عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 May 2003 No. 12732 Year 38

الخميس 29 صفر 1424العدد 12732 السنة 38

  الدكتور عبدالقادر القط  نظرة أخيرة!

بيروت - من جهاد فاضل:

يمكن النظر إلى الناقد المصري الكبير الراحل الدكتور عبدالقادر القط من زوايا مختلفة.. فهو أستاذ أكاديمي بارز درّس الأدب العربي أكثر من نصف قرن في جامعة عين شمس وفي جامعة بيروت العربية.. وهو باحث وناقد كبير معروف له عدد من المؤلفات الجادة منها: مفهوم الشعر عند العرب، في الشعر الإسلامي والأموي، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، قضايا ومواقف.. وهو شاعر كتب الشعر في شبابه، وطبعه بعد عشرين عاماً على نظمه في ديوان سمّاه "ذكريات شباب".. وهو مترجم نقل إلى العربية أعمالاً لشكسبير وتشيخوف "آرثر ميلر" وهو رئيس تحرير أربع مجلات أدبية كان لها دورها في الحركة الأدبية المصرية والعربية المعاصرة هي:
- الشعر ( 1964- 1965)
- المسرح ( 1966- 1967)
- المجلة ( 1970- 1973)
- ابداع ( 1982- 1992)
وهذا يعني أنه كانت لعبدالقادر القط حياة ثقافية غنية تمثلت في مساهمات ومشاركات مختلفة جعلت منه أحد أبرز الأكاديميين والنقاد المصريين.. ولكن فضل عبدالقادر القط على حركة الأدب في زمانه لا يتضح، على النحو المرجو، إن لم نتحدث عن مجلسه ومساهماته الثقافية الشفهية التي تضعه في خانة المعلمين والمربين الكبار.
هناك أديبان لا أديباً واحداً: أديب منعزل عن معاصريه، معتزل في ذاته ومنزله وأوراقه، وأديب آخر قريب من الحياة والأحياء، ينظر بحب إلى زملائه واخوانه وطلابه، لا يتردد في اسداء النصح أو ابداء الرأي لمن يسأله النصح أو الرأي.. مجلسه هو مجلس العقل والأدب والكلمة المتزنة الحرة والموقف العقلاني المستنير.. منفتح على عصره، خبير واسع الخبرة بتراثه، له معادلته الدقيقة في التعامل معهما.. فهو ينظر إلى القديم بعين الحديث من أجل تزكية عناصر النماء فيه وترك ما تهافت ومات فيه.. وهو ينظر إلى الحديث بعين القديم من أجل مساعدته على أن يكون مستكملاً لشروط العمل الأدبي السليم والسوي.. وهو مع التعدد والاختلاف والحرية والتجديد، ومع الجديد شرط أن يكون سويّاً وأصيلاً..
على أني أود أن أتحدث عن مجلسه الممتع الجميل أكثر مما أود أن أتحدث عن كتبه ومؤلفاته.. فهذه الأخيرة موجودة في المكتبات وبامكان من يشاء أن يعود إليها.. ولكن مجلس الدكتور عبدالقادر القط، وهو في اعتقادي لم يكن يقل أهمية وفضلاً عن كتبه، قد زال الآن بوفاته إلى غير رجعة.. ولكن هذا المجلس لا يمكن أن ينساه من حضر وشارك فيه بوجه من الوجيه.. كان "الدكتور" يجلس في مقهى غرناطة بمصر الجديدة ضحى كل يوم جمعة.. ينتظره هناك نفر من أدباء وشعراء وباحثين ومثقفين من كل نوع.. فيهم أكاديميون وغير أكاديميين.. يحضر "الدكتور" فتبدأ الحيوية تدب في الحاضرين وتدور نقاشات بلا حصر حول شؤون أدبية وثقافية، وأحياناً سياسية مختلفة.. وعندما يبدأ هو بالحديث يخلد الجالسون إلى الصمت لسماع رأيه في هذه المسألة أو تلك.. رجل بسيط متواضع لو لم تكن تعرفه في السابق لما أمكنك تمييزه عن سواه من رواد مجلسه، أو عن الجالسين حول أية طاولة أخرى.
ولكن كلمات هذا الرجل البسيط المتواضع كلمات حادة كالسيف، دقيقة محكمة كما لو أنه أعدّها وحفظها غيباً قبل حضوره لأنك إذا سجلتها ودققت فيها لاحقاً، لتأكدت من دقتها واحكامها.
والرجل خجول ينتزع كلماته انتزاعاً من صدره، فإذا فاه بها بدا عليه التحفظ والحياء كما لو انه كان يؤثر الصمت، ولكنه تغلب على نزعة الخجل الكامنة فيه وتكلم.. وليست له دعاوى عريضة ولا يتحدث على نفسه حديث المعجب الفخور، بل يتحدث بخفر ليعود إلى الصمت من جديد وهو يناقش في كل أمر يعرضه جلاسه ولا يوحي لأحد بأنه "الشيخ" أو "القطب"، وباز "الآخرين" الذين يجالسونه هم "مريدون" أو "تلامذه".
وتفيض في مجلس هذا الرجل صفات غير شائعة في زماننا الراهن كالنبل.. رغم بساطة الرجل، وتواضع حاله، وثيابه على الخصوص، لا تخفى في محياه ومظهره صفة النبل والأصالة وطيب تلك السجايا التي كانت للعلماء في تراثنا الغابر.
على أن أهم السجايا التي كانت تطبع شخصية ذلك الرجل النبيل كانت منطقيته وافتقاد الشطح  والثرثرة المجانية في كلماته، وكأن كلماته عبارة عن ميزان دقيق غير قابل للوقوع في أي خلل أو شطط.. المنطق والعقلانية والدقة في الحكم، واعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، دون افتئات على الحقيقة، أو جنوح في الهوى، كانت دائماً موجودة في حديثه أو في مجلسه.. فإذا عرض أحد للنظرية البنيوية أو للمنهج البنيوي في المجلس، فإن "الدكتور" يقول الكلمة الحق في هذه النظرية أو في هذا المنهج، وليس ما تمليه عليه مشاعره أو اهواؤه.. يقول لك انه لا ينكر البنيوية كنوع من التطعيم للعمل النقدي وبث نوع من المنهج العلمي فيه، ولكن البنيوية وحدها لا يمكن أن تكون منهجاً نقدياً سليماً.. وإذا عرض أحد "لقصيدة النثر"، تحدث عنها حديثاً موضوعياً متحفظاً، فهو لا ينكرها ولا يستنكرها، ولكنه يقبلها بتحفظ.. لا يعتبرها بالطبع شكل الحداثة الشعرية، ولكنه لا يرفضها.. ويلفت نظره "التنمّر" الذي يطبع تصرفات شعرائها وعصبيتهم الزائدة عن حدّها، وما هكذا يكون سلوك الواثق من نفسه.
على أن مقهى غرناطة في مصر الجديدة، وفي ضحى كل يوم جمعة، لم يكن المجلس الوحيد للدكتور عبدالقادر القط.. فأنى وجد هذا العالم الجليل، قام مجلس للأدب والفكر والكلمة السمحة المعتدلة المتزنة.
حضرتُ مجالس كثيرة له في مقر مجلة "ابداع" في وسط القاهرة، وحضرت مجالس معه بلا حصر خلال مؤتمرات وندوات أدبية مختلفة في عواصم عربية مختلفة.. وكنت في كل مرة أشعر بحسرة لأنني غادرت مجلسه، كما اشعر بالشوق إلى مجالس أخرى معه.. لم تكن هناك يوماً كلمة في غير محلها، أو حكم جانبه الصواب.. كل كلمة كان يقولها كانت تنزل في منزلها كما لو انه قضى اياماً وأسابيع في صياغتها والتدقيق فيها.. لم تكن هناك أحكام طائشة أو انفعالية أو غرائزية، كما لو أن الرجل خضع لتربية عقلية ونفسية وروحية صارمة جنبته وتجنبه الخطأ والزلل، أو كما لو أن هناك تقاليد وأنظمة ومناهج لا يستطيع مجانبتها حتى بينه وبين نفسه.
وكان إذا عرض لأمر يتصل بشخصه من قريب أو بعيد، عمد إلى التلميح لا أكثر.. فهو لا يتحدث عن معارك وامجاد وبطولات كما يتحدث كثيرون، بل يفضل تجاوز ذاته لحديث آخر يتصل بما هو عام ومشترك.
وان انسى لا أنسى الاشارة إلى خط أدبي وفكري سلكه طيلة حياته، هو خط الانفتاج ونصرة الجديد والتجديد.. دافع عبدالقادر القط طوال الخمسينيات والستينيات عن الشعر الحر في وقت كان هذا الشعر ما زال في مراحل ولادته، وأكد انحيازه باستمرار إلى التيار المستنير في الثقافة العربية.. وكانت له اطلالات عربية كثيرة منها انفتاحه إلى الشعر العربي الحديث خارج مصر.. مراراً شاهدته في مجلة "ابداع" يمضي ساعات في قراءة النصوص التي كان يبعث بها إلى المجلة شعراء شبان، من أجل أن يختار منها ما يصلح للنشر.. وقد خصص في "ابداع" باباً للتجارب الشعرية الجديدة.
ودافع باستمرار عن حرية المبدع حتى رحيله.. وكان آخر مظاهر هذا الدفاع التقرير الذي كتبه حول رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر".
كان الدكتور عبدالقادر القط مهذباً خفيض الصوت صاحب سلوك متحضر يخوض معاركه بنبل وشرف بعيداً عن الأغراض الشخصية.. ولا أعتقد أن أحداً ممن عرفه عن قرب وخبر طيب تلك السجايا التي كان ينطوي عليها، يستطيع أن ينسى شخصيته ومجلسه.
ويمكنني إذا أردت أن أوجز وأنا أقدم شهادة للحق والتاريخ أن أتحدث عن "شخصية تاريخية" فقدها الأدب العربي المعاصر والحديث برحيل الدكتور عبدالقادر القط.. لقد كان بالفعل هذه "الشخصية التاريخية" التي لم تظهر إلا قليلاً في حياتنا الثقافية والتي من خصائصها وميزاتها انها تحفر عميقاً، وتترك أثراً، وتشع، وتشيع من القيم والفضائل ما يمكّنها من البقاء والحضور الدائمين.




 

بقية المواضيع

(كفل حارس)
الحكايات التقليدية الى تطوير أم الى زوال؟!
المثقف ومثقف السلطة
نقد فكر الهزيمة
قالت في رسائلها إنَّ الصحافة تعاني  من ضغط الحكومات العربية ..اكتشاف  15رسالة مجهولة لنازك الملائكة كتبتها قبل  50سنة !
صمت الشاعر محمود البريكان
العولمة والدعاية ملخص أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم  الإعلام والاتصال
الروائي اللبناني إلياس خوري يعتبر الحرب على العراق احتلالاً فظاً لماذا لم يتظاهر اليسار الإسرائيلي ضد الحرب؟
بسبب تداعيات الحرب وعدم استقرار الأوضاع في العراق:ازدهار قصائد النضال وأدب المقاومة في الحركة الثقافية بمصر
الدكتور عبدالقادر القط  نظرة أخيرة!
أقامها نادي الرياض الأدبي في محاضرته (استقبال الغرب في النقد الأدبي)
بدايات النقطة
إيزابيل الليندي، العودة مجدداً إلى بيت الأرواح!!
باب القصيدة
المراسلة الحربية لتلفزيون المستقبل نجوى قاسم:الدبابة الامريكية كانت تقف أمام الفندق ولم نستطع إعلان ذلك!!
لوحات فنية ومجسمات جمالية في معرض مدرسة عمر بن الخطاب بشقراء
ملامح من حياة الأديب والرائد الشعبي عبدالله الدويشجامع ومؤد في مادته الفولكلوريةوليس راوياً تقليدياً للتراث
مسرحية "ماما أمريكا" على أوربت خلال مايو
مصمم أغلفة أشرطة الفنانين أحمد باخشوين: ارتاح مع الفارس و"الجليد" من أبرز أغلفتي
استعدادات مبكرة لمهرجان أوسكار الفيديو كليب
باكورة انتاج القاسم في معرض تشكيلي
مشاركة مميزة لـ "الرياض" في الفعاليات ختام فعاليات الموسم الثقافي في كلية التربية الأقسام الأدبية
دراسات كيف يتشكل الإنسان الحديث.. وإلى أين يسير التاريخ
تشومسكي يقرأ سيناريو
شماليل
بيت وصدى
الشوق ...بارق
الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام
وفاء الذئب لفيحاء
دوريات التاريخ العالمي وصعود الراوي
ابداع
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض