مع إعلان الروائي باترك موديانو فائزًا بجائزة نوبل للآداب هذا العام عاد السؤال المتكرر دائما متى يفوز شاعر عربي بالجائزة بعد أن انتظرنا ثماني وثمانين سنة ليفوز روائي عربي بها قبل ستة وعشرين عاما من الآن وهو سؤال لايجيب عليه شاعر فقط حينما تبحث الجائزة عن وظيفة الفن في الوجود .. أي أننا سنحتاج إلى شاعرٍ وقضية دائما ليفوز أحدنا بهذه الجائزة .. لهذا ما أن قرأت بيان الأكاديمية السويدية التي تناقلته الوكالات حينها كمسوّغ لمنح الجائزة للروائي باترك موديانو

(كرم موديانو بفضل "فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصيانا على الفهم وكشف عالم الاحتلال).. ما أن قرأت هذا البيان حتى ذهب الحنين لمحمود درويش وشاعرية الهوية والجذور وكشف عالم الاحتلال تماما كما هو حال باترك الذي منح هذه الجائزة كما يرى البعض لشخصياته الروائية اليهودية التي تبحث عن هويتها وكأنه بذلك صورة معكوسة لحال درويش الذي ظل يبحث عن هويته بين حطام اليهود ويحمل في قلبه الذي قصر عنه أخيرا سنبلة من أوجاع الفلسطينيين وغربتهم في بلادهم :

كنْ صديقا لاسمك الأفقِيٌ

جرِبْه مع الأحياء والموتي

ودرّبْه على النطْق الصحيح برفقة الغرباء

واكتبْه على إحدى صخور الكهف ،

يا اسمي : سوف تكبر حين أكبر

سوف تحمِلني وأحملك

الغريب أخ الغريب

ودرويش هو ذلك الشاعر الذي بقي في نظر البعض مهيأً للفوز بالجائزة لو أنها تمنح للأموات حينما يبقون أحياء فينا بعد موتهم ... لكنّ درويش مات يبحث عن هويته العربية بين اليهود وفاز باترك بالجائزة حينما عالج قضية الجذور عند اليهود بعد تمييعهم لهوية درويش وجذوره العربية ..!

أعود إلى مسوغات الجائزة التي تمثل من خلال انشغال العالم بها مؤشّرا هامّا وحيويا لموقف الإنسان المعاصر من الفن بصورة عامة وأشير إلى أنها كشفت لنا نزعة الإنسان الآني إلى الجذور بعد أن سئم من فردانيته وتجاهله للأفعال الماضية حيث انشغاله الدؤوب بخلق أفعال المستقبل وانتظار ما لا يتحقق ، وهو موقف مهم وحيوي اختاره القائمون على الجائزة ليكون مسوّغا لمنحها وأظن أن أكثر ما يميز جائزة نوبل للآداب هو هذه القراءة الشاملة لموقف الإنسان من الأدب بشكل عام .. وبالتالي ستبقى مسوغات منح الجائزة في كل عام صورة لموقف الإنسان المعاصر من الفن في مراجعاته المستمرة للوجود .