الدكتور عبدالعزيز الخويطر شخصية معروفة للباحثين والأكاديميين والتربويين والعامة، فهو اكاديمي سبق له ان اصبح مديراً لجامعة الملك سعود لسنوات، وتربوي معروف سبق له ان تولى وزارة المعارف لسنوات طويلة، ومسؤول في الدولة تولى فيها العديد من المناصب. لا اعرفه شخصياً ولم يسبق لي ان جالسته ولم يسبق له ان قام بتدريسي بل غادر الجامعة ربما قبل ان التحق بها، ولا يوجد بيني وبينه اي رابطة بحثية، ولكنه رجل تحترمه لعلمه واهتمامه بالثقافة وهو الرجل المسؤول الذي تشغل وقته الكثير من المهام. وجاءت معرفتي به كمعرفتي بأي مثقف مشهور وكاتب معروف انه في كتاباته بارز ومن خلالها عرفته، ومن الكتب التي حقق قرأت حديثاً كتاب بعنوان «تاريخ الشيخ احمد بن محمد المنقور، الذي اعادت دارة الملك عبدالعزيز طباعته بمناسبة الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية. ظهر الكتاب في مئة وثلاث صفحات من الحجم المتوسط تشمل التحقيق والتعريف بالمؤلف ودراسة شخصيته وعصره وتبيان دراسة المخطوطة ولغتها والألفاظ العامية الواردة فيها.

ان الدكتور عبدالعزيز الخويطر اديب ومؤرخ من الطراز الأول، وزاد اعجابي به ما جاء في مقدمته للكتاب المذكور حيث دون «.. وقررت ان اقوم بالتعليق على هذه المخطوطة وبطبعها؛ إيماناً مني بأن الشيء ليس دائماً بحجمه، وثقة بأن المؤرخ الذي يشد الرحال ليقرأ نقشاً، او ليلمح مظهراً لشاخص قبر، او ليستبين كتابة على عملة او نقد، او ليتتبع طرازاً في اثر عمراني، سوف يسعده ان يصل الى يده كراس مطبوع عن تاريخ فترة هي حلقة مهمة في زمن يهمه، ص ص 10 - 11) انتهى.

لاشك ان الدكتور اسعدنا بما دون قلمه وهو المسؤول والأكاديمي والتربوي والباحث، اعتراف الدكتور بأهمية مصادر التاريخ وبخاصة الآثارية منها يجعلنا نتشجع ونبذل جهداً فوق جهد لنعرف بآثار بلادنا التي هي دون ادنى شك متنوعة في ازمانها وأنواعها، وتشكل مصدر معلومات ضخم لم يستفاد منه حتى اليوم. وأقول لم يستفاد منه لأنه لم يكتب التاريخ من واقع الآثار بعد. والآثار لا تقتصر على العصور القديمة فكل عصر زل له آثار تشكل مصدر معلوماته التي لم تدون.

ومما لاشك فيه ان الأثريين يتمنون الحصول على اي معلومات عن المواقع القديمة والرجال مثل تلك المعلومات التي ترد في تاريخ المنقور لأنها سوف تسهم في حالة توفرها في مساعدتهم لاستقراء المواد الجامدة التي تستوجب الاستفادة منها استنطاقها من خلال منهج طويل يمر بمراحل عدة قبل ان يبدأ في اعطاء الثمار.

ويتصف تاريخ المنقور بقلة الصفحات اذ تبلغ صفحاته ست عشرة صفحة، وسطور كل صفحة قليلة، وكذلك عدد كلمات كل سطر. وقد بين الدكتور الخويطر ذلك في مقدمته، بالإضافة الى ابانته عدد من الأمور منها ماله صلة بالمؤلف وحياته الشخصية ومنها ماله صلة بالعمل فوضح في ذلك قيمة العمل من خلال توضيح الظروف المحيطة بتأليفه ومؤلفه وما تميز به عن غيره من مؤرخي القرون الأربعة الماضية.

ويعكس تاريخ المنقور حياة بلدات جرت بينها حروب عديدة لا ترحم بالرغم من ان وجود القرابة وأواصر النسب والانحدار من القبيلة الواحدة تربط بين سكانها في اغلب الأحوال. وما جاء في كتاب المنقور من تصوير لحالة الحروب الدائمة بين بلدات سدير على وجه الخصوص حيث عاش الكاتب وأرخ يعكس الطبيعة الإنسانية عبر العصور، ويرسم صورة تدرج الاستيطان وانتقاله من القرية الى المدينة الى دويلة المدينة الى الدولة.

فعندما تقرأ ما جاء في كتاب المنقور تتذكر احداث دويلات المدن في بلاد اليونان تلك الدويلات التي تكون كل دولة مدينة تحارب مدن الدويلات الأخرى الى ان جاء فيليب المقدوني ثم ابنه الاسكندر الأكبر المقدوني وقاما بتوحيد جميع تلك المدن في دولة واحدة انطلقت عبر سواحل آسيا الصغرى لتحتل الشرق الأدنى القديم مكونة امبراطورية مترامية الأطراف انقسمت الى بضع ممالك بعد وفاة الاسكندر الأكبر ولكنها بقيت تحكم الشرق الأدنى القديم لمدة تزيد على الثلاثة قرون.

وتذكرنا الحالة نفسها بحالة دويلات المدن في بلاد الرافدين خلال الألف الثالث قبل الميلاد عندما كانت كل مدينة دولة بذاتها تحكمها اسرة يطلق عليها سلالة. حاربت تلك السلالات بعضها البعض لمدة من الزمن استمرت لقرون حتى جاء سرجون الأكادي ووحد تلك المدن في دولة واحدة عرفها المؤرخون باسم الامبراطورية الأكادية استمرت ردحاً من الزمن.

وهكذا نجد ان صورة تطور الاستيطان ونموه تتكرر خلال الزمن، فتبدأ بالتجمع الأصغر الذي هو القرية، ثم المدينة، ثم الدولة. فالصورة ذاتها نجدها في الألف الثالث قبل الميلاد في بلاد الرافدين، وخلال القرن الرابع قبل الميلاد في بلاد اليونان، وخلال القرون الأربعة السابقة على عصرنا في شبه الجزيرة العربية. وعليه فالتاريخ واحد في احداثه وعبره القديم منه والحديث.