كنت في عام 1417ه بصدد تحقيق المواضيع التي ذكرها الشاعر امرؤ القيس الكندي في صدر معلقته ومن بينها تلك المواضع «دارة جلجل» التي قال عنها:

ألا رب يوم لك منهن صالح

ولاسيما يوم بدارة جلجل

وقد تمكنت من التعرف على بعض الأماكن التي قال علماء البلدان إن دارة جلجل تقع بينها، إلا أنه استعصى علي التعرف على «معدن الشجرتين» الذي يقربني من أحد تلك المواضع رغم تحديدي للحيز المكاني الذي يقع فيه هذا المعدن.

فما كان مني إلا أن كتبت لوكيل وزارة البترول والثروة المعدنية المساعد للمسح والتنقيب - آنذاك - معالي الدكتور محمد أسعد توفيق، رئيس هيئة المساحة الجيولوجية حالياً طالباً المساعدة في تحديد مكان هذا المعدن بدقة.

وقد أجابني - سلمه الله - عما سألت عنه بخطاب ذكر فيه وصف المكان وتحديده حسب دائرة العرض وخط الطول؛ الأمر الذي سهل لي الوصول إليه.

وبعد ذلك زرت معاليه في مكتبه بجدة ودار بيني وبينه نقاش حول الأماكن التاريخية والجغرافية في بلادنا ومنها أماكن التعدين، وقد لمست منه حرصه الشديد على بذل كل مساعدة ممكنة لأي باحث يشتغل في هذا المجال، وفي هذا الاجتماع أطلعني على صور نادرة لبعض المشاهد الأثرية الموجودة على ظهور الحرار والتي التقطت من الجو بواسطة الطائرة، وعندما رأى اهتمامي بتلك المشاهد المثيرة زودني بنسخة منها وهي تقارب الثلاثين صورة، وقد أبديت له آنذاك بأنني سأحاول الوصول إليها لتحديد أماكنها والتعرف على كنهها والغرض الذي عملت من أجله بهذه الأشكال الغريبة التي تبدو فيه كأنها لوحات فنية رسمت على سطوح هذه الحرار ذات المسالك الصعبة.

ونظراً لأنه لم يؤخذ لهذه الصور إحداثية بين مكان تلك المشاهد فقد صعب علي معرفة أي الحرار تقع فوقها هذه المناظر، وتمضي الأيام وأنا أقلب صور تلك المشاهد المحيرة، وعندما تبنت دارة الملك عبدالعزيز مشروع طرق القوافل التجارية وما عليها من مشاهد أثرية التي مازالت أعمل على تحقيق مساراتها طلبت من سعادة الدكتور فهد بن عبدالله السماري أمين عام الدارة أن يكتب لهيئة المساحة الجيولوجية عسى أن نحصل على تحديد يقربنا للوصول إلى تلك المشاهد الغامضة التي بدا لي من أشكالها أن لها علاقة بطرق القوافل الموغلة في القدم.

وكنت أتابع مع مدير مكتب المساحة الجيولوجية السعودية بالرياض الأستاذ محمد الراشد وزميله الأستاذ عبدالله العنيزان ما توصلت إليه الهيئة بشأن تلك المشاهد الأثرية اللافتة للنظر، وقد عرفت أن معالي رئيس الهيئة والعاملين معه أكثر حرصاً مني على التعرف على أماكنها. وقد كان لهذا الحرص نتائجه الطيبة إذ تم التعرف على الحرة التي توجد فيها بعض هذه المشاهد؛ وخاصة تلك الصورة التي ظهر فيها طريق مزفت ومبنى مدرسة وخزان مياه.

وفي غرة شهر رجب 1426ه اتصل بي الأستاذ الراشد وأفادني بأن زميلهم الجيولوجي الأستاذ «محمد بن حامد الرحيلي» كان بصحبة الطيار الذي قام بتصوير هذه المشاهد آنذاك، وأفاد بأنها موجودة بالقرب من مدينة «خيبر» في حرتها.

وبتاريخ 13/7/1426ه كنت في رحلة إلى جهات «تيماء» و«العلا» فقررت أن أمر بمدينة خيبر وما حولها في محاولة للوقوف على المشهد الذي ظهر فيه مبنى المدرسة والخزان، وكان في النية الاستعانة بمحافظة خيبر لتعريفي عن المكان الذي توجد فيه المدرسة والخزان؛ لأن تلك الأشكال الغريبة الظاهرة في الصورة الجوية بجوارهما يمين ويسار الطريق المزفت.

وقد صادف قدومنا عطلة الاسبوع ودخلنا خيبر من الجهة الشمالية وفضلت ان نسلك الطريق القديم للتعرف على خيبر القديمة وتسجيل ما نمر به من مشاهد أثرية لها علاقة بمسارات الطرق القديمة.

كان يصحبني في هذه الرحلة الأستاذ عبدالله بن عبدالرحمن الضراب، وعندما وصلنا البلدة القديمة وأخذ الطريق يصعد منها شرقاً لاحظنا وجود ركامات حجرية مكثفة يسار الطريق فقررنا التجول بينها على الأقدام؛ لكونها واقعة في حرة. وقد اتضح أنها مدافن تعود لعصور متقدمة؛ ولهذا فهي ليست مما نبحث عنه.

وعندما تقدمنا بالسيارة قليلاً مع الطريق المزفت متجهين شرقاً بدا لنا خزان الماء ومن قبله مبنى المدرسة؛ وقد تبين لنا أنهما الظاهران في الصورة المأخوذة من الجو كما يتضح من تعرجات الطريق المزفت.

كان لا يوجد غيرهما عندما التقطت الصورة، أما الآن فقد قام على هذا الشارع الكثير من المباني الحديثة والحدائق المشجرة ومن بين هذه المباني مقر محافظة خيبر، وقد شاهدنا من خلف مبنى المحافظة تلك الركامات الحجرية الظاهرة في الصورة.

لقد أجلنا الاطلاع والتجول بينها إلى بعد العصر نظراً لأننا في عز الظهيرة عندما وصلنا إليها. وكان لنا استراحة في ظل شجرة كبيرة في حديقة بجوار هذا الطريق الذي كان لا يوجد على جنبتيه عند التقاط الصورة من الجو سوى حجارة الحرة السوداء وتلك الدوائر والمذيلات الظاهرة في الصورة.

بعد صلاة العصر سلكنا الجادة الظاهرة في الصورة القديمة رقم (1)، وقد وجدنا الدوائر والمذيلات كما هي واضحة في التصوير الجوي ومنها الدائرة ذات الذيل الصورة رقم (2) مع أن التصوير الأرضي يختلف عن التصوير الجوي.

لقد حاولت أن أربط هذه المشاهد المحيرة بغيرها عسى أن نقترب من معرفة سرها؛ ولهذا قررت السير مع الطريق المزفت المتجه جنوباً إلى المدينة المنورة، وجندنا سلوك الطريق القديم وقبل الوصول إلى قرية «الثمد» شاهدنا ركامات حجرية على الحرة شرق الطريق، وقد ساعدنا على الاقتراب منها وجود قاع مستطيل يماشي الحرة سماه «فيلبي» «القعقران» وظهر في الخريطة باسم «قاع قران» وهذا هو الصحيح؛ لأن ماء السيول تستقر فيه لمدة طويلة.

عندما علونا حافة الحرة وجدنا ركامات ومسننات وأذيالاً تتتابع فوق ظهر الحرة، وقد استرعى انتباهي وجود نقيل قديم مع حافة الحرة مشيت معه قرابة مائتي متر وقد اعتلى ظهر الحرة وأوغل فيها، ولا أشك بأن هذه جادة أحد الطرق الموغلة في القدم وأن هذه المشاهد الأثرية ماهي إلا أعلامة ودلالاته.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تلك المشاهد الغريبة المأخوذة صورها من الجو لها علاقة بهذا الطريق؟ هذا يحتاج إلى مزيد من الدراسة.

أقول: هذا أول صيد نمسك به من هذه المشاهد المحيرة ذات الأشكال والأنماط المختلفة التي تجعل من يشاهد صورها يطرح أكثر من سؤال أشكال بعض منها الصورة رقم (3) ورقم (4) ورقم (5).

ويبدو لي أنه لا سبيل إلى التعرف على أماكنها إلا بواسطة الطائرة، ولذا أرجو من معالي رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السعودية الدكتور محمد أسعد توفيق تحقيق هذه الرغبة، لاسيما وأن السبق في اكتشاف هذه الأنماط الأثرية الغريبة تم بواسطة العاملين بالهيئة كما أرجو أن يتم التنسيق بين الهيئة ودارة الملك عبدالعزيز التي تحتضن مشروع طرق القوافل القديمة لتصوير هذه المشاهد من جديد وتحديد أماكنها حسب دوائر العرض وخطوط الطول ليسهل الوصول إليها.

على أني أميل إلى أن هناك صعوبة للوصول إلى بعضها بواسطة السيارة نظراً لوعورة أرض الحرة.

وبما أنه لكل حادث حديث، فقد تستخدم الدواب ولا سيما الحمير التي لم يعد لها سوق رائجة في وقتنا الحاضر. وعندما زار «فيلبي» خيبر سنة 1370ه 1950م وأراد التجول داخل حرتها استخدم هو ومن كان معه الحمير كوسيلة نقل، وقد امتدح الحمار الذي كان يركبه بأنه سريع ويتحرك فوق المسارات الصعبة بسلاسة.(أرض مدين - ص 83).

وأنا متفائل بأننا بعد تحديد هذه الأماكن بدقة سنصل إلى بعضها عن طريق الأودية الظاهرة في بعض الصور؛ لاسيما أن منها ما يظهر عليها سكة للسيارات.

وهذه المشاهد الأثرية النادرة بأشكالها وأنماطها الغريبة ستصبح مستقبلاً من ضمن الأماكن السياحية في بلادنا؛ نظراً لأنها موغلة في القدم ومنفذة بطريقة هندسية بارعة، وقد تسجل ضمن الآثار النادرة في العالم.

فهل نستطيع الوصول إليها؟ أقول ليس هذا بصعب على عزيمة الرجال.

ومن الله العون والتوفيق.