عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 August 2002 No. 12459 Year 38

الخميس 22 جمادى الأولى 1423العدد 12459 السنة 38

  الرواية ومعركة الجديد

عبدالباري طاهر

ينتصب السؤال كإنجازات القرن الواحد والعشرين! هل نقرأ الإجابة في كم القراء؟ هل نجدها في عدد الحاصلين على جائزة نوبل؟ أم هل نجدها في نوع وكم الروايات التي تحتمل عناوينها صدارات المكتبات ودور النشر في العالم لم نجد الإجابة في احتفاء النقد الأدبي وتزايد الاهتمام في التخصصات الأكاديمية؟ وهل صدارتها في العالم الأول والثاني يعني تسيدها في العالم الثالث وما بعد العاشر؟ أسئلة تتضافر ولا تتنافى ويسند بعضها بعضاً وقد يجيب بعضها عن بعض ولكن السؤال عن الأثر للوظيفة الجمالية والثقافية والسياسية والاجتماعية والتقنية هو ما يثبت أو ينفي تسيد الرواية الزمن لتكون بحق "ديوان العالم" وديوان العرب أيضاً يوم كان الشعر ديوان العرب، كان الشعر كالمتنبي شاغل الناس والأقلام والكتب ويوم كتب شاعر كبير كتابه عن زمن الشعر كان الشاعر يستعيد لحظة أفول النجم الذي سطع لقرون. وكانت السبعينات على الأقل بالنسبة للعرب بداية طرح أسئلة جديدة وسطوع كواكب غير تلك التي كانت منذ زمن الجاهلية تنتقد البكاء على الأطلال.ومرة أخرى، هل يصبح ويمسي التمسك بتسيد الشعر واحتكام مملكة الزمن لوناً من ألوان البكاء على الأطلال وذهنية فنية وذوقية؟وإذا ما قرأنا القضية في دلالتها التاريخية الاجتماعية فإن تقسيم الاجتماع البشري إلى مراحل خمس هي صناعة ماركسية ورثها (كارل ماركس) عن المركزية الأوروبية وحاول تجاوزها بقراءة تاريخ الشرق ولكن الجمود الستاليني قد جعل منها خمسة اقانيم يعتبر تجاوزها هرطقة وكفرا. وحتى إذا ما سلمنا بالسؤال الكبير حقاً والمستشرف آفاق المعرفة وتطور العصر. والذي طرحته مجلة (فصول) وصاغ رئيس تحريرها الدكتور والناقد النابة (جابر عصفور) أسس وملامح هذا الزمن الجديد وكرست المجلة بعضاً من أعدادها للإجابة أو بالأحرى لقراءة سمات هذا الزمن الداهش والمثير وحتى لو سلمنا بأن الزمن الراهن منذور للرواية فهل يعني ذلك أبدية هذا التتويج؟ وهل يعني صوت زمن الشعر ان الحياة تعلم ان لا شيء يموت فيها؟ وإنما يتحول من لون إلى لون ومن شكل لآخر، وسواء قلنا بالقطيعة العرفية أم لا، فإن أكثر الأفكار رجعية وتخلفاً وخرافية لا تزال تعشعش وتفعل فعلها ونجد التجلي الأبشع لهذه المعاني الكريهة حقاً في دولة إسرائيل القائمة على "ادعاء" وعد إلهي وخرافة عرقية فما بالكم بالشعر الذي يصوغ وجداننا لمئات السنين.قرأ الدكتور (جابر عصفور) ملامح زمن الرواية وصلة الرواية بالشعر فرأى بحق ان الرواية لا تستنزل الشعر من عليائه في قمة التراتب الإبداعي الاجتماعي بوصفه فن العربية الأكبر. وفن الطبقات العليا أو ذوي الياقات المنشأة من الخاصة لا الحرافيش من المهمشين الذين نراهم في (وكالة عطية) أو (وردية ليل) بل تجعل منه أحد فنون العربية في علاقات متكافئة غير متراتبة، حوارية وليست مونولوجية، ومتفاعلة متعددة الأبعاد وليست أحادية البعد ويرى أنه داخل هذه العلاقات الجديدة أفادت الرواية من الشعر (شعريته) وجعلت منه عنصراً من عناصرها التكوينية في مستوى، وملمحاً من ملامح أنواعها الفرعية في مستوى ثان، وإذا قرأنا رحلة الإبداع وتنبؤ الشعر مركز الصدارة فإن الشاعر العربي في العصر الجاهلي كان يجمع في شخصه الكاهن والمتنبئ بالآتي والساحر والحكيم والمثقف والمدافع عن شرف القبيلة وأمجادها.. وكان التلازم بين الأمير والشاعر في البدء كتعبير عن العلاقة بين الإبداع والسلطة كانت العلاقة أول الأمر بين الاثنين متكاملة ومتكافئة تقريباً، إذ ان الاثنين كانا بحاجة لبعضهما كامتداد لمكانة القبيلة، حيث كان الشاعر لسان حال القبيلة والناطق باسمها وكان الأمير حاميها والمدافع عنها لكن نتيجة اختلال العلاقة ما بين الاثنين ما لبث هذا الدور ان أخذ بالتطور والتغيير تدريجياً حيث أصبح موقف الشاعر يضعف يوماً بعد آخر إلى ان تحول الشاعر إلى ظل ومداح ومبرر لأنه أصبح مرتزقاً يعتاش على الرضا وعلى عطاياه والمؤرخون للرواية غالباً ما يتوقفون عند محطة (دون كيخوته) 1605-1665م لأنها تحمل في صلبها الإنجاز النصي والتنظير، وتتدغر بالالتباس، وتشكك في السارد وفي صاحب النص، فإنها قد دشنت في ان زمن الرواية الحديثة وافقها زمن الرواية المغاير للأزمنة القديمة وللعصور الوسطى، والمتصل منذ ذاك بعصور الكشوفات والنظريات العلمية، وتشييد المجتمعات البرجوازية، والاقرار بقيمة الفردية وتوسيع المدن والدخول في متاهات البحث عن الذات، والصراع الأبدي بين الداخل والخارج وقد تعزز زمن الرواية في القرن العشرين من خلال إنجازات نصية تكشف عن إمكانات أخرى في السرد والوصف والتخيل. والتقاط التفاصيل، واستبطان الذات المتشظية وسط ضوضاء المدينة، واهتزاز القيم وتبدلها وهناك خصائص تنفرد بها الرواية، وهو ما يؤهلها لتلج الزمن متصدرة ومتقدمة على ما عداها من أجناس أدبية فهي جنس تعبيري يتيح لنا ان نقول من خلالها كل شيء وهو مخصوص أولاً ولا يتوفر في أجناس أخرى، فالرواية سينما لأنها تستطيع وصف الصور وفي الآن نفسه هي أكثر بكثير من السينما لأننا نستطيع من خلالها ان نقول ما نفكر به شخصية روائية ما، وما يفكر به حجر أو طريق، كما نستطيع ان نسرد تاريخاً أو نقول بإمكان إحدى الشخصيات ان شخصية أخرى تعتقده هناك كثافة من الممكنات.. ما من فن يمكنه ان يزعم امتلاكه هذه القدرة على قول كل شيء، فالرواية تؤرخ لأكثر من جيل وتوظف في إبداعها كل أشكال التعبير وأساليبه، وهي تستفيد من التكنيك السينمائي. ومن الديالوج ومن الصورة الشعرية ومن الفن التشكيلي ومن الفن المعماري ومن تطور العديد من المعارف والثقافات في الرواية يحتشد الشاعر المسرحي والمؤرخ والمثقف والفنان التشكيلي فتأسيس الرواية يقوم في إعادة استعمال التراث الإنساني الشامل، والتراث المحلي الموروث من وجهة نظر الصراع في الحاضر وفي حقل الصراع يتم إنتاج الماضي من وجهة نظر حاضر الصراع ويتم نفي الثقافة الكولوليالية أي ان تأسيس الرواية لا يعني لا إلغاء الحاضر ولا إلغاء الثقافة الإنسانية بل يعني مواءمة الكوني والمحلي في مسار التحرر العام الذي يتم فيه إنتاج الرواية كجنس أدبي متميز داع إلى التحرر والحرية فتأسيس الرواية في حقل صراع متعدد المناحي يفتتح سؤال الرواية على حقل معرفي رحيب يتضمن معرفة الجنس الروائي، والتاريخ الأدبي المحلي والكوني، ويستدعي أيضاً معرفة شكل الصراع الاجتماعي - الوطني في ساحة الحاضر، لأن الكتابة هي مداخلة فاعلة في العلاقات الاجتماعية وهي ممارسة الصراع في حقل متميز.. والمداخلة في الصراع تبدأ ولا تنتهي في حقول المعرفة ويدرس الدكتور فيصل دراج أو بالأحرى يسائل وضع الرواية العربية فيقرأ عميقاً لوكاش ويتجاوزه إلى ميخائيل باختين الذي لا يبدأ من باختين ولا ينتهي إليه فهو لا يرسم مثالاً بل يجعل من غياب المثال مثالاً ويسير باختين في خصب الحياة وتجددها ويترجم مثال الرواية لأن مثالها الحقيقي هو تجددها فالرواية نقيض الملحمة ونقيض الأجناس الأدبية الأخرى لأنها الجنس الوحيد الذي ما زال في طور التكون.وإذا كان الشعر الحديث قد أطلع بمعركة التجديد الإبداعي منذ نهايات الحرب الكونية الثاني 1939-1945م وظهر السياب ونازك الملائكة والبياتي في العراق وباكثير ولوليس عوض في مصر وتصدرت مجلة شعر في لبنان المعركة وهي المعركة التجديدية التي انخرط فيها أنسي الحاج وأودنيس والماغوط وسعدي يوسف وآخرون وتعرضت الحداثة الشعرية للتكفير والتجريم والتخوين، فإن شمس الحداثة الشعرية قد سطعت في سماء العربية.ومنذ هزيمة  5حزيران بدأت الرواية تتخذ نهجاً مغايراً ومختلفاً ناقداً وعميقاً وتبوأت مكانة مرموقة في معركة الحداثة والتجديد.وإذا كان حامل جائزة نوبل نجيب محفوظ قد تعرض للاغتيال في نهايات القرن الماضي فإن العديد من الروايات في مصر وسوريا والكويت واليمن قد تعرضت للحضر والمصادرة والتكفير مما يعني ان الرواية قد أصبحت في خط المواجهة الأول.9


 

بقية المواضيع

هل تعرف دمشق يا سيدي؟
الناقد د. عز الدين اسماعيل لـ "الرياض": استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها حقيقة
الكتابات الأولى لطه حسين في كتاب العودة إلى البدايات
طام - طام زنجي من سنغور *
سقف الكفاية وآثار الموهبة الروائية العبقرية
سأخلعك إن لم تستشهد يا أبا خليل؟؟
الرواية ومعركة الجديد
محمد بن عبدون
رحيل الشاعر والصحافي والأديب رياض فاخوري
غياب المخرج المصري عاطف سالم
خلدون الشمعة: الناقد الحداثي العربي قادر على الجمع بين أزمنة ثقافية متعددة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض