عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 02 January 2003 No. 12613 Year 38

الخميس 29 شوال 1423العدد 12613 السنة 38

  مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة

د. عبدالسلام المسدي

ما منزلة الاحلام في مسيرة العلماء؟ وكيف يخرج العالم من ورطته التي تقحمه فيها السياسة عندما يسخر اصحابها علمه لما فيه دمار الانسانية؟
عندما نعيد قراءة حياة بعض الرموز العلمية نقف على عجب عجاب في امر الحلم والاحلام، فألبيرت أنشتاين يعتنق اعتناقا تاما ما يذهب اليه الفيلسوف البريطاني وعالم الرياضيات الشهير برتراند راسل من التأكيد على دور الخيال في اهتداء العلماء الى الاكتشاف، انه يقول ان الاكتشاف العلمي حتى ولو كان في العلم المجرد كالرياضيات متوقف على لحظة تمتزج فيها ثلاثة عوامل: معرفة متخصصة وإرادة انسانية وخيال مجنح تواق.
ولكن بين انشتاين وراسل اكثر من قرينة جامعة، الاول عالم فيزيائي ذو نضال فكري وذو ثقافة عضوية، والثاني رياضي تفلسف فجمع مهجاته تحت قباء المنطق الصوري وحفر الأخاديد في ارض فلسفة العلم. الاول احرز على جائزة نوبل في الفيزياء وكان الاولى ان يأخذها باسم صناعة السلام والثاني خدم السلام باسم المنطق فأحرز على جائزة نوبل للآداب عام
1950.كان راسل مناضلا ملتزما كليا: ابان الحرب الكونية قاوم بضراوة اسطورة الحرب فدخل السجن عام 1918، زار الاتحاد السوفياتي واجتمع بلينين لأنه بدأ متعاطفاً مع الكادحين ولكنه اعلن عداءه للشيوعية، ثم تفرغ لمقاومة الفاشية. ولكن الإنجاز الادعى للتساؤل عن أبعاد الرؤى الحالمة قد تمثل في مبادرته بإنشاء مؤسسة للسلام تحمل اسمه ثم بتكوين محكمة باسمه هي "محكمة راسل" كانت مهمتها محاكمة الولايات المتحدة لما فعلته في الفياتنام.
مات راسل عام  1970.وبعد سنة اصدر تشومسكي كتابا عن "قضايا المعرفة والحرية" صور فيه إكباره لروح النضال الانساني الذي تحلى به ذاك العالم المتميز، وذكر فيه بالثوابت التي وجهته ولا سيما عداءه العميق لفكرة الحرب لان راسل جزم بأن الحرب لا يمكن ابدا ان تكون ضرورة ولا ان تكون عادلة. كما اشاد فيه بموقف راسل من مهمة العلماء ورسالة المثقفين، لأنها في رأيه لاتقف عند تأول العالم وتفسيره وانما تتعدى ذلك الى تغييره.
كان نوبل يوم ظن ان تعميم السلاح يفضي الى نزعه والى تسريح كل الدول جيوشها عالما حالما. وكان راسل يوم أقام محكمة لمقاضاة الدول هو الآخر حالما. وكان انشتاين اكثر منهما احلاما وخياله ابعد انسراحا. كان يؤمن بأن الخيال الحالم عامل فاعل في اخصاب المعرفة العلمية وقد تحقق له ذلك فيما اكتشف من اسرار تركيب المادة ومكونات الذرة ثم راح يطلق الجناح لخيال واسع وهو يتناول الموضوع السياسي. ففي الوقت الذي دعا فيه الى نبذ فكرة الحرب اطلق دعوته للفكرة البديلة وهي "الحكومة العالمية". ومن اجل ذلك هجر بلاده المانيا واتجه صوب الولايات المتحدة حيث كان مسموحا له ان يدافع عن رؤيته، وان يحرض الشباب على رفض الخدمة العسكرية، وان يجرئ الناس على عصيان الاوامر.
كانت فلسفته تقوم على القول بأن الانسانية قد زيفت تاريخها لأنها استسلمت لفكرة الدولة كأن الدولة هي التي صنعت الانسان بدل ان نتذكر بأن الإنسان هو الذي صنع الدولة. وعندما تم تصنيع القنبلة الذرية ثابر انشتاين بحماس فياض مناديا بمراجعة فكرة الحرب وفكرة الدولة وفكرة السيادة، وانبرى يقود حملة واسعة جمع إليه فيها ادمغة العباقرة فحرروا ميثاقا هو بمثابة المانيفست قالوا ان الحرب مستحيلة في العصر النووي، وان سر القنبلة الذرية ستفشى، ولن يقوم السلام في نظام حكومات ذات سيادة وطنية، وان كل دولة ستجد نفسها نازعة نحو امتلاك السلاح الذي تمتلكه الدولة الأقوى، وان الحل الوحيد هو ان تتحول الامم المتحدة الى حكومة عالمية.
كان انشتاين ذا خيالي فياض: قد تقول عنه انه خيال الشعراء وقد تقول انه من احلام الرومنسيين، ولكنه مع ذلك كان متقد الاستشراف، ومن الانصاف ان ننشط بقراءتنا هذه ذاكرة فرسان القوى الدولية الراهنة بأن نعيد الى زيد ما هو لزيد، فنزع اسلحة الدمار الشامل شعار نضالي اطلقه رجال الفكر ولم يستحدثه رجال السياسة.
واخدت فكرة الحكومة العالمية طريقها في تلك الايام، وبدأ إغراؤها يحيق بالدول المتمتعة بالنفوذ العالمي، وسرعان ما التف عليها منطق القوة والتسلط. واعلن ونستون تشرشل موقفا بالغ الكشف والدلالة، وهي قولة موثقة اوردها نوام تشومسكي في مفتتح كتابه " اعاقة الديمقراطية: الولايات المتحدة والديمقراطية" (1991) جاء فيها: "يجب ان يعهد بالحكومة العالمية الى الأمم الشبعى، فهي لا تبغي لنفسها اكثر مما عندها، ولئن اضحت الحكومة العالمية بين ايدي الامم الجوعى لواجه العالم اخطارا على الدوام. اما نحن فليس لاحد منا سبب يدعوه الى طلب المزيد. والسلام انما تحفظه شعوب عاشت على طريقتها الخاصة دون ان تطمع بشيء. ان قوتنا تضعنا فوق الاخرين. اننا الاغنياء الذين يعيشون بسلام في مزارعهم".
هل تراه الميثاق الذي يأتي به السياسي ليشد على ازر العالم المكتشف ام تراه الاستخفاف الذي به يضحك تشرشل من احلام العلماء؟
من حق الفكر الخالص ان يجنح في فضاء الخيال ليستلهم الطبيعة كي يغوص على اسرارها، ولكن ليس من حقه ان يحول الحلم في السياسية الى مدينة افلاطونية تقطع صلته بالواقع. ومن العجب ان يصبح الخيال الحالم آلة فكرية تنتج الخيالات "الإيتوبية" فتعم العدوى ويسود الوهم فترتبك ادوات التشخيص.
لقد كانت فكرة الحكومة العالمية مغرية جدا الى الحد الذي تسللت فيه من دائرة المجال السياسي الى حقل المعرفة العلمية ذاتها. ومن ابلغ الامثلة على ذلك وافصحها ما ذهب اليه بعض اللغويين من ذوي المنازل الرفيعة في الاختصاص، فهذا ماريو باي علم من اعلام اللغويات، هو ايطالي لمع نجمه في اميريكا واصبح مدرسا في جامعة كولمبيا، قد اصدر كتابا بعنوان "لغة واحدة للعالم وكيف نحققها" (1958).
وانطلق الحلم مجنحا في افق التصور الايتوبي الواهم، ووقع بعض رواد العلم اللغوي من العرب في سحر هذا الخيال الشعري، واكثر هؤلاء حماسة في الدعوة هو اللغوي الجليل د. إبراهيم أنيس، فلقد اندفع مترجما امينا لهذا الحلم، الف كتبا بعنوان "اللغة بين القومية والعالمية" فجعل فصله العاشر دائرا على "لغة واحدة للعالم" فكان عصارة تفكيره في التاريخ وفي السياسة ثم في اللغة. وتتمثل نظريته في ان المجتمع الانساني قد تطور تاريخيا من نظام الاسرة الى نظام القبيلة، ثم من نظام القبيلة الى نظام الدولة، فظهرت بذلك فكرة القومية وتحولت الى سلطة متحكمة في مسار التاريخ، وجوهر القومية هو العامل اللغوي اكثر مما هو العامل الاقتصادي او العامل العسكري، ولذا على الانسانية حسب عبارة إبراهيم أنيس "ان تقتنع بفكرة الحكومة العالمية التي تسوس الناس جميعا، ولن يكون ذلك الا امتدادا لنظام الدولة ليصبح نظام العامل كما امتد النظام القبلي من قبل فأصبح نظام الدول الحديثة وعندئذ يتحقق للبشرية ذلك الحلم السعيد بأن تصبح للإنسان لغة عالمية او قومية انسانية للناس كافة وفي جميع بقاع الارض".
ومن وراء كل سطر ينبلج طيف تلو طيف: نوبل، وفريد، وراسل، وأنشتاين، وكذلك ماريو باي، فماذا لو ان هؤلاء جميعا قد طال بهم العمر فرأوا معنا مانراه نحن اليوم! ل




 

بقية المواضيع

"طاش ما طاش" كخطاب ثقافي : شجرة خضراء تموت واقفة، أو تتماوت
الشاعر موسى حوامدة يقتنص الدهشة والمفارقة ويقاوم بقلمه الأسود قهر الروح وطغيان الأمر الواقع!
مفكرة السرد: هل يكتب الجسد ذاكرته؟؟ .. أحلام مستغانمي وثنائية الكتابة والجسد
"تاريخ بلاد الهند" : شهادة عن الازمة الاخلاقية الاولى للحضارة الغربية
مساءلات فكرية : العلم والرؤى الحالمة
في نهايات العام 2002م : الخوف يصدح كالكروان
من عناصر المواجهات الشعرية
بيت وصدى
الحداثة في الشعر الشعبي
ذكرى
من أهم الأحداث الفنية المصرية في عام 2002
إصدارات : الخطراوي واثار الافغاني
"تحليل دم" عباس بيضون
العدواني يستقرئ  المكان
"شكيب أرسلان - الدور السياسي الخفي"
المعري في فكره وسخريته
حقبة الثقافة
شماليل
أنثاي.. وجهان للمنفى
قصص قصيرة
سنأتي لبعض
السدحان والقصبي والحيان يستقرون في عنيزة!!
إلى أين يمضي العالم وكيف يمكن الخروج من زمن الرعب؟
من يغفر للساحة الثقافية ما حدث في معركة الموسوعة؟
في غياب النقد ترتكب السرقات : مستنسخات كاريكاتورية تبحث عن أصحابها الشرعيين
الألحان الدافئة لا تنكمش بالبرودة: فيروز والساهر ونجاة أشهر المطربين الذين قدموا أغنيات لفصل الشتاء!
كتاب (شاعرنا) الإلكتروني تجربة توثيقية فريدة من نوعها
بين مكيافيللي وكليلة ودمنة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض