عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Saturday 01 June 2002 No. 12398 Year 38

السبت 20 ربيع الأول 1423العدد 12398 السنة 38

  المخطوطات الشعبية بين الحقيقة والتحريف ( 2- 2)

تحقيق: عادي الشمري

استكمالاً لما سبق طرحه حول المخطوطات الشعبية بين الحقيقة والتحريف نستكمل استطلاعنا لهذا اليوم بلقاء الراوي الكبير الشاعر رضا طارف فقد قال عن تلك المخطوطات ان بعضها مع الأسف الشديد غير صحيح لأن فيها تحريفاً للحقيقة التي لم نسمع بها ولم ترو لنا من آبائنا وأجدادنا وهي لم تظهر إلا في العهد القريب. وقد تكون مختلفة وغير صحيحة وتجد بعضها يضع أبياتاً ليست في القصيدة اساساً فما زال هناك من يروي اغلب القصائد القديمة كما سمعناها وفي العهد الماضي لم يكن هناك تدليس في القصائد أو إضافات لصدق من يروون تلك القصائد حتى وإن كانت ضد من يرويها، فالنزاهة كانت هي شعار الرواة آنذاك بخلاف هذا الوقت الذي أصبح كل من أراد قصيدة نسبها لنفسه أو من يرغب وزصبحت الرواية تخضع لأهواء نفسية ولأغراض مادية. وعن تزوير مخطوطات الشعر الشعبي - إن جازت التسمية - تطرق الاستاذ فائز بن موسى البدراني الذي له باع طويل في مجال المخطوطات عن تلك التحريفات فقال:ان هذا السؤال الضبابي يحتاج إلى اجابة واضحة ودقيقة وصادرة عن تجربة عملية! لأن كثيراً ممن يطلقون هذا السؤال لم يتعاملوا مع الوثائق والمخطوطات كثيراً، وربما لم يتعاملوا معها مطلقاً.ونزولا إلى رغبة من وجه إليّ هذا السؤال فإنني سأقتصر على المخطوطات المتعلقة بالأدب الشعبي! فأقول وبالله التوفيق:إن عمر الأدب الشعبي في بلادنا - وبخاصة الشعر العامي - ليس طويلا، ولم أعلم ان هناك مخطوطة في الشعر العامي يزيد عمرها على  200سنة، وهذا بخلاف مخطوطات التراث العربي والإسلامي التي يصل بعضها إلى أكثر من عشرة قرون!إن هذا العمر القصير نسبياً لمخطوطات الأدب الشعبي يحد من امكانية التزوير فيها، يضاف إلى ذلك ان مخطوطات الأدب الشعبي قليلة نسبياً بمقارنتها مع المخطوطات التاريخية أو مخطوطات العلوم الاخرى!ومع انني قد اطلعت على قصائد عامية "مدونة" على شكل متفرقات وليست مجموعة في مخطوطة واحدة قد يصل عمرها إلى  200سنة، إلا ان أقدم مخطوطة شعرية متكاملة اطلعت عليها هي مخطوطة فهد الصويغ من منطقة حائل ويعود تاريخها إلى سنة 1308هثم تلاها بعد ذلك عدد من المخطوطات الشعرية التي يعود معظمها إلى ما بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ومنها على سبيل المثال مخطوطات عبدالرحمن الربيعي وابن يحيى ومعاصريهم من المهتمين بجمع الشعر العامي.وعودة إلى السؤال الرئيسي، وهو هل يمكن تزوير المخطوطات؟فالجواب ان امكانية التزوير أو التحريف المتعمد واردة، ولكنها قليلة جداً حسب المخطوطات التي اطلعت عليها.غير انه يجب التفريق بين التحريف المقصود والتحريف غير المقصود.فالتحريف غير المقصود في الأبيات والقصائد أو في اسماء الشعراء يحدث كثيراً في المدونات الشعرية المخطوطة مثلها مثل المطبوعة، غير انه يرجع غالباً إلى جهل الكاتب وعدم دقته في النقل.ومن ذلك على سبيل المثال ان بيت عبيد الرشيد الذي يقول فيه:يا مل قلب بين خمسة وعشرينهجس وهاجوس وعدل ومايلقد ورد على عدة أشكال منها: 1- يا مل قلب بين خمسة وتسعين.. الخ 2- يا مل قلب بين خمسة وسبعين.. الخ 3- يا مل قلب بين تسعة وتسعين.. الخومثل قول سعدون العواجي:جونا ثلاث مءيَة وحنا ثمانينمثل المحوص الشلف منهم ومنّافقد ورد هذا البيت على النحو التالي: 1- جونا ثلاث امءيَه وحنا ثلاثين... الخ 2- جونا ثلاث امءيَه وحنا ثمانين... الخ. 3- جونا ثمان امءيَه وحنا ثمانين... الخ 4- جونا ثمان امءيَه وحنا ثلاثين... الخ.والأمثلة على ذلك كثيرة.فهل نسمي هذا تزويراً، أم تصحيفاً أم تحريفاً، وإذا اتفقنا جدلا على انه تحريف، فهل نعتبره تحريفاً مقصوداً أو غير مقصود!كما ان هذا النوع من التحريف يدخل ضمنه ادخال بيت من قصيدة في قصيدة اخرى، ومثال ذلك بيت صايد الزعيلي العنزي الذي قاله ضمن قصيدته التي يرد بها على بصري الوضيحي؛ ومنها:يا بصري الوضحان تدغث من النوموحنا ثلاث اشهور سهءر تماميوراك تمسح دمعتك تقل مضيوموترى البكا من دون سبّة حراميمن طاوع الثنتين يصبر على اللوميصبر على فرقا الأهل والعماميلكن الرواة ادخلوا البيت الأخير ضمن قصيدة مولى ابن هذال المشهورة التي مطلعها:امس الضحى عديت أنا رأس مزمومتلعب الارياح شرق وشاميوالنوع الثالث من التزوير هو التحريف المقصود، اما بزيادة كلمة أو شطر أو عدة أبيات، أو تغييرها لهدف ما، وادخله بعض الرواة على بعض القصائد اجتهاداً منه بقصد تلطيفها وتحسينها.والنوع الرابع هو التزوير الشفوي.. وهو تلفيق قصيدة كاملة، أو اكمال قصيدة لاثبات معلومة معينة يحاول صانع القصيدة الترويج لها. إذا لم يجد أدلة أخرى.فمن خلال تجربتي البحثية ثبت لدي ان هناك قصائد تم تزويرها في السنوات الأخيرة ليستشهد بها على وقائع وحوادث قديمة! أو لاثبات وجهات نظر معينة.ومثال ذلك الأبيات المنسوبة للشيخ حجرف الذويبي، في زمن جهل المتلقي وسلطة الراوي وقلة أمانته بات الباب مفتوحاً لحشد من الروايات المغلوطة والمكذوبة التي لن يقف تأثيرها عند حد تغيير كثير من المفاهيم التاريخية والقصصية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى إحداث البلبلة والشك حول صحة قصص أجدادنا.ولذا فإن أصحاب الاقلام الواعية الذين تتوفر لديهم الثقة في أنفسهم وتاريخهم يتوجب عليهم كشف مثل هذه الممارسات الجاهلة.أقول هذا بعد ان اتضح لي من خلال تجربتي البحثية ان ممارسة تزوير القصائد الشعبية لاثبات أمجاد ذاتية وبطولات أسطورية وهمية أمر سهل عند ذلك الراوي الذي وجد ان الطريق إلى قلب المتلقي الجاهل هو الشعر.وسأكشف في هذا المجال عدداً من الأمثلة التي تأكد لي انها من ألاعيب الرواة المعاصرين، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: قصة وقصيدة الشيخ حجرف بن عياد الذويبي من شيوخ بني عمرو من حرب الذي اشتهر بالكرم والذي قال قصيدة يحفظ الرواة منها أبياتاً معدودة ومشهورة، على اختلاف بسيط في بعض أبياتها، ومنها قوله:يقول ابن عياد وان بات ساهرماني ولد خبل همومه تشايلهأنا ليا ضاقت عليَّه توسعتيرزقني اللي ما تعدد فضايلهماني ولد خبل ليا قل مرزقهضيّق بربعه يوم قلت محايلهيرزقني رزاق الهوايش بجحرهالا خايلت برق ولا هي بحايلهولا حدّرت زمل نصى صوب قريةولا وردَت عد قراح ثمايلهورزق غيري يا ملا ما ينولنيورزقي يجي لو كل حي يحايلههذه هي الأبيات الأصلية لقصيدة الشيخ حجرف الذويبي الذي لم يشتهر كشاعر ولم يعرف له إلا قصيدة أو قصيدتان. ويعتبر الراوي منديل الفهيد اول من أذاع هذه القصيدة في برنامج البادية، ودونها في كتابه قبل اكثر من عشرين عاماً، ونقلها عنه من جاء بعده.إلا انه منذ ثلاث أو أربع سنوات فقط ظهرت نسخ للقصيدة مطبوعة على كمبيوتر تقارب أبياتها عشرين بيتاً مضافة إلى الأبيات السابقة ومنها:ولاني على رزقي بخيل لغيريليا جوء هَجَافا معتلين رحايلهنشب نار يجذب الضيف ضوهاوان خبتت زدنا حَطَبءها وشعَايلهوالله ما نكءرَه ضيوف لءيَا لفواصعلوك والا من معالي حمايلهوخليت في دار وحيد لءحَاليوترى الفرَج مضمون والله قايلهوذبحت أنا سَبءع الركايب لاهلهافي حزة عيَّا على الزاد كايلهوفي الحقيقة فإن الأبيات المدونة اعلاه ليست إلا من صنع ذلك الراوي العامي الذي روءج لهذه القصيدة ولا زال ثم تلقفها منه رواة أجهل منه وشباب مندفعون أعجبوا بهذه القصيدة وانخدعوا بتلك الرواية لعدم إلمامهم، فروجوا لتلك القصيدة ونشروها في البر والبحر في زمن سهولة النسخ والتصوير.ولانني قد راودني الشك في مضمون القصيدة عندما سمعتها للمرة الاولى لكونها تتضمن معلومات تاريخية خاطئة فقد بحثت عن مصدرها الاساسي فإذا هو رجل كبير السن يستطيع نظم الشعر، وعندما واجهته بما لدي من حقائق تثبت عدم صحة القصيدة.ولحسن الحظ لم يصمد ذلك الراوي كثيراً، إذ سرعان ما انهار وأخبرني بالحقيقة.وختاماً فإن هذا الوضع إن لم يتم التنبه له والوقوف له بحزم من قبل المهتمين بأدبنا وتراثنا المحلي فسيؤدي في النهاية إلى انعدام الثقة في هذا الموروث الذي يعتز به الأحفاد.



 

بقية المواضيع

 

 

[ احداث العالم | الكاركاتير | السعودية اليوم | لقاء | ثقافة وفنون | عيادة الرياض | منوعات | الرأي للجميع ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

الكاركاتير

السعودية اليوم

لقاء

ثقافة وفنون

عيادة الرياض

منوعات

الرأي للجميع




إنضم إلى قوائم
الرياض