عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 August 2002 No. 12459 Year 38

الخميس 22 جمادى الأولى 1423العدد 12459 السنة 38

  هل تعرف دمشق يا سيدي؟

حنا مينا

جئت دمشق أبحث عن عمل، في أحد دكاكين الحلاقة، لكن أحداً لم يقبلني عنده، وتعبت من البحث دون جدوى، إلى ان أشار عليّ صديق ان أعمل في الصحافة، وكان قد قرأ بعض كتاباتي وأنا حلاق في اللاذقية.ذهبت إلى جريدة "الإنشاء" في بناية القدسي، مقابل البريد المركزي، وقابلت صاحب الجريدة وجيه الحفار، فسألني عما أحمل من شهادات، وحين أجبته أنني لا أحمل إلا الشهادة الابتدائية، ابتسم إشفاقاً، فسارعت إلى إخراج قصاصات من ورق الصحف، فيها بعض كتاباتي، وبعد تفكير قال لي: "عليك أن تشتغل ثلاثة أشهر تحت التمرين دون أجر" اجبته: "ومن أين أنام وآكل أنا الغريب عن دمشق؟" قال: "هذا ليس شغلي!".قبلت العمل مجاناً، ورحت أنام هنا وهناك، وآكل ما تيسر الذي لا يبلغ حد الشبع، وكان رئيسي المباشر في الجريدة، سكرتير التحرير أحمد علوش، الإنسان الطيب، والذي ذهب إلى صاحب الجريدة، في نهاية الشهر الأول، وقال له: "حنا محرر جيد، ونحن نحتاج إلى مثله" واقترح عليه ان يدفع لي أجراً، فقرر الأستاذ الحفار ان يدفع لي مئة ليرة سورية في الشهر، وهكذا صرت، أنا الحلاق، صحفياً بالمصادفة.كنت أسكن عند قريبة لي، في حي الحبوبي الرابع، فدفعت لها نصف راتبي أجرة سكن، وعشت بالنصف الباقي
عيش تقتير، ورحت أطوّف في دمشق ماشياً، قصد التعرف على أحيائها، ومعالمها، وأكتب في الجريدة عن مشاهداتي، بأسلوب مقبول نسبياً، دون أن يخطر في بالي ان أكتب رواية عنها، ودون ان تكون كتابة الرواية واردة في حسابي، ووجدت مكتبة قبلت ان تعيرني بعض الكتب بأجر زهيد، على أن آخذ كتاباً فاقرأه، ثم أُعيده لآخذ غيره، وهكذا التهمت كتبها تدريجياً، دون ان أفعل ما سوف أتعلمه لاحقاً، وهو المطالعة على مكتب، أو حتى طاولة، وإلى جانب الكتاب ورقة أو دفتر، أسجل فيه ملاحظاتي، وإشارات استفهامي حول هذه القضية أو تلك، مع متابعة التطواف في شوارع دمشق، ودروبها، وأزقتها الضيقة، المتعرجة، في احيائها القديمة.ولما بدأت كتابة الرواية فعلياً، في الأربعين من عمري، فكرت بكتابة رواية عن دمشق، غير اني وجدت معارفي عنها لا تشكل مادة مطاوعة لذلك، ثم كرت الأيام وأنا أفكر بكتابة هذه الرواية التي لن أكتبها ابداً، والسبب بسيط: هذه الرواية، لو كتبتها، تخصني أنا وحدي، وليس للناس علاقة بها، ففيها جرحي الذي تسببت الظروف، يوم جئتها فقيراً معدماً، في جعله ناغراً إلى أن اندمل، ولا فائدة من الكلام على هذا الفقر الخاص، والذي كتبت عنه كثيراً، وباعدت بيني وبينه الأعوام،
إضافة إلى ان التعميم الفني، يقتضي تحويل ما هو خاص، إلى ما هو عام، أي ان ألمي كفرد، ينبغي أن يتناول ألم الناس الذين كانوا في مثل وضعي، وفي هذا إعادة فتح للجراح لا مبرر له، باعتباره يدخل في سيرتي الذاتية، التي بدأت مع ثلاثية "بقايا صور - المستنقع - القطاف" وعليّ أن انتظر إلى ان تتكامل، فتبلغ مرحلة معاناتي القاسية في دمشق، ولئن رحلت قبل الوصول إليها فلن يخسر القراء شيئاً، مادامت حياتي كلها معاناة سوداء، منذ وعيت الوجود إلى ان اقتربت من الثمانين، التي قال عنها زهير بن أبي سلمى بيته الشعري المعروف.لقد كتبت روايتي "الياطر" (مرساة السفينة) قبل ثلاثين عاماً، وشاء القدر ان تكون أشهر رواياتي، وأن تطبع حتى الآن أكثر من سبع عشرة طبعة، وهي، كما يعرف القراء، الجزء الأول، الذي يتناول حياة زكريا المرسنلي، وقتله زخرياوس الخمار، وفراره إلى الغابة، والرواية، ككل، تتحدث، أصلاً، عن ابن زكريا، الذي قتل حسن الجربيدي، وتفاصيل هذا الجزء، وهو الثاني، حاضرة في ذهني، ولا أزال أحتفظ بمخططها على الورق، بكل دقته وشروحه، إلا انني، رغم إلحاح القراء، و"دار الآداب" ناشرة كتبي، على إكمال الرواية، فإني لم أفعل، ولن أفعل، بسبب من ان اللياقة الجسد
ية والنفسية، التي كنت عليها، حين كتبت الجزء الأول، الياطر، قد اندثرت، تآكلت مع الزمن، صارت ورائي، ولو أقدمت على كتابة الجزء الثاني، فلن يكون بقوة الجزء السابق، لذلك أسوّف، وأماطل، واعتزم، وارتد عن عزمي خوفاً، مع ان هذا الخوف سيتبدد، أغلب الظن، ما أن ابدأ، إلا انني لا ابدأ، ومن المرجح ان هذه البداية لن تكون، وان الجزء الثاني لن يرى النور إلا بمعجزة.الخوف نفسه يتملكني كلما هممت بوضع رواية عن دمشق، وإني لأتساءل: لماذا هذا الخوف، وقد عشت كل هذا العمر في دمشق، كلما صح عزمي على أن ابدأ!؟ ولماذا التردد في كتابة رواية عنها، مادمت قد اخترقت كتامة مجتمعها، وأصبحت أحد سكانها منذ خمسة وخمسين عاماً!؟ لا جواب، أو أنني أزوغ عن الجواب، لسبب نفسي مجهول، لا أدري كنهه، وحين أدري، إذا كانت ثمة فسحة باقية في العمر، سأفعل، سأكتب رواية هي الآن ملك الزمن الآتي، ملك الأيام الأجمل، التي لم أعشها بعد، حسب ناظم حكمت، وعندئذ سيقرأني الناس في باطن اشيائي لا ظاهرها، ويعرفون من سيرتي ما يريدون، ويختلفون في هذه السيرة ما يشاؤون، والتي عرفتها كانت جنية القمر، وظلت هناك، متربعة على عرش القمر، وفي الليالي التي يصير فيها بدراً، ستبتسم ابتسامة ال
جوكاندا للأرض، وتهبط مع شعاعها إليها، وهذا من الجنون، أو من المستحيلات، وهو وهم هديت به من بعض أوهامي!" وزال الوهم الآن، ومعه جنون الشباب، عندما صرت، كغيري، عاقلاً في الشيخوخة!أما دمشق، المدينة الفريدة بين المدن، التي منها كانت حبيبة، ومنها الطريق المستقيم، والسور الذي قفز منه بولص، وبوابة خالد بن الوليد الشرقية، أما دمشق، هذه اللؤلؤة في تاج الزمن القديم قدم الأرض، ذات البهاء الذي لا يوصف، والأهمية التاريخية النادرة، فإنني كتبت عنها خمسين كلمة، في خمسين سنة، وسأطلعكم عليها!رواية؟ لا! صورة وصفية، وهذا كل شيء، فالرواية لا تؤاتي، حين نريدها أن تؤاتي، ولا تنقاد لمجرد أننا نحبها أن تنقاد، الرواية مجنونة، كالروائي تماماً!د


 

بقية المواضيع

هل تعرف دمشق يا سيدي؟
الناقد د. عز الدين اسماعيل لـ "الرياض": استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها حقيقة
الكتابات الأولى لطه حسين في كتاب العودة إلى البدايات
طام - طام زنجي من سنغور *
سقف الكفاية وآثار الموهبة الروائية العبقرية
سأخلعك إن لم تستشهد يا أبا خليل؟؟
الرواية ومعركة الجديد
محمد بن عبدون
رحيل الشاعر والصحافي والأديب رياض فاخوري
غياب المخرج المصري عاطف سالم
خلدون الشمعة: الناقد الحداثي العربي قادر على الجمع بين أزمنة ثقافية متعددة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض