عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 August 2002 No. 12459 Year 38

الخميس 22 جمادى الأولى 1423العدد 12459 السنة 38

  الناقد د. عز الدين اسماعيل لـ "الرياض": استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها حقيقة



ستون سنة من الاشتغال بالادب، والنقد الادبي، على الخصوص، جعلت من الدكتور عز الدين اسماعيل لا ناقدا ادبيا كبيرا وحسب، بل ومعلما للادب والعقل، بلغة الجاحظ. فعبر هذه السنوات الطويلة التي انتج فيها الدكتور عز الدين اسماعيل كتباً كثيرة، وترأس معاهد علمية ومنابر صحفية متخصصة، منها تأسيسه لمجلة (فصول) وترؤسه لتحريرها عدة سنوات، نشأت لعز الدين اسماعيل سمعة عالية كمرجع ادبي وثقافي مصري بارز.والحوار التالي الذي اجريته مع الدكتور عز الدين اسماعيل مؤخراً يتضمن خلاصات معبرة من تجربته الادبية والنقدية لعل في طليعتها اتساع أفقه ودعوته الى عدم التعصب او الوقوف عند منهج نقدي معين والاستمرار فيه الى ما لا نهاية. فلا نهاية في رأيه للمناهج التي يتعين على الناقد الا يلتزم احدها التزاماً تاماً وكأنه يتضمن الحقيقة الوحيدة، او حجر الفلاسفة، كما كان يقول القدماء. فالزمن في رأيه لا يتوقف عند مرحلة او عند موقف او عند منهج. والافلاس لا يتجلى في وضع كوضع المرء الذي يقول ان الفكرة التي اعتنقها هي الفكرة الأولى والاخيرة في الكون.يُنكر الدكتور عز الدين اسماعيل انه كان "بنيوياً" بالمعنى الذي يُعطى لهذه الكلمة عادة. وكل ما في الامر انه فتح صف
حات فصول امام هذا النمط من النقد من اجل ان يعرفه الناس معرفة جيدة وان يقفوا على افضل ما يستطيع ان يقدمه، مع انه كان في مرحلة تراجع امام نماذج نقدية وفكرية طرحت بعده، واخذت تمثل مكانا علي ساحة الاهتمام العالمي.وبعد ان يقول ان نظرية التلقي تلقى الآن اهتماماً واسعاً، وانه هو بالذات ترجم في اوائل التسعينات كتابا عنها، يضيف ان النقد سيظل دائماً، كالطب، علماً ناقصاً لن يكتمل ابداً، وان على الناقد العربي ان يعود الى تراثه النقدي ولكن على الا ينغلق عليه. فالانفتاح على الحديث ضروري كاجادة القديم والبدء منه.ولكن كل ذلك، لا ينبغي ان ينسينا "الحاجات المخيفة جداً" التي تحصل في عالمنا المعاصر. فالتكنولوجيا سيكون لها اثر واضح في النظرية الادبية وفي النظرية النقدية ايضا. امور كثيرة ستتراجع امام المفاهيم الجديدة التي تطرحها الآن فلسفة "النص المنشعب" وسواها من النظريات التي تعصف في عالم النقد الحديث.وهذا هو نص الحوار بين "الرياض" والدكتور عز الدين اسماعيل.. أعرف انكم اسستم مجلة "فصول" كمنبر لنظريات النقد الحديث، واعرف انكم من النقاد الكبار المتمرسين بالنقد منذ حوالي ثلث قرن. ومما اعرفه أيضاً أنكم تبنيتم المنهج البنيوي في النقد
. فهل ما زلت بنيوياً الى اليوم؟ وما رأيك فيما يقدمه النقد العربي في وقتنا الراهن؟- هذا سؤال ينطوي علي خمسة عناصر أوافقك علي بعضها ولا اوافقك علي بعضها الآخر. انني اسست مجلة "فصول"، هذا صحيح، لكي تكون معبرا للحياة الثقافية بصفة عامة، والنقدية بصفة خاصة، في حالة الركود التي كانت قد وصلت اليها على الساحة العربية قبل ذلك الوقت لكي تنتقل الى الواقع الراهن العالمي الجديد وتواكب ما هو حادث وما هو قادم وما هو ممثل للمرحلة الزمنية الحقيقية التي يمر بها العالم في ذلك الوقت مما لابد من ذلك.أما ما لا اوافقك عليه، فهو انني منذ اربعين عاما اعمل في النقد، فالحقيقة انني نشرت اول مقال لي منذ اثنين وخمسين عاما في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر برئاسة استاذنا المرحوم الاستاذ احمد امين.الشيء الذي لا اوافقك ايضا عليه هو انني بنيوي. انا لا ادري من اين جاء هذا التصنيف. وانا لا اصنف نفسي ولا احب ان أٍصَنَّف كذلك لانني ضد التصنيف، سواء بالنسبة لما يخصني أو بالنسبة لما يخص الآخرين. ليس هناك ذلك الشيء المتوحد الذي لا يُنظر إليه إلا من زاوية واحدة، والذي لا يعمل الا من منظور واحد. على الاقل هذا مبدئي فيما ي
تعلق بمسلكي العقلي. فانا لست ممن يربطون انفسهم باتجاه واحد ويعملون تحت لوائه ويكرسون جهدهم له بكل ما فيه من مزايا وعيوب. لكنني حريص علي ان اعرف كل شيء قدر ما اطيق، وان امارس هذا الشيء في افضل صوره الممكنة. بمعنى انني اعطيته حقه في المعرفة الموضوعية الصحيحة. وبعدها اعترف له بما فيه من مزايا، واقدّر هذه المزايا واعلنها بل اروّجها ايضا. لكن ليس هذا من اجل ان اقول انني وراء هذا الاتجاه، او انني سأدافع حتى الرمق الاخير عن هذا الاتجاه او ذاك.البنيوية لم تكن سوى اتجاه من الاتجاهات المختلفة التي كان على مجلة (فصول) في مرحلتها الاولى خلال الثمانينيات ان تعرضها علي جمهور المثقفين والنقاد العرب. فهو منهج ضمن غيره من مجموعة من المناهج كانت الساحة في ذلك الوقت قد عرفتها، بل لعلها كانت بالنسبة للبنيوية علي وجه التحديد، قد تجاوزتها. نحن لم نكن نعرض شيئاً ما زال له الرنين العالي أو الصوت الجهير على الساحة، بل كان هذا الصوت في مرحلة تراجع امام نماذج فكرية جديدة طُرحت بعده واخذت تحتل مكانا على ساحة الاهتمام العالمي. لهذه، فهذه البنيوية، او هذا الاتجاه، اخذ نصيبه من عناية المجلة لكي لا نمر به او نعبره ونتجاوزه قبل ان نكون قد عش
ناه كما ينبغي له ان يعاش. بمعنى ان يعرفه الناس معرفة كافية وجيدة اذا امكن، وان يمارسوه الى اقصى غاياته لكي يقفوا علي افضل ما يستطيع ان يقدم، ويستخرجوا النتائج الممكنة في كل الحالات لهذا السعي. عندئذ نكون قد عرفنا ما سنتجاوزه فيما بعد. هناك كثيرون ينظرون الى آخر صيحة ليدخلوا فيها وليكونوا بذلك قد تجاوزوا كل ما سبقهم دون ان يكونوا قد مروا بالمحنة نفسها، او بالتجربة السابقة والاسبق، حتي يكون وصولهم الي الاجدّ هذا مرحلة طبيعية تطورية معقولة نتيحة لممارسات تكشفوا من خلالها ان هذا الاتجاه، وذاك الاتجاه، كلّ له ما له من فضيلة او ايجابية، ومن تحقق مادي ملموس ومسعف في كثير من المناطق، ولكنهم اكتشفوا ايضا جوانب القصور فيه. وكان وصولهم الى ما وصلوا اليه مؤخرا نتيجة لبحثهم عن اجابات لاسئلة ظلت معلقة ولم تجد الاجابة عنها، او اجابات بحثا عن اجابات لاسئلة أُجيب عنها ولكن لم تكن الاجابة حينذاك مرضية او مقنعة او كافية.هذا هو فيما يتعلق بمسألة البنيوية. وانا نفسي مارست هذا العمل قبل ان تصدر مجلة فصول. وقبل ان تصدر مجلة (فصول) بما يقرب من عشر سنوات، عندما اصدرت كتاباً عن الحكاية الشعبية في السودان. فهذه الدراسة التي تتناول الحك
ايات الشعبية السودانية هي، وان اتخذت من الحكايات الشعبية السودانية على وجه التحديد، مادة للدراسة، فانها استخدمت في التحليل منهجاً بنيوياً. لكن، كما اقول، لم يكن هذا معناه انني اعلنت بنيويتي منذ ذلك الوقت، وانني مستمر عليها الي ما لا نهاية..أنا استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها البنيوية حقا، وهذا الى اليوم ما زال في البنيوية جانب تستطيع ان تفيد منه في عملية التحليل حتى في النصوص الادبية المفردة، وعلي مستوى (وهذا اوضح) النصوص المتكاملة. اعنى النصوص التي تشكل عملا كاملا لأديب من الادباء، او النصوص التي تمثل مرحلة زمنية بعينها، او بيئة من البيئات على مستوى المفرد والجمع. تحقق البنيوية في العملية التحليلية جانبا لا يزال مهما وايجابيا. هذا هو الموقف.. أعرف أن لكم مسيرة طويلة مع النقد الادبي. في ذهني انكم كنتم في يوم من الايام من انصار المنهج النفسي، فاين انتم اليوم عن هذا المنهج، ومن مناهج النقد الاخرى أيضاً؟- انا نشرت في مجلة الثقافة التي سبقت الاشارة إليها فور تخرجي من كلية الآداب، وكان ذلك في عام 1951م، سلسلة من المقالات، خمس مقالات على وجه التحديد كانت تحمل عنواناً واحداً هو التفسير النفسي للادب. وكان
ت هذه المقالات في مجموعها هي البذرة الأولى التي اعلنت فيها اهتمامي بهذا المنحى في الدراسة الادبية، والتي وقفت فيها علي منهجية كانت في ذلك الوقت مخالفة لما مورس من قبل الآخرين قبل ذلك فيما سمي بالدراسة النفسية للادب، سواء فيما يتعلق بالناحية النظرية الصرف او بالدراسات التي كان لها طابع تطبيقي عملي، وكان لها سمعة كبيرة وشهرة كبيرة مثل دراسة العقاد على سبيل المثال لشخصية ابن الرومي: ابن الرومي حياته من شعره. وكذلك دراسته عن ابي نواس ثم الدراسة المهمة في ذلك الوقت للأستاذ محمد خلف الله أحمد بعنوان من الوجهة النفسية في دراسة الآداب وكان لهذا الكتاب وقع مهم جداً في ذلك الزمن، في أواسط الأربعينيات. ثم الدكتور محمد النويهي رحمه الله كانت له أيضاً دراسة عن شخصية أبي نواس.قبل هؤلاء أيضاً كان طه حسين يمارس هذا المنهج النفسي بمفهومه آنذاك في بعض كتاباته عن الشخصيات الأدبية.هذه الدراسات كلها كانت بطبيعة الحال واضحة أمامي وأنا أحاول ان أكتب ما أريد ان الكثير تحت هذا العنوان، فاخترت لنفسي منهجية مخالفة هي في حقيقتها بمثابة نقلة في النظرية النقدية تحققت بعد ذلك على مستوى عام وعلى نطاق واسع حتى على المستوى العالمي، وهي مرحلة
الانتقال من المؤلف إلى النص. قررت ان لا تكون دراستي القائمة على التفسير النفسي معتمدة في شرح النص وفهمه وتوجيهه على المعطيات النفسية الخاصة بشخصية المؤلف.أهملت المؤلف تماماً، أخرجته من الحفل، ومسألة أنني أحلل شخصية المبدع وأنظر في إبداعه في ضوء ذلك، رفضتها تماماً، وهذا ما كان العمل يجري عليه في المحاولات السابقة. كان النص الأدبي في ذلك الوقت، في تلك الدراسات، يؤخذ على أنه وثيقة نفسية على صاحبه. أنا لم أنظر إلى النص في علاقته بصاحبه على الاطلاق. ولكني قلت هناك تحد أمام هذه النظرية النفسية، وعلى الأخص النظرية التحليلية، التحليل النفسي. أمامها تحد تستطيع ان تقدم الأدوات اللازمة لتحليل نص ما، سواء كان شعراً أو رواية أو مسرحية، دون الاستعانة بمعرفة ما عن شخص المبدع توظفها في إضاءة هذا النص. هذا كان هو السؤال، كان التحدي. وقد مارست العملية على هذا الأساس مستفيداً بلا شك من معطيات وأساسيات علم النفس التحليلي، المفاهيم الأولى الأساسية، المفاهيم التحليلية. ومارست العملية على المستويين النظري أولاً ثم التطبيقي، وكانت التطبيقات على مستوى الأعمال، النصوص الأدبية في اختلاف أنواعها، شعراً وقصصاً ومسرحاً.وانتهت هذه التجربة،
أو هذه المحاولة، بالكتاب الذي أصدرته تحت عنوان "التفسير النفسي للآداب" وكان ذلك في أوائل الستينيات.طبعاً الزمن لا يتوقف عند مرحلة أو عند موقف. والعالم حولنا يتغير. أنا لا أكف عن القراءة والاتصال والمعرفة، والعالم يتغير أيضاً ويتحول وأكبر الشخصيات تطرح فكرها المتجدد دائماً دون أدنى حرج أو تحفظ، لأن أي إنسان يدعي ان الفكرة التي اعتنقها هي الفكرة الأولى والأخيرة في الكون، هذا نوع من الافلاس، ونوع من الضياع لأنه لو كانت هناك الفكرة الوحيدة التي تغني عما عداها من كل تفكير، لكنا ارحنا أنفسنا منذ زمن بعيد. وأكثر الأفكار في عالم المعرفة التي طرحت منذ عشرات المئات من السنين وما زلنا مع ذلك ننتظر الجديد.فالتقوقع في منهجية واحدة، هذا خطأ خطأ وضار ضار لا جدال فيه، ولكن الأفيد ان تتحرك مع حركة الحياة وان تنظر، كما قلت، في ما يمكن ان يكون مسعفاً للإجابة عن أسئلة سابقة بطريقة نقدية، ويكون له الأولوية عندئذ. وهكذا تدور دورة الحياة، ويدور الفكر ويصبح للتفكير مشروعيته وضرورته وحقيقته. عندما قرأ النقاد الإنكليز النقد البنيوي، أو النظرية البنيوية، في البداية، اكتفوا بالقول: "هذا نقد فرنسي!!" بعد مرور ربع قرن تقريباً على وجود الن
قد البنيوي في العالم العربي، هل جرت بنظركم تبيئته؟ هل تعرب هذا النقد؟ هل باتت له صلات طبيعية مع الأدب العربي والفكر العربي والمرجعيات الثقافية العربية؟ أم أنه ما يزال غريب الدار عندنا؟- أولاً.. أنا أعتقد ان البنيوية حتى في الكتابات العربية النقدية الآن تراجعت، ومنذ مدة لا بأس بها.تراجعت، لأنني كما قلت، لم تعد البنيوية هي الصرخة العالية الصوت والواسعة النطاق على الساحة العالمية بخاصة، في المجال النقدي.البنيوية في وقتنا استطاعت ان تتغلغل في كل العلوم الإنسانية، وان تفرض منهجيتها في هذه العلوم المختلفة وأثبتت وجودها بشكل أو بآخر في تلك العلوم، كما أثبتت جدارتها على الساحة النقدية.لكن في الوقت الراهن لا أظن ان الكتابات النقدية التي تمارس الآن في المستويين النظري والعملي تعطي البنيوية ما كانت تعطيه عن أهمية في حقبة الثمانينات وبعض التسعينات على الأكثر. وهذا راجع كما قلت إلى التغيرات. أنا مثلاً ترجمت كتاباً في أوائل التسعينات عن نظرية التلقي. وأنا أعتقد ان هذه النظرية لم تكن معروفة بشكل جيد قبل ذلك في الساحة العربية. لكن منذ ذلك الوقت حدث نوع في الالتفات إلى النظرية. بدأ المشتغلون بالنقد يلتفتون إلى هذه النظرية، يب
حثون في كتبها ومصادرها، كتابها ومفكريها الأساسيين. حاول بعضهم ان يستخدم الصورة التي نقلتها عنها في هذا الكتاب المترجم وفي المقدمة التحليلية التي قدمتها. حاول ان يستفيد من هذا في ان يطبق هذه المعطيات على مادة عربية. صدرت بعض الكتب تحمل هذا الطابع. فكرة التلقي أصبحت شاغلاً جديداً حل محل البنيوية في ذلك الوقت. كثير من الناس يتحدثون عن التلقي ومشكلات التلقي والقراءة والقارئ والمتلقي.انتقلت الاهتمامات، فبعدما كانت في البداية على المؤلف كما ذكرت من قبل، ثم استقرت على النص بذاته. اهتمام العملية النقدية بالنص بذاته. وأنا أشرت إلى مرحلة واكبنا فيها هذا العمل وعرفنا مدخله من أين. ثم اتسع نطاق التركيز على النص. كل شخص أصبح يتحدث باسم النص. تحليل النص. ما أكثر العناوين التي صدرت في اونة الثمانينات والتسعينات تحمل كلاماً عن النص، والنص والتناص في النصوص وما إلى ذلك. مرحلة كاملة أفرزت هذا الاهتمام، لكن بعد ذلك، وفي التسعينات تراجع هذا أمام النموذج الجديد وهو نموذج التلقي والقراءة. الاهتمام الآن هو بالمتلقي والقارئ والقراءة، وعملية القراءة. فالدراسة تركز على أنه ليس هناك نص، وليس هناك مبدع، هناك قارئ يصنع النص. هناك متلق ين
جح في ان يقرأ النص أو لا يقرأه، أو يقرأه بصورة تلائمه فيقتات عليه، أو يقرأه بصورة أفضل. أياً كان الأمر، ليس هناك نص ثابت. هناك نصوص بقدر، هنالك من قراء وعمليات تلق.هذا كله في اعتقادي راجع إلى ان نظرية التلقي دخلت إلى الفكر النقدي المعاصر عندنا من خلال هذه الترجمة، وعن خلال المقدمة التي كتبتها، وانشغال الناس. كانت لها جاذبية في ذلك الوقت. لماذا؟ لأنها تعطي شيئاً مغايراً لما سبق، للاهتمامات السابقة. كثيرون من الناس اهتموا بها، كثيرون عملوا في ضوئها. ولعلها ما تزال إلى اليوم. لكن سيرتبط بها في بدء أو سيحل محلها كما تنبأت منذ ثلاث سنين، الاتجاه التأويلي الذي هو الهرمينوبطيقا. سيكون لها شأن في فكرنا النقدي في منعطف هذا القرن الجديد، الاتجاه التأويلي. يبدو ان النقد، مثله مثل الطب، سيظل دائماً علماً ناقصاً ولن يكتمل؟- لعله أكثر من الطب في هذا، لكن مع اختلاف. اختلاف مهم جوهري أنا أشير إليه في نموذج آخر، وهو أننا نتذكر - على سبيل المثال - في الثقافة اليونانية القديمة، اقليدس وارسطو. اقليدس أبو الهندسة، ارسطو أبو الفلسفة، وضمناً أبو الشعر والنقد الشعري، نظرية الشعر ما إليها.اليوم، الهندسة الفراغية التي اهتدى إليها اقلي
دس، لا تجدي مطلقاً في زمننا غدا في فهم أي شيء في الهندسة الإلكترونية. لا قيمة لها، تترك نهائياً، تنسى نهائياً.ارسطو لا يتُرك ولا يُنسى. ارسطو ربما يخرج عن بؤرة الاهتمام إلى زاوية في الاهتمام، أو حتى هامشه في الاهتمام في فترة من الزمن، عند بعض الناس، لكنه قادر على ان يعود مرة أخرى.الفارق هنا ان الفكر في كل العلوم الإنسانية لا ينسخ بعضه بعضاً نسخاً مطلقاً. لا ينسخه نسخاً مطلقاً، لأنه كما قلت لك من البداية ليس هناك الفكرة التي تجب ما عداها عن أفكار. صحيح أنه سيكون لكل فكرة جديدة أثر ووقع ووظيفة وأهمية. لكنها ستأخذ مداها ثم تصبح تاريخاً قابلاً ان يستعاد، وان يعاد التفكير فيه والنظر والتأمل بفكر جديد. ارسطو يعاد التفكير في الارسطية نفسها بحيث أننا نتحدث الآن عن الارسطية الجديدة. ما هي هذه الارسطية الجديدة التي تستدعي ارسطو عن الفين وأربعمائة سنة ارسطو يجدد، يغير.ماركس مات منذ وقت بعيد. هناك اليوم ماركسية مختلفة عن ماركسية الأمس، ماركسية معدلة، مغيّرة، ولكنها تظل امتداداً للماركسية، قراءة جديدة للماركسية، بغير العين التي أنتجت الماركسية نفسها، صاحبها نفسه، وبغير العيون المختلفة على مدى الزمن التي قرأت هذه الماركسية
وقيمتها على هذا الوجه أو ذاك.هذا ما أريد ان أقوله. ان النقد الأدبي شأنه شأن العلوم الإنسانية جميعاً يتجدد بالضرورة. ولكن الفكر الذي يطرح فيه لا يُنسخ إلى الأبد، كما يحدث بالنسبة للتطور في مجال العلم الطبيعي البحت. في الحقائق الطبيعية. إذا ظهرت حقيقة جديدة تنسخ ما قبلها، تنسخ القديمة وكان الله يحب المحسنين.. لكنها لا تعود، ولا يفكر بها بشكل من الأشكال. استناداً إلى هذا التحليل الذي تتفضلون به، ألا ترون ان هناك غائباً ما في الحياة النقدية العربية هو العودة إلى قراءة النقد العربي القديم اللصيق بتراثنا ومرجعياتنا الأدبية والاستئناس به؟- أنا أظن ان هذا واجب، وهذا يحدث بشكل أو بآخر، جزئياً ولكن ليس بالضخامة التي نتوسمها أو ربما نتوقعها. لكن شيئاً من هذا بالتأكيد يحدث. كل ما هنالك ان هناك خطراً في ذلك أحياناً يبدو عندما تدخل الحماسة بشكل أو بآخر في هذا المجال.الحماسة إما ان تدفع صاحبها إلى ان يقول ان ما قال العرب في كذا وكيت وكيت منذ مئات السنين أفضل مما قال به فلان أو يقول به فلان.هذا غير محتمل، غير معقول. ليس مبرراً. مسألة الانتصار هذه ليست سليمة. ليس في العلم هذا النوع من الانتصار لثقافتي لأنها هي ثقافتي. الانتصا
ر ينبغي ان يكون للحقيقة دائماً.هذا محظور في هذه القضية. لمحظور آخر معاكس، وهو ان يقول قائل إنني لم أجد في هذه المادة النقدية القديمة ما يمكن ان ينهض أمام الفكر المطروح عليّ من قبل النظرية الغربية. هذا أيضاً نوع من الاسراف في الربط أو النفي. فالقبول المطلق، والنفي المطلق، محظوران أيضاً، ويمكن ان يقع أحدهما، أو كلاهما في مرحلة الاهتمام أو إعادة قراءة النقد القديم لاستخراج ما يمكن ان يكون منه أساساً حقيقياً لموقف نقدي عربي معاصر. نظمتم في القاهرة مؤتمراً عالمياً حول النقدي الأدبي. أية نظريات أخرى جديدة تعصف الآن في عالم النقد في العالم؟- حصلت حاجات مخيفة جداً. التغيير القادم فظيع خصوصاً في منطقة التكنولوجيا.التكنولوجيا سيكون لها أثر واضح قوي بالغ الأهمية في مجال النظرية الأدبية ومن ثم في النظرية النقدية. التكنولوجيا ستعدل أشياء كثيرة جداً. سيصبح أمامها مفاهيمنا القديمة عن القصة والرواية وعن الشعر وعن المسرحية وعن النص الأدبي والنص غير الأدبي. كل هذا للأسف سيتراجع أمام المفاهيم الجديدة التي تطرحها فلسفة النص المتشعب أو النص التشعبي الذي يسمى بالهيبرتكس، الدراسات التي تسير في هذا الاتجاه.وكان هناك فعلاً محور من مح
اور المؤتمر يتعلق بهذا الاهتمام. هذا الاهتمام أصبح له منذ حوالي عشر سنوات من يعملون في هذا الحقل وهذا الاتجاه، لكنه منهج بقدر ما يعتمد على أصول فكرية وفلسفية، ربما يستفيدون منه. كتابات لرولان بارت، وجاك ديريدا، ليوثار، هم يتلقفون منها بعض المفاهيم ويعملون في ضوئها عملاً علمياً كومبيوتيريا فيخلقون مجالاً آخر في البناء التصوري لكيفية حدوث الأشياء وإمكانيات حدوثها بشكل مغاير تماماً لكل ما نعرفه.فالمستقبل القريب يعد بأشياء كثيرة في هذا الاتجاه.9-,3LXRY^VJB


 

بقية المواضيع

هل تعرف دمشق يا سيدي؟
الناقد د. عز الدين اسماعيل لـ "الرياض": استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها حقيقة
الكتابات الأولى لطه حسين في كتاب العودة إلى البدايات
طام - طام زنجي من سنغور *
سقف الكفاية وآثار الموهبة الروائية العبقرية
سأخلعك إن لم تستشهد يا أبا خليل؟؟
الرواية ومعركة الجديد
محمد بن عبدون
رحيل الشاعر والصحافي والأديب رياض فاخوري
غياب المخرج المصري عاطف سالم
خلدون الشمعة: الناقد الحداثي العربي قادر على الجمع بين أزمنة ثقافية متعددة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض