عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 August 2002 No. 12459 Year 38

الخميس 22 جمادى الأولى 1423العدد 12459 السنة 38

  خلدون الشمعة: الناقد الحداثي العربي قادر على الجمع بين أزمنة ثقافية متعددة

فاطمة المحسن : لندن

عن لندن المدينة والثقافة، كانت لنا لقاءات مع عدد من المثقفين العرب المقيمين في العاصمة البريطانية فترة طويلة، وفكرة حواراتنا تدور حول مفهوم التثاقف بين الادب العربي والانكليزي على المستوى الشخصي والعام، في آخر حوار نشر مع الشاعر والكاتب فوزي كريم، تحدث عن زمنين ثقافيين لا يلتقيان، الزمن الغربي والزمن العربي، ورأى ان كل محاولة للكتابة عن الحداثة وما بعدها في الثقافة العربية، محض تجاوز على الواقع العربي الذي لا يستطيع مقاربة هذه الموضوعات لان مصادره المعرفية من فلسفة وعلوم وفنون لا تشابه تلك التي تشغل بال المساجل فيهما من الكتاب الغربيين.جرى نقاشنا هذه المرة مع الناقد والمترجم خلدون الشمعة الذي قصد العاصمة البريطانية مطلع الستينات، وتخرج في جامعة لندن في منتصفها، وتزوج ايرلندية ولدت في لندن وتلقت تعليمها في هذا المكان، ويعد الشمعة من بين الكتاب الذين يمثلون النموذج الأكثر انسجاما مع الثقافة الغربية، فقد كتب عن الحداثة وما بعدها، وانطلق من النظريات الغربية،  في قراءاته النقدية للأعمال العربية.كان المدخل الى السؤال المركزي، يبدأ بمحاولة تتبع هاجس التوطن في مكان آخر والاندماج او التفاعل مع ثقافته، كيف بدأت عند الشمعة فكرة مغادرة دمشق والرحيل الى لندن؟ وهل كانت العاصمة البريطانية كريمة معه، رفدته بالعلم وسخت عليه بكنوزها الادبية؟يجيب الشمعة:فكرة السفر الى بريطانيا كانت أكثر من مجرد تجربة عبور جغرافي، بل لعل من الأفضل القول انها كانت تعبيرا ملحا عن ذلك الهاجس الكامن وراء الرغبة في الاكتشاف والتغيير، هاجس (الرحلة الثامنة) التي تمثل عملية الاستبطان والسبر الداخلي، الرحلة التي تعقب الرحلات الجغرافية السبع.هل هو سفر الهروب من الذات ام البحث عنها أم الاثنان معا؟.. هذا ما أجهله، غير ان المؤكد ان الرحلة بدت لي اشبه بقفزة في الظلام.كنت قد أنهيت دراسة المرحلتين المتوسطة والثانوية في كلية دمشق الأميركية، وتمكنت بفضل ما أكسبتني من مهارات باللغة الانكليزية التي كان يشرف على تدريسها اساتذة أمريكيون قديرون، الاطلاع على بعض معالم الادبين الانكليزي والامريكي.. أذكر ان احد مدرسي الادب آنئذ كان يحفظ شكسبير عن ظهر  قلب.كانت هذه الرحلة التمهيدية التي أهلتني في وقت لاحق لدراسة الادب الانكليزي في انكلترا، وهذا التأهيل كان عمليا ونفسيا ولكن شغفي بالادب العربي القديم والحديث، ومتابعتي المستمرة لاهم ما ترجم الى العربية من الآداب العالمية، كان المحرك الذي دفعني لإيلاء دراسة الأدب الانكليزي اهتماما استثنائيا، وقد كنت انظر الى اللغة الانكليزية دائما باعتبارها المفتاح الذي يفتح الأبواب على الثقافات الأخرى، في لندن اكتشفت المكتبة الجامعية ومكتبة الحي واثرهما العظيم في التكوين المعرفي والثقافي، وقد كانت هذه المدينة في مطلع الستينيات معلما يتجاوز ما تقدمه المؤسسة الاكاديمية من نظريات ومناهج، الحياة في لندن كانت بحد ذاتها الحاضنة الوجودية التي يكتشف المرء فيها ما تتضمنه الحداثة من محمول معرفي، لا أشير هنا الى المكتبة والمحاضرة والمسرح والسينما والحوارات الفكرية والمؤتمرات فقط،  بل أشير كذلك الى الحياة نفسها كممارسة يومية، فهي تملك طقوسها السرية الخاصة، حياة المدينة الجوانية الحديثة المتعددة المراكز والمنكفئة على الداخل، بعكس باريس المركزية وذات البعد الخارجي المفتوح.س: أنت ترجمت وكتبت عن الحداثة وما بعدها، وتضمنت دراساتك مادة يمكن اعتبارها حصيلة التثاقف بين الانكليزية والعربية، بماذا تجيب من يرى استحالة اللقاء بين زمنين ثقافيين العربي والانكليزي؟ وهل تتفق مع من يحسب استخدام المصطلح الغربي في النقد العربي محض تجاوز على الواقع الثقافي العربي، ويراه خروجا عن اصول اللعبة الادبية العربية التي ليس لها علاقة بالحداثة الغربية لا من قريب ولا من بعيد؟ج: هذا خطأ شائع يتكرر في كل مرة يطرح فيها موضوع الحداثة في الادب.القول باستحالة اللقاء بين الزمنين الثقافيين العربي والانكليزي، وهم يجب تبديده باستمرار، لقد سبق ان أشرفت في أواخر السبعينات على اصدار عدد خاص من مجلة (المعرفة) السورية حول أثر الادب العربي في الآداب الأجنبية، استكتبت فيه عددا من المستشرقين والباحثين الاكاديميين الذين ينتمون الى ثقافات غربية وشرقية وكان همي البرهنة على أن الثقافة الواعية وغير الواعية تجربة تاريخية عميقة الجذور، وبعبارة أخرى حتى في الحالات التي تتعذر فيها البرهنة على وجود صلة مباشرة بين عمل عربي وآخر أجنبي، فإن اللقاء بين زمنين ثقافيين احتمال قائم باستمرار، وقد سبق للباحثة البريطانية ي.ل. رينلاغ ان دللت في كتابها (الماضي المشترك) على أن الهوية الثقافية ليست معطى ناجزا، بل هي في حالة تطور وتغير وتحول مستمر، فالتداخل الشديد بين الثقافات أمر واقع لا يمكن إنكاره، كما انه مستمر يمكن ملاحظة وجوده في الرواية الامريكية والأوروبية في القرن العشرين، خذي كتاب "الف ليلة وليلة" هذا الكتاب الخارق من حيث تقنياته القصصية الباهرة لم يؤثر في الآداب الغربية منذ ان ترجمه غالان الى الفرنسية من مخطوطة سورية في القرن السابع عشر، ولم يشغل الكتاب الغربيين خلال ثلاثة قرون وحسب وإنما يبدو تأثيره ما زال ينسحب على الوقت الراهن، فالروائي الامريكي الشهير جون سيمونز بارث تأثر به وأعاد تقنياته في اعماله التي تعتبر من أبرز نماذج الحداثة، ولا حاجة للكلام عن خورخي بورخيس وأثر ألف ليلة وليلة وفن الخبر عند العرب والتراث الشرقي عموما على مجمل كتاباته.وهناك أمثلة معروفة ومنها رواية (آلة الزمن) ل ه. ج ويلز، كما ان الكثير من الشواهد التي تدلل على استمرارية الأخذ من التراث العربي الى اليوم في القصة الحداثية وفي الشعر.المثال على اللقاء بين أزمنة ثقافية متعددة، يذكرني بالمثاقفة الإليوتية (نسبة الى الشاعر إليوت) التي صارت دراستها جزءا من البحث في تجربة الشعر العربي الحداثي، ان تجربة التناص العربية من شعر ونقد إليوت، تجربة بالغة الثراء، وقد تناولتها شخصيا بالدرس والفحص كما فعل نقاد عرب آخرون.غير ان اللافت هو ان إليوت، ليس نتاج الثقافة الانكلوسكسونية والأوروبية وحدها، بل حصيلة المؤثرات الثقافية الشرقية الكونفوشية، الصينية، بقدر ماهو حصيلة الآداب السنسكريتية التي سبق ان انكب على دراستها خلال عامين متواصلين، آية ذلك كله ان الهوية الثقافية ليست ثابتة بل متحولة باستمرار، بل ان هذه الهوية خلاصية تعددية المنازع حتى في نماذجها الاوروبية والامريكية.إن خطاب الهوية الذي رفع لواء النموذج العرقي الآري واستمد نسغه من علم الأحياء(البيولوجيا)، خطاب عنصري وقوموي روجت له أوروبا في الفترة الواقعة ما بين أعوام  1785-  1850وكان بمثابة رد الفعل على خطاب عصر التنوير الأوروبي.خطاب الهوية الثقافية الثابتة يعتمد تسلسلا وراثيا وعنصريا يجعله اقرب الى علم الوراثة منه الى الخطاب ذي الاطار المعرفي الكوزموبولوتي كما انه يلغي فكرة التناص  المحتوم بين الغرب والشرق والشرق الغرب، سواء انكر ذلك نقاد غربيون باسم المركزية الاوروبية، او  استنكره نقاد عرب باسم الاصالة.الناقد الحداثي قادر على الجمع بين ازمنة ثقافية متعددة ودون أي حرج.س: ألا ترى ان الامثلة التي أشرت اليها تدلل على أن الأخذ جرى من ثقافة مندثرة الى ثقافة مزدهرة، وان الاعتراض الاكثر وضوحا ينصب على المبالغات فيما يحاوله بعض النقاد العرب من استخدام غير موفق للمصطلح الغربي، يعتمد في احيان كثيرة على فكرة الاستعراض المجاني لموهبة النقل ولا ينتمي الى التطبيقات العملية بصلة يجري الحال في احيان مشابهة مع الشعر وغيره من الفنون، كيف تفسر الأمر؟ج: استخدام المصطلح الغربي في النقد العربي المعاصر تحديدا، لا يشكل تجاوزا على الواقع الثقافي العربي او خروجا على ما اسميته في سؤالك السابق بأصول اللعبة الادبية العربية، فهذا الواقع الثقافي والفكري ليس انعكاسا مرآويا للواقع المادي، وإنما هو متجاوز له باستمرار، المهم هو استعمال المصطلحات بالقدر الذي تبرهن فيه على فعليتها وقابليتها على الاندراج في سياق الثقافة العربية السائدة، وإلا فاننا سننكر في هذه الحالة ما فعله العرب الكبار امثال القرطاجني في كتابه الشهير ب (المنهاج) لقد ناقش كتاب (البيوطيقيا) لارسطو مؤكدا ان الفيلسوف اليوناني كان لابد ان يكون له رأي آخر في هذه الفكرة او تلك لو قيضت له فرصة الاطلاع على الشعر العربي.والمهم ان لا تستمر العادة التي درج على ممارستها عدد غير قليل من النقاد العرب وهي ترصيع نصوصهم باسماء النقاد الغربيين للتزيين والتوثيق، وذلك بهدف اسباغ اهمية مفتعلة  على النص النقدي العربي.س: من من النقاد المحدثين الانكليز قاربت نظريته او حاولت ان تجد لها تطبيقات على النص العربي؟ وهل كان اي.إ. ريتشاردز محطتك الأخيرة في الاستعانة بالمنهج النقدي الغربي؟ج: كتابي الاول (الشمس والعنقاء) دراسة نقدية في المنهج والنظرية والتطبيق، كان حصيلة تفاعل قائم على الاختيار الشخصي الحر مع التيار الموضوعي في النقد الحديث، تيار ريتشاردز الذي درس الفلسفة واسبغ هالة من الصرامة والدقة المنطقية على النقد، وجمع بين علم النفس وعلم دلالات الالفاظ وتطورها (السيمانتيكس) وعلم الجمال، وابتكر فكرة القراءة المحكمة التي تعزل دراسة العمل الفني عن صاحبه وتحجب اسمه عن القارئ، بحيث يقوم العمل دون أوهام مسبقة، وتيار تلميذه امبسن الذي كان اول من ميز بين الابهام والغموض في الشعر الحديث، وتيار النقد الإليوتي وأطروحات النقد الامريكي الجديد، كان هذا في وقت سيطر فيه النقد الماركسي او نقد الواقعية الاشتراكية على النقد العربي، وتصدى بعض النقاد العرب المتمركسين للحداثة فسيسوا المشهد النقدي على نحو اصبح فيه النقد ملحقا بالايديولوجيا السياسية المبتذلة وفاقدا لاستقلاله المعرفي الخاص، في تلك الفترة ترجمت النظرية البنيوية وما بعدها، ودرست المناهج الالسنية والتيارات الحداثية، عندما برز النقد الفرنسي وصارت افكاره متداولة اكتشف تودروف فكرة كنت قد كتبت عنها وتطرقت اليها مرارا وتكرارا، وهي ان الكثير مما طرحه النقد الفرنسي من مقاربات ومناهج واستراتيجيات سبق ان عولج من قبل النقد الأدبي الجديد خلال عشرينيات وثلاثينيات واربعينات القرن العشرين على أيدي رانسوم وآلن تيت وبلاكمور وكلنت بروكس وغيرهم.وتأكيدا لهذا المعنى في التحليل يمكن القول بان فكرة رولان بارت القائلة: بان (ميلاد القارئ يجب ان يكون على حساب موت المؤلف) هي الفكرة نفسها التي اطلق عليا ريتشاردز مصطلح (النقد العملي) الذي اعلن (موت المؤلف) عندما حجبه عن القارئ واعتبر وجوده غير ضروري لعملية استكناه العمل الأدبي.هذا الحشد من المذاهب والنظريات أنتج عددا هائلا من المصطلحات النقدية،، فصار من المتعذر على الناقد العربي المعاصر ان يعرض عنها تحت أي لافتة ايديولوجية سياسية كانت أم لاهوتية، ولهذا لابد من الاعتراف بان الجهود التي حاولت إثراء المحمول المعرفي للمصطلح النقدي عن طريق اكتشاف أفكار مماثلة له في التراث العربي، لعبت وتلعب دورا مركزيا في عملية ابتكار خصوصية اصطلاحية عربية يمكن تلمس معالمها في كتاب (التفكير الألسني في الحضارة العربية) للدكتور عبدالسلام المسدي على سبيل المثال، ود. كمال ابوديب في دراسته البنيوية للشعر الجاهلي، أما أدونيس فقد ابتكر لغة اصطلاحية خاصة بالحداثة، ليست مستمدة من التراث العربي فحسب، بل واعية ايضا، بطريقة ماكرة، للتراث النقدي الغربي.لاشك أن ثمة تجاوزا في استخدام المصطلح الغربي في النقد العربي أحيانا.. ولكن هذا التجاوز لا يحدث إلا عندما يبدو هذا المصطلح فائضا عن الحاجة.س: بعد كل تلك السنوات التي عشتها في لندن، هل تشعر بالغربة، أو هل تجد نفسك في حالة من الانسجام الكامل مع هذه المدينة؟ج: الغربة تجربة انطولوجية على مستوى الكينونة..تجربة قد يلعب فيها المكان دورا، إلا انها تتجاوز المدينة لتصبح حالة متجذرة في اللاوعي..غربتي في لندن تشبه غربة أبي حيان التوحيدي.ك


 

بقية المواضيع

هل تعرف دمشق يا سيدي؟
الناقد د. عز الدين اسماعيل لـ "الرياض": استفيد من البنيوية في الحدود التي تفيد فيها حقيقة
الكتابات الأولى لطه حسين في كتاب العودة إلى البدايات
طام - طام زنجي من سنغور *
سقف الكفاية وآثار الموهبة الروائية العبقرية
سأخلعك إن لم تستشهد يا أبا خليل؟؟
الرواية ومعركة الجديد
محمد بن عبدون
رحيل الشاعر والصحافي والأديب رياض فاخوري
غياب المخرج المصري عاطف سالم
خلدون الشمعة: الناقد الحداثي العربي قادر على الجمع بين أزمنة ثقافية متعددة
 
 

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض