أتابع كلما سنحت لي الفرصة مناقشات نادي الكتّاب في إحدى الإذاعات الأجنبية، تجذبني فيه تنوع الاختيارات وطريقة الطرح والتعمق في الحديث مع الكاتب حين يستضيفونه، الجمهور متنوع من القراء الذين يسجلون أسماءهم للمشاركة في المناقشات بعيدا عن المشاركات المتخصصة لمن يطلق عليهم مثقفون أو نخبة، أجد في نفسي تواصلاً وقرباً مع المتلقي العام وليس المتخصص والذي يشبهني في تعاطيه للرواية أو الكتاب يطرح نفس التساؤلات ولديه نفس الانطباعات. ما يعجبني في البرنامج هو بعده عن لغة المناقشة المتخصصة وثراؤه في إضافة المعلومة وتوصيل محتوى الكتاب للمستمع بعيداً عن التعقيد وأيضاً تضفي مشاركة الكاتب وطرح الأسئلة عليه من المذيع أو المشاركين روحاً مختلفة، فتجد الإجابات الطبيعية غير المنمقة بعيداً عن العبارات التسويقية أو المدروسة التي ترافق الحملة التسويقية لإصدار كتاب جديد أو رواية جديدة. جميل جداً أن تعرف علاقة الراوي بشخصياته وأحداث روايته وصدقه في استيحاء مواقف مرت في حياته إذا كان الكتاب مبنياً على سيرة ذاتية. ميزة البرنامج أنه متنوع في اختياراته وفي طرحه للكتب والروايات.

جذبتني مرة صورة مصغرة من هذا البرنامج كان المشاركون فيه أطفال في المرحلة الابتدائية يناقشون كتاباً قرأوه، لفت نظري نوعية الأفكار التي تناقش وطريقة انتقاء الكلمات والقدرة التفكيرية لهؤلاء الصغار، لم أجد روح الاستخفاف التي تصاحب عبارات مثل "شاطر يا بابا" ولا تلك الاحتفائية التي تصاحب المفردة المشهورة "أول من" كل ما تسمعه هو نقاش جدي فيه لطافة في الطرح وانسيابية وأسئلة تطرح واختلاف أو توافق وتواصل من مقدم البرنامج الذي لم يختلف في طريقة أدائه وتواصله عندما تعامل مع هؤلاء الصغار. لفت نظري التفكير النقدي والمعرفة الروائية المتراكمة لدى هؤلاء الصغار أيضاً تواصلهم اللغوي وطريقة تعبيرهم عن أفكارهم. كلها توضح لك مدى استيعابهم ومدى تأهيلهم فالقراءة الخارجية جزء من منهجهم الدراسي التراكمي المعرفي، وهي قراءة غير مشروطة تحفز فيهم الخروج عن النمطية في التفكير وتشجعهم على طرح الفكرة التي تدور في عقولهم دون خجل أو تردد. تستفيد من مناقشات الصغار كثيراً فالاستماع لهم يوسع مداركك ويجعل للكلمة والفكرة وقعاً مختلفاً.

لا أعرف لماذا ذكرت أبلى عصمت في ذلك الزمن البعيد وهي تفتش حقائبنا المدرسية وتصادر الكتب والروايات كما تصادر أدوات الزينة وأشرطة الأغاني وأشرطة الفيديو قائلة ركزوا في دراستكم بدلاً من تضييع الوقت! وكأن القراءة مضيعة للوقت! ولا أدري إن كان لأبلى عصمت أشباه مستنسخة في هذا الزمان فشيء داخلي يتمنى لو أن أبلى عصمت استبدلت بهذا المذيع الذي يعطيك مساحة لتتكلم وتناقش وتفكر بصوت عال.