عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 May 2003 No. 12732 Year 38

الخميس 29 صفر 1424العدد 12732 السنة 38

  نقد فكر الهزيمة

فاطمة المحسن

 سأستعير من صادق جلال العظم هذا العنوان، كي افكر بفيض المقالات التي تظهر اليوم في الصحافة العربية متوجهة بالنقد إلى الثقافة والمثقفين العرب الذين ساندوا النظام التوتاليتاري في العراق، سواء اولئك الذين ارتزقوا منه، او الذين اثارت مواقفة وحروبه، حميتهم واعجابهم لوجه الله وحده.
لعل هذا المشهد يذكرنا بما سمي وقتها نقد فكر الهزيمة بعد حرب الايام الستة او هزيمة حزيران 1967، تلك التي بدت فيها الثقافة العربية وكأنها تخرج من جلدها، متطهرة من ادران عهد الفرد وفكرة البطل الاوحد، ولكنها سرعان ما استبدلت هذه الايقونه بأيقونه الجماهير التي كانت تبدو مضمرة في مشروع الدكتاتور الاسبق، اب الكادحين، او هي عماد مشروهه بيد انها اتخذت مسارات مختلفة، سميت وقتها الثورة الجديدة التي تستظل بشيخ جليل مثل هوشي منه، او شاب طهراني مثل جيفارا، او جماهير بريئة مثل طلبة الجامعات الذين انتفضوا في اوروبا.
الذي يهمنا من هذه العجالة، حال المثقفين العرب الذين سرعان ما انخرطوا في مشاريع الأمل، بمعية الوليدين الجديدين اللذين تجسدوا بالمقاومة الفلسطينية وبثورة اليمن الجنوبي والحق ان طروحات الثورة، التي تبناها المثقفون الطليعون او انذاك، تركت اثرها في مشروع اعادة هيكلة كفعل ابداع وطريقة تفكير، لا بناء على معطيات الواقع الذي يعيشه العرب، بل على ضو واقع التململ والانتفاض الذي كان ينتاب الفكر العربي لترتيب اسئلة جديدة لمشكلاته اليومية.
كانت فكرة الفرد والفردانية في الغرب تتعرض إلى اختبارات جديدة من غير ان تتخلى عن منجزها الأساسي الذي غدا بديهية في هويتها، وهو حقوق المواطنة، وتمايز الشعب عن الحكومة او الامة عن الدولة ولم تكن تلك في وارد انشغالات ثقافتنا التي بقيت هويتها تناقش من موقع الأنا والمستعمر، لا الأنا والحاكم، او الأنا والدولة، وزاد تلك المفاهيم ارتباكا، التحدي الاسرائيلي الذي استطاع انتصاره الحربي تحقيق اهم منجز سايكولوجي اثر على تكوين المثقف والفرد العادي، وهو شعور العربي بقوى تاريخية تتربص به. فظهرت فكرة الانابة، الشرقية بعيوبه الخطيرة التي كانت تضمر مشروع الاستبداد على نحو غير مسبوق فكانت السلطة تتخذ تلاوين مختلفة، لا على مستوى الامساك بتلابيب الدولة من قبل الاحزاب العقائدية، بل ان الشارع الذي انفصل عنها قليلا تحكمت به الاحزاب السرية بمراتبيتها الصارمة وانضباطها العالي، وهي التعبير عن تجلي التمثيل الناقص لقيمة الانسان كفرد يتمتع بهامش التأثير بالقرار العام وصياغته على نحو شفاف يضمن حرية التعبير فحرية الوطن التي تفاضل من اجلها هذه الاحزاب، تحتم قبر او نحر الرأي الفردي او المختلف على قربانها.
فكانت تلك الاحزاب صورة عن الاحزاب التي ساطت الناس بالنار والحديد، سواء في بقاء قادتها على رأس مكاتبها السياسية الى مديات طويلة او شبه ابديه لايقررها سوى العجز الجسدي او الموت، او في طريقة ادائها او في اساليب انتخاب الزعامات التي تملي قراراتها وتستظل بشرعية العمل السري والخوف من الملاحقة ترجحت كفة الاستبداد على مستويين في التعامل مع الحراك الفكري داخل التشكيلات الثقافية العربية، سواء تلك التي  تبنت تماهي المثقف مع الجماهير، وهي ترتبط وجداننا او عمليا بالاحزاب الحاكمة او الاحزاب المعارضة، او تلك التي اراد من هذا المثقف ان يكون نخبويا او رائياً مخلصاً، له اتباع ومحازبون في مذهبه الادبي او مشروعه الفكري غير انها في الحالين لم تقدم اجتهادات  خارج اطار التبسيط، ولم تطرح مثقفين نقدين يجدون بأنفسهم القدرة على التشكيك بمشروع العلاقة بين السلطة والمثقف، اية سلطة الدولة او المجتمع بين المثقف وجماهيره من المتعلمين والقراء، فهو دائماً الابدع والافضل حتى ولو قدم ترهات او وصل الى حالات مزرية في شيخوخة الادبية او الفكرية.
منتصف السبعينات برزت الى العيان استحقاقات المؤسسات الثقافية التي اقامتها بعض الانظمة ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد ان تحولت الى سلطة في لبنان في ليبيا والعراق واليمن الجنوبي، كما في لبنان على عهد المقاومة الفلسطينية، بدأ الدعم المادي السخي للمثقفين، اهم منعطف في حياة الثقافة العربية، قبل ان تكمل دول الخليج قوس النفط الذي يقايض الثقافة فنشأت حالة من الولاءات جديدة، تقوم على سياسة رشوة المثقف، لضمان قدرته ليس على السكوت فقط، بل على اخفاء معالم الجرائم والفساد وعمليات النهب المنظم او سياسة الاقصاء التي يتبعها هذا الزعيم او ذاك لمعاقبة مثقفي بلده او تنظيمه اوحزبه تدفق اموال النفط بغزارة رافق صعود الازدواج الثقافي عند المثقف ذاته، فبدت مفارقات كثيرة وكأنها تضعه في مأزق الاختبار الاصعب، بين ان يكون ممثلاً لافكاره التي تقف ضد القمع والتسلط، او متسولاً عند الذين يقمعون الفكر في بلدانهم ولم يصمد ازاء هذا الامتحان مثقفون مهمون في عالمنا العربي، فكانوا نماذج الهمت شرائح  كبيرة من الكتاب والفنانيين والصحافيين الذين لم يقف دورهم عند قبض الاعطيات والهدايا، بل تحولوا الى مبررين للقتل والتدمير والحروب، ومداحين ومهرجين للأنظمة التي تدفع لهم اكثر وفي مرحلة التسابق على المغانم في الثمانينات تحولت الكثير من الاحزاب والتكتلات العربية اليسارية الى مرتزقة لاتستحي الاعلان عن هوية ارتزاقها وتبريرها بفكرة استغفال القادة الذين يوزعون ارزاق شعوبهم عليها كانت الثقافة العربية تعلن افلاسها، وسط محيط من الامية والقمع الذي بات عاجزاً عن التقدم نحو فكرة المؤسسات ودور النشر المستقلة عن سلطة الانظمة، ولم يكن بمقدور المثقف العيش من مورد يحفظ كرامته من دون ان يقدم  تنازلاً.
تكيفت الثقافة العربية قبل المرحلة النفطية مع صراعات من نوع مختلف، صراعات لايخضع فيها المثقف الى شروط تلك الاختبارات المذلة، ولم يكن للإعلام دور يشبه دوره الحاضر، الذي اخترق الثقافة في عمقها وردم المسافة بينها وبين الجماهير، لا بمعنى تقديم ثمار هذه الثقافة الى الناس، بل على نحو يجعل الجماهير قادرة على اختراق حركة الافكار والتحكم بها فالمثقف غداً يحسب حسابا مختلفاً لجمهوره الذي سيسه الاعلام وفق هواه فشهدت العقود الاخيرة تسابقاً على طروحات متهاوية وتعصبات رخيصة عزفت على نغمتها الانظمة ثم الفضائيات التي سيطرت على حياة الناس على نحو غير مسبوق.
كانت عروض الستربتيز السياسية التي تنافست فيها تلك الفضائيات، تستعين بنجوم المجتمع الثقافي، وهم يوطنون النفس على اختطاف قلب المشاهد، لا بتنويره وازالة الحجب عن جهله وتعصبه، بل بمسايرة هذا الجهل والتعصب كي يكون حالة تعويض عن غياب الحرية الحقيقية، شارك رجل الدين في هذه المهرجانات باعتباره مثقفاً معتمداً وسيلة الاديب ذاتها او المشتغل في عالم الفكر، وهي بيع الكلام واثارة النعرات والتعصب.
مرت تجربة الخامس من حزيران في حياة المثقفين العرب مثل شهاب اخترق وعيهم وهم غافلون، فحملوا "معاولهم- اقلامهم" لهدم معتقداتهم السابقة عن الحرية والاشتراكية والشعب والقائد ولكن ذلك الوعي بقي رهن تجربة لم تحرك حس المسؤولية عند الذين تورطوا في صنعها، ممن كانت تمثلاتهم الابداعية من اهم تداعيات الهزيمة.
لم يكن في وارد الذين تعانوا مع الانظمة او دبجوا المقالات في مديحها، او من الذين ضللوا الجماهير ودلوها على الطريق الخطأ، لم يكن في وارد هؤلاء الاعتراف بأدوارهم او تأمل في مسار الافكار التي كتبوها واسهمت في تضليل الناس وحتى الحاكم نفسه، لسبب بسيط وهو ان الثقافة العربية تخلو من تقاليد الاعتراف والمراجعة، وهي بالضرورة لاتتهاون مع الضعف وتقبل التسامح مع من يبدي موقفاً نقدياً من معتقداته السابقة.
في حين يجابه بالاستنكار اي تحول في الرأي عند المثقف او مراجعة لأفكاره القديمة، واقل ما يقال فيه، انه ابدل بندقيته من كتف الى آخر تأثراً بمصلحة معينة او حليف جديد فضاعت فرص كثيرة كبحت فيها تقاليد النقد الذاتي، بما يتساوق مع ردة راديكالية اتخذت منحى اكثر تخلفاً مع الصيغ الراديكالية في ثقافة الستينيات على سبيل المثال.
وما اشبه اليوم بالبارحة، الافكار تطفوا على السطح مثل المشاعر العابرة، لاتستحق ان يتوقف عندها احد فكل الضالعين في تضليل الجماهير عن صدام حسين وبطولته وقوته، شرعوا بعد ان هزم، برفع راية النقد وتوجيه اللوم الى هذه الدكتاتورية ومن ناصرها وساندها وطبل لها بالضبط مثلما حدث ويحدث دائماً ، جعجعة بلا طحين، فالفكر العربي يصعب عليه انتاج مثقف نقدي قادر على ان يملك الجرأة لتحطيم الاصنام التي سكنت ضميره الثقافي وآمن بها هو قبل غيره.
تتجه الهمة في هذه الاوقات العصبية الى ترتيب البيت كي ينتظر موعدا جديداً مع دكتاتور يختلف عن الاول قليلاً، ولكنه يشبه الكثير من ملامحه، لانه سيخرج من معطف الثقافة ذاتها، ليقود الناس الى المزيد من التخلف والجهل.




 

بقية المواضيع

(كفل حارس)
الحكايات التقليدية الى تطوير أم الى زوال؟!
المثقف ومثقف السلطة
نقد فكر الهزيمة
قالت في رسائلها إنَّ الصحافة تعاني  من ضغط الحكومات العربية ..اكتشاف  15رسالة مجهولة لنازك الملائكة كتبتها قبل  50سنة !
صمت الشاعر محمود البريكان
العولمة والدعاية ملخص أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم  الإعلام والاتصال
الروائي اللبناني إلياس خوري يعتبر الحرب على العراق احتلالاً فظاً لماذا لم يتظاهر اليسار الإسرائيلي ضد الحرب؟
بسبب تداعيات الحرب وعدم استقرار الأوضاع في العراق:ازدهار قصائد النضال وأدب المقاومة في الحركة الثقافية بمصر
الدكتور عبدالقادر القط  نظرة أخيرة!
أقامها نادي الرياض الأدبي في محاضرته (استقبال الغرب في النقد الأدبي)
بدايات النقطة
إيزابيل الليندي، العودة مجدداً إلى بيت الأرواح!!
باب القصيدة
المراسلة الحربية لتلفزيون المستقبل نجوى قاسم:الدبابة الامريكية كانت تقف أمام الفندق ولم نستطع إعلان ذلك!!
لوحات فنية ومجسمات جمالية في معرض مدرسة عمر بن الخطاب بشقراء
ملامح من حياة الأديب والرائد الشعبي عبدالله الدويشجامع ومؤد في مادته الفولكلوريةوليس راوياً تقليدياً للتراث
مسرحية "ماما أمريكا" على أوربت خلال مايو
مصمم أغلفة أشرطة الفنانين أحمد باخشوين: ارتاح مع الفارس و"الجليد" من أبرز أغلفتي
استعدادات مبكرة لمهرجان أوسكار الفيديو كليب
باكورة انتاج القاسم في معرض تشكيلي
مشاركة مميزة لـ "الرياض" في الفعاليات ختام فعاليات الموسم الثقافي في كلية التربية الأقسام الأدبية
دراسات كيف يتشكل الإنسان الحديث.. وإلى أين يسير التاريخ
تشومسكي يقرأ سيناريو
شماليل
بيت وصدى
الشوق ...بارق
الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام
وفاء الذئب لفيحاء
دوريات التاريخ العالمي وصعود الراوي
ابداع
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض