عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 01 May 2003 No. 12732 Year 38

الخميس 29 صفر 1424العدد 12732 السنة 38

  المثقف ومثقف السلطة

د. عبدالسلام المسدي

 من حق السلطة أن يكون لها مثقفوها، ومن حق المثقف ألا يحترف الاعتراض على السلطة فيما تأتيه، وليس من حق المثقف أن يناقض بالطعن أو الغمز إخوانه المثقفين الذين تطوّعوا - في اقتناع أو في ولاء - للانخراط في ثقافة السلطة.. وبين ضفاف الحَقين تنبت بذور الأوهام الطفيلية: فكما أن الطعن في كفاءة السلطة حين تصطفي موظفيها الثقافيين هو انتقاض خالص فكذلك الوهم الذي يستبد ببعض مثقفي السلطة حين يواجهون المثقف الآخر، فكثيراً ما يتخيّلون أن في اقرارهم بمشروعية وجوده اعترافاً بأن فيه ما ليس فيهم، وبأن في وظابه ما ليس في جرابهم.
كل ذلك وهم خالص، وظن آثم، وتيه قاطع.. إنما يدور الأمر على أن الوظائف الفكرية تتحدد بالمواقع.. وصناعة الأفكار - كسائر الصناعات - تقوم على المنافسة إذ لولا المنافسة لما كانت جودة ولا ارتقاء بالمُنءتَج نحو الأفضل.. فالمثقفون - هنا وهناك، داخل الدائرة وخارجها - منافسون بعضهم لبعض، فبعيد عن الظنون السخية ان يكون المثقف الذي هو خارج دائرة التوظيف خصماً مناوئاً على من هو منخرط داخل الدائرة أو أن يكون عدواً له محارباً.. إنه في مَصءنع إنتاج الأفكار قادح، ووجوده ضروري بقدر ضرورة المنافس أمام طاولة الشطرنج.
في عالم إنتاج الأفكار إذا تقارعت الفكرة مع الفكرة وتقادحت الآراء بالمساءلة والحوار ثم تألقت إحداها فإن انتصارها لا يكون هزيمة للأخريات، ذلك أن الرأي لا يلغي بالضرورة سائر الآراء، بل إن سر نجاحه مرهون بوجود الآخر وببقائه.. ومكمن العقدة كثيراً ما يكون في أنك إذا ناضلت في سبيل اثبات مشروعية المثقف الذي ينطق من خارج دائرة السلطة تسرّب إلى المثقفين في داخلها بأنك تتعالى أمامهم، أو أنك تفترض فيهم شيئاً من اللاثقافة، وهذا ظن فاسد وتمحّل لا يستسيغه عاقل.
كل القصة في مدى قدرتنا على مواجهة الحقيقة، ثم في مدى جرأتنا على المصارحة بها.. وإن تشخيص أمر العلاقة بين المثقف والسياسة يستدعي التنبيه إلى أن النخبة الفكرية - في كل لحظة من لحظات الوجود الجماعي وبحكم كل حيثية من حيثيات الخيار السياسي - تتوزع إلى فريقين: فريق يعترض على شرعية السلطة وفريق يعترف لها بالشرعية.. فإذا جئنا إلى الذين يقرّون للسلطة بشرعيتها ويعترفون بالأحقية لمؤسسة القرار ألفيناهم ثلاث شرائح:
فيهم المأجور وهو الذي قد قبل التوظيف من أجل صفته الثقافية بالتحديد، أو بفضل سمعته في مجال صياغة الأفكار، وقد نودي به كي يضع خبرته في خدمة الثقافة الرسمية.
وفيهم الملتزم وهو الذي يعمل داخل دائرة السلطة من خلال انخراطه في مؤسستها الحزبية.
ومنهم المنتمي وهو الذي من خلال إقراره بشرعية السلطة يحترف النقد ليبني الصرح الثقافي الذي لا يقدر الخطاب السياسي السائد أن يشيّده.
فالمثقف المأجور إذا اجتهد خارج دائرة الإرادة الوظيفية المرسومة أُقيل.
والمثقف الملتزم إذا خرج عن الخطاب التبريري السائد داخل المؤسسة النضالية تعرّض للتأديب الحزبي.
أما المثقف المنتمي فإن التصاقه بمؤسسة النضال أو ابتعاده عنها مرهونان بمدى ما توفره داخلها من حرية نقدية تغوص على الأعماق.. والسبب هو أن المثقف إذا انتمى أو تحزب وقبل أن يكون مناضلاً قاعدياً فإنه يرفض أن يكون دوره إعادة انتاج الأدوار التي تطلبها القمة من القواعد.. إنه يعتبر نفسه عضواً مساهماً بالشراكة الكاملة في صياغة المشروع الجماعي.. بل إنه إذا ما اضطر إلى الاستمساك وانضوى تحت سطوة التوجيه الحزبي المباشر أحس بأنه يخون أمانته من حيث انه مدعو إلى انتاج الأفكار بعد قدح الآراء من بسط القضايا وتمحيصها بالنقائض، وبأنه يتخلى عن ثقة كل المنخرطين القاعديين لأنهم يرون فيه رمزاً للنضال وقدوة في المواقف، فيعتبرون أنه لا يصدح بالتزكية إلا لأن القناعة الحميمة قد حصلت لديه بأن لا خيار أفضل من ذاك الخيار الذي زكّاه.قد ينخرط المثقف في الالتزام الحزبي فاصلاً فصلاً حاسماً بين الانتماء السياسي والأداء الفكري، وهذا من حقه لاسيما إذا أعلن أنه خيار قد ارتضاه، وأنه يصدح به ويجاهر في غير تردد أو ارتباك، ولكن المثقف الذي ينخرط حزبياً ويريد أن يناضل مع صون رسالته الثقافية داخل المؤسسة الحزبية وخارجها على حد سواء فإن له شرطاً جوهرياً و
احداً:
إذا طالبناه بألا يقول ما يريد أن يقوله إلا داخل الحزب فإنه يطالبنا بأن يقول داخل الحزب كل ما يريد أن يقوله، وهذا مؤدّاه ألا يقع تحت طائلة الرقابة الذاتية ما دام يناضل داخل الحزب، ومؤدّاه أيضاً ألا يتقي محاذير الردع، ولا ايعازات الغمط، فضلاً عن غمزات التأديب.
المثقف من حيث هو منتج للأفكار إذا اختار أن يناضل قاعدياً، وأن يبقى قاعدياً، وأن يمسك عن كل اغراء ارتقائيّ داخل الهياكل النضالية، فلأنه يحمل قناعة كبرى تتمثل في أنه كلما التصق بقاعدة الهرم هيكلياً ازدادت حظوظه في أن يكون قيادياً في مجال صياغة الأفكار.
إن السبب العميق في الذي أسلفنا هو أن رجل الفكر - بصفته هذه - يقبل الانخراط في السياسة، وينصاع إلى الولاء لها، بل وإلى تزكيتها، ولكنه - في عميق أعماقه - لا يستسيغ تزكية رجال السياسة إلا بقدر ما هم رموز يجسّدون فعلياً خيارات السياسة.. إنه ضرب من الفوارق الرقيقة التي لا يكتشفها الناس إلا بعدسات المجهر الدقيق على محك النضال الحي المعيش.
شرف المثقف عندما ينخرط في وظائف السلطة انه يكون رسولاً يبلغ رجل السياسة قلق المثقفين، ويوصل إليه همومهم، ويفصح أمامه عن طموحهم وعن أوجاعهم من حيث هم ضمير المجموعة الوطنية، أما إذا تصور أن رسالته هي أن يبلغ المثقفين رأي السلطة في السياسة وفي الثقافة فإنه يكون قد خلع عن نفسه جلباب المثقف وارتدى مكانه بدلة السياسي المحترف، وستكون عندئذ حظوظه في الاحتراف السياسي طارئة.
أما المعيار الذي به نقيس ما بين الموقعين الذهنيين من مسافة فهو بسيط هيّن، ونصّه: أن كلمة (نعم) لا تزن في دنيا المواقف الفكرية شيئاً إلا إذا كان من الممكن، ومن المحتمل، ومن المتيسر، أن تقال بدلها كلمة (لا).. عندئذ - وعندئذ فقط - يعود لثقافة السؤال وزنها لأنها تقيم مقام ثقافة التزكية ثقافة النقد، وتقيم مقام ثقافة الولاء ثقافة البناء، فيتجسم ميثاق الشراكة كأبهى ما يكون، ويتم ترويض كل الأطراف المكونة للهرم الاجتماعي على التنشئة الديمقراطية الواعية الواعدة.

`




 

بقية المواضيع

(كفل حارس)
الحكايات التقليدية الى تطوير أم الى زوال؟!
المثقف ومثقف السلطة
نقد فكر الهزيمة
قالت في رسائلها إنَّ الصحافة تعاني  من ضغط الحكومات العربية ..اكتشاف  15رسالة مجهولة لنازك الملائكة كتبتها قبل  50سنة !
صمت الشاعر محمود البريكان
العولمة والدعاية ملخص أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم  الإعلام والاتصال
الروائي اللبناني إلياس خوري يعتبر الحرب على العراق احتلالاً فظاً لماذا لم يتظاهر اليسار الإسرائيلي ضد الحرب؟
بسبب تداعيات الحرب وعدم استقرار الأوضاع في العراق:ازدهار قصائد النضال وأدب المقاومة في الحركة الثقافية بمصر
الدكتور عبدالقادر القط  نظرة أخيرة!
أقامها نادي الرياض الأدبي في محاضرته (استقبال الغرب في النقد الأدبي)
بدايات النقطة
إيزابيل الليندي، العودة مجدداً إلى بيت الأرواح!!
باب القصيدة
المراسلة الحربية لتلفزيون المستقبل نجوى قاسم:الدبابة الامريكية كانت تقف أمام الفندق ولم نستطع إعلان ذلك!!
لوحات فنية ومجسمات جمالية في معرض مدرسة عمر بن الخطاب بشقراء
ملامح من حياة الأديب والرائد الشعبي عبدالله الدويشجامع ومؤد في مادته الفولكلوريةوليس راوياً تقليدياً للتراث
مسرحية "ماما أمريكا" على أوربت خلال مايو
مصمم أغلفة أشرطة الفنانين أحمد باخشوين: ارتاح مع الفارس و"الجليد" من أبرز أغلفتي
استعدادات مبكرة لمهرجان أوسكار الفيديو كليب
باكورة انتاج القاسم في معرض تشكيلي
مشاركة مميزة لـ "الرياض" في الفعاليات ختام فعاليات الموسم الثقافي في كلية التربية الأقسام الأدبية
دراسات كيف يتشكل الإنسان الحديث.. وإلى أين يسير التاريخ
تشومسكي يقرأ سيناريو
شماليل
بيت وصدى
الشوق ...بارق
الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام
وفاء الذئب لفيحاء
دوريات التاريخ العالمي وصعود الراوي
ابداع
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض