها من أن يُقال عرائس!
في باب سخرية المعري، يقول الباحث إن المعري سخّر شعره وأدبه لغايات أخلاقية وفكرية حفلت بالوعظ،  وغلب عليها الطابع العقلي والمضمون الفلسفي. فلم يرسل نفسه فيه على سجيتها، ولم يستسلم للطبع، بل صنع أدبه صناعة استعلى فيه على مواطنه، كما استعلى في حياته العملية، ملتزماً في أدبه مبدأ (الفن للفائدة)
معتبراً غاية الأدب والشعر طلب الحقيقة والتهذيب. وقد أعلن هذا في مقدمتي ديوانه "سقط الزند" و"اللزوميات". ففي مقدمة الديوان الأول التي كتبها متأخرة، قال: "لم اطرق مسامع البؤساء بالنشيد، ولا مدحت طلباً للثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس".
وقد وصل به التزامه في مرحلة عزلته إلى بغضه شعره في هذه المرحلة، قائلاً: "مدحت فيه نفسي فأنا اكره سماعه".
وفي مقدمة اللزوميات اعترف بضعف شعره فيه بسبب التزامه. وقد تناول أبو العلاء الأخلاق من ناحيتها الاجتماعية، وربما عطف على الناحية العقلية أو النفسية تأييداً للقيمة الاجتماعية. والأخلاق عنده ليست مصانعة الناس، لكنها ذاتية في أعمال البشر. فالمرء يجب أن يفعل الخير لأن الخير نفسه جميل، وليس رجاء ثوابه، أو خشية الوقوع في ضرر اجتنابه. وهو يسخر من أخلاق الناس وينقدها. كما لم يكن بعيداً عن السياسة في النقد والتقويم ومراقبة الأحداث وتسجيلها. فقد سفّه آراء الولاة، وكان له في ذلك صرخات رفض وسخرية تجلت في رسالة الصاهل وديوان اللزوميات ورسالة الغفران.
وقد صوّر حكام عصره ساخراً من انهم لم يحكّموا العقل ولم يسوسوا الناس وفق منهجه. لهذا فإن المعري يجردهم من تسميتهم ساسة لأن شرائط هذه التسمية ليست فيهم:
يسوسون للامور بغير عقل
فينفذ امرهم ويُقال ساسة
فأفّ من الحياة وافّ مني
ومن زمن رئاسته خسارة
ولاشك أن هناك اسباباً أو بواعث للسخرية عند المعري منها بواعث ذاتية، داخلية، وأسباب موضوعية خارجية. ويمكن تلخيص البواعث الداخلية بكفّ البصر، ورهافة الحس، والقدرات الذهنية العالية التي استثمرها في اجتناء محصول ثقافي غزير. كف البصر بعث عنده طول التأمل، وصغّر في نفسه ما يراه الناس كبيراً، واشعره بالاضطهاد والظلم.
وحول رهافة الحس، فقد أشار أبو العلاء إلى طبيعة تكوينه الحساسة في قومه من أنه كان وحشي الغريزة، انسي الولادة. وقد استطاع الباحثون في اختباراتهم أن يتحققوا من وجود علاقة مطردة بين "النموذج الانطوائي" في الشخصية، ومثاله المعري، والميل إلى الفكاهة العقلية (السخرية) القائمة هي الذكاء والفطنة.
أما الأسباب الموضوعية للسخرية عنده يمكن اجمالها في اثنين رئيسيين، هما:
1- القهر الاجتماعي الذي تعرض له منذ شبابه الأول، حتى لقد رضي بالعمى ساخطاً إذ كفاه - كما يقول - رؤية الثقلاء البغضاء. فالسخرية تترجم حاجة روحية. المجتمع يسحق الشاعر بلامبالاته وانكاره، فيسحقه الشاعر بأن يسخر منه، ولهذا تحل السخرية أحياناً محل التراجيديا.
وقد تعرض أبو العلاء للاضطهاد الاجتماعي والعداء الساخر حتى تحول إلى مواجهة فكرية وعقدية واجه بها ضروب الفهم.
وقد واجه أبو العلاء كل ذلك باعتداد وفخر ذاتي:
بأي لسان ذامني متجاهل
عليَّ وخفق الريح فيَّ ثناءُ
تكلم بالقول المضلل حاسد
وكل كلام الحاسدين هراءُ
2- فساد العصر وشعوره بالمسؤولية الإصلاحية. صرف أبو العلاء اهتمامه في التفكير بمشكلات مجتمعه وفساد حياته العامة.
ورافق هذا التفكير شعوره بمسؤولية الكشف والتقويم والإصلاح. لقد كانت سخريته بالإضافة إلى ذلك ترجمة لحاجة الروحية لما لقيه من اضطهاد اجتماعي وظروف قاهرة. لهذا حلت سخريته في أكثر الأحيان محل التراجيديا تجلى فيها التزامه ومثاليته اللذان توجهما بدعوته ممارسة الفعل الحسن والصنيع الجميل طلباً لذاتهما، وليس رغبة في الحصول على جزائهما.
لقد حاز المعري ثلاثاً من العلامات كنّ دليلاً على عظمته، هن: إعجاب مفرط من محبيه ومريديه، وبغض مسرف من اعدائه، وعالم من الأسرار
والألغاز يحيط به على نحو نادر في تاريخ ثقافته العربية الإسلامية. لهذا فإن دراسة أبي العلاء - أيا كان مجال الدراسة - صعوبة قلّ نظيرها، أو انعدم بسبب ذلك الغموض الذي يمكن إجمال أسبابه
بالتقية الفكرية، ومزج الجد بالهزل بقصد التواري، وضياع معظم كتبه، واستخدامه الشعر شكلاً تعبيرياً لاحتواء فكره، والنحل العدواني المقصود.




 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض