المناخ العام الذي يعيشه الشباب العربي وفق بعض الدراسات تزدهر فيه مجموعة من الظواهر السلبية التي تتعلق بالمحيط الاجتماعي الذي تنتشر فيه بعض القيم الرديئة والتناقص الثقافي والفوضى الاقتصادية والفقر والفساد الإداري ومظاهر الاستغلال والتسلط والانحراف بكل صوره وأشكاله وأنواعه. مما يجعلهم يستمدون من هذا المناخ نمط تفكيرهم وأسلوب حياتهم بحيث يصبح التقليد والمحاكاة لمظاهر الحياة الغربية نمطاً اجتماعياً سائداً في حياتهم اليومية وسلوكاً يعتقدون أنه متحضر في عملية التثقيف.

في الجانب الآخر كما ذكر د. حسين سلوم في دراسته عن (الانفتاح الإعلامي وخطره على قيم الشباب المسلم) هناك ضغوطات ثقافية وافدة وهناك تأثيراتها الاجتماعية والنفسية والثقافية في الشبان الذين يحتلون الأولوية في سلم عمليات التنشئة الاجتماعية في الوقت الحاضر.. وهناك ثقافة الصورة المرئية وما تحمله من قيم وأفكار وعقائد تتناقض مع الثقافة السابقة أو الثقافة السائدة في المجتمع.. هذا التصادم يؤدي إلى هوة ثقافية بين القديم والجديد ومدى تأثيرهما في المجتمع..

ومن أخطر ما يتعرض له الشباب العربي حالياً هو ما يتعرض له عبر مئات القنوات الفضائية الأجنبية وأيضاً بعض القنوات التي يتم تمويلها من القطاع الخاص في العالم العربي وما تبثه في برامجها من أفلام العنف والجريمة والمغامرات والجنس وبمضامين متناقضة مع الأفكار والقيم والعقائد التي يؤمن بها الشباب العربي..

٭٭ في هذا المناخ العام ستنشأ شريحة من الشباب في كل مجتمع عربي وخليجي وقد استثمروا الفراغ والمال لمن لديه في الانغماس المستمر في الشهوات واللامبالاة وأصبح منقاداً بلا وعي لنداءات الجسد وصراخ الغواية وفي ظل ضعف الوازع الديني فإن النتائج المتوقعة من هذا المناخ هي إفرازات لسلوكيات غير أخلاقية قد يمارسها بعضهم.. هذه السلوكيات تعتبر خروجاً عن نسق قيم وعقائد المجتمع وتختلف في حدتها مما قد يوجب القتل عند ارتكابها وممارستها وقد تتوقف عند حدود العقوبة البدنية أو السجن..

٭٭ ما حدث من بعض الشباب منذ أسبوعين وعرف بحادثة (نفق النهضة) عندما تجرأ بعض الشباب على مهاجمة فتاتين والتحرش بهما وهما في نفق المشاة بطريق النهضة كما نشر عن هذه الحادثة في معظم الصحف.. هذه الحادثة مروعة بكل المقاييس لأنها خروج عن قيم المجتمع واجتراء على أمنه من خلال هذا التحرش بهاتين الفتاتين.. ولا ينبغي أن نعلل هذا الحادث بمبررات واعتذارات أو لا يعاقب الجناة بما يليق بهذا الحادث..

المناخ العام الذي يعيشه معظم الشباب العربي امتد تأثيره إلى ثنايا مجتمعنا هنا وحادثة (فتاة الباندا) كما اشتهرت بهذا المسمى كانت شرخاً في أمن المجتمع وتفاعلت تلك الحادثة في نسيج المجتمع لدينا وبما كان فيها من عبارات نابية وسلوكيات فاضحة تم تسجيلها وبثها عبر الجوال وشبكات الانترنت!!

هناك من يرى أن نوع العقوبة التي نفذت مع أنذال حادثة فتاة الباندا لم يكن بمستوى خطورتها.. وأن التهاون في صرامة العقوبة أفرز التحرش بفتاتي نفق النهضة!!

اجمع عدد من المشايخ والقضاة في عدد من الصحف منها ما نشر في جريدة «الرياض» في عددها الصادر يوم الأحد 28 شعبان على أنها (جريمة نكراء ومجاهرة بالمعصية وأن الفاحشة جريمة وإشاعتها جريمة أخرى تضاعف عليها العقوبة).

ما يثلج الصدر هو سرعة القبض على الجناة واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض بهذا الحادث.. والذي نرجوه أن تكون عقوبتهم رادعة حتى لا نفاجأ بجرائم مماثلة بعد ذلك، وأن ننظر لها من مقياس شرعي وليس مجتمعياً نسبياً..

٭٭ الإعلام دوره مهم سواء في تغطية الحادثة أو التعليق عليها وما يهم هو أن ينظر إليها على أنها (جريمة) ولا بد من عقوبة مرتكبيها وأنها تنبئ بنذر إن لم نسعَ جميعاً لمواجهتها وحماية أمن المجتمع من أمثال هؤلاء ومن كان خلف سلوكياتهم من تسيب أخلاقي وقنوات فضائية هابطة تشيع الفاحشة في المجتمع وتكسر حدود الحرام والعيب والأخلاق وتقليص مفاهيم العفة.

فما يبث يومياً هو إعلاء للشهوات وإطلاق سعارها والضبط الاجتماعي في الشارع تقلص بتقلص دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كان مجرد مرور عربة العاملين فيها يحدث رعباً في نفوس هؤلاء المنفلتين خلقياً..

٭٭ أمن المجتمع.. قضية الجميع ولا بد لكل أب وأم وكل من له علاقة بالشباب أن يتحمل مسؤوليته ولا بد من صرامة في الحد من هذا البث الإعلامي البعيد عن قيم التدين والأخلاقيات.. ولا بد من تربية جادة تعزز في الشباب معاني الجدية والالتزام والشعور بالمسؤولية..

٭٭ حادثة (فتاة الباندا) كانت جرس إنذار حاداً! وحالياً هذا الحادث يعلي من قمة جبل الجليد في المجتمع فهل ننتظر ظهور الجبل!! أم نتعاون على تحقيق المناخ السليم لشباب هذا الوطن وأمنه وأخلاقياته؟..