تناقلت وسائل الإعلام المختلفة خبر النجاح الذي توصلت إليه جامعة هارفارد في تجاوز عقبة الحصول على عدد كاف من الخلايا المفرزة لهرمون لإنسولين عبر تحوير الخلايا الجذعية إلى خلايا بنكرياسية قادرة على إفراز هذا الهرمون اللازم لحرق السكريات. وكما هو معلوم أن المشكلة الأزلية التي تعيق عملية زراعة خلايا البنكرياس كعلاج جذري لمرض السكري النوع الأول هو عدم توفر عدد كاف من هذه الخلايا، حيث أن الشخص المصاب بمرض السكري النوع الأول يحتاج إلى أكثر من متبرعين أو ثلاثة متبرعين بعضو البنكرياس للحصول على العدد الكافي من هذه الخلايا وبالتالي التخلص من حقن الإنسولين بعد الزرع. إن عملية استخلاص خلايا البنكرياس من عضو البنكرياس هي عملية معقدة تحتاج إلى عدة خطوات تعقيمية وعزلية تؤدي إلى تلف عدد كبير من هذه الخلايا، وبالتالي تكون المحصلة النهائية من هذه

الهاجس الأخلاقي والتخوف من تحور الخلايا إلى خلايا سرطانية يقلقان العلماء، والتسارع في الأبحاث يدل بمشيئة الله على قرب التوصل إلى حل جذري

الخلايا غير كافية لإنجاح عملية الزراعة. كما أنه بعد الزراعة يقوم الجهاز المناعي لمريض السكري وهو الذي سيستقبل هذه الخلايا برفض عدد منها مما يقلل بشكل أكبر المحصلة النهائية لهذه الخلايا أيضا. ولذلك يصب البحث العلمي على إيجاد وسيلة أخرى غير التبرع بالبنكرياس لعلاج مرض السكري النوع الأول بشكل جذري. ومن هذه الوسائل هو التوصل إلى علاج يهبط مناعة المريض المتلقي للزراعة أو توفير عدد أكبر من خلايا البنكرياس عن طريق عملية تحوير الخلايا الجذعية. كما أنه كانت هناك دراسات تتحدث عن وضع هذه الخلايا في كبسولة مجهرية دقيقة لكي تتفادى تأثير الجهاز المناعي الرافض لها.

وقد أعلنت جامعة هارفارد على لسان الباحث الرئيس وهو الدكتور ميلتون الذي كرس حياته لإيجاد علاج جذري لمرض السكري، حيث أنه أب لطفلين يعانيان من مرض السكري النوع الأول، نجاح تحوير الخلايا الجنينية إلى خلايا بنكرياسية وبعدد كبير جدا وذلك في الحيوان وذكر ان التجارب على الإنسان ستكون ناجحة أيضا. وقد نتائج هذه الدراسة في المجلة الطبية الشهيرة (الخلية) والتي لاقت استحسان منظمات مرض السكري الداعمة لهذه البحوث وخاصة منظمة مرض سكري الأطفال التي أثنت على نتائج البحث.


فئران التجارب

وعندما نتحدث عن زراعة البنكرياس كعلاج لمرض السكري، فإننا نتحدث عن ثلاث طرق رئيسية وهي كالتالي: زراعة البنكرياس كعضو كامل أو زراعة خلايا البنكرياس أو زراعة الخلايا الجذعية بعد تحويلها إلى خلايا بنكرياسية قادرة على إفراز هرمون الإنسولين. وقد بدأت زراعة البنكرياس كعضو كامل في الستينيات وقد نجح هذا النوع من العمليات لمرضى السكري الذي يعانون من فشل كلوي حيث أن المريض في هذه الحالة يزرع له بنكرياس بالإضافة إلى كلية لمعالجة الأمرين مرض السكري ومرض الفشل الكلوي. ويحتاج المريض بطبيعة الحال إلى أدوية مهبطة للمناعة بصورة كاملة وأبدية وتكون هذه الأدوية قوية المفعول. وعادة لا يجرى هذا النوع من الزراعة إلا لمرضى الفشل الكلوي المصاحب لمرض السكري، حيث أن وضع مريض السكري على أدوية مهبطة للمناعة ليس بالأمر السهل وخاصة إن كانت هذه الأدوية المناعية ستصرف للمريض مدى الحياة. كما أن حالة مريض السكري الصحية بعد زراعة البنكرياس وحتمية استخدامه للأدوية المهبطة للمناعة أيضا أمر ليس بالسهل وهو ليس أسهل من استخدام حقن الإنسولين. ولذا لا تتم عملية زراعة البنكرياس كعضو كامل إلا إذا احتاج مريض السكري إلى كلية وفي حالة الفشل الكلوي فقط. ولتفادي الاستخدام المرهق للأدوية المهبطة للمناعة لجأ الباحثون إلى ما يعرف بزراعة خلايا البنكرياس التي لا تحتاج إلى أدوية مهبطة للمناعة بشكل كبير كما هو الحال بعد زراعة البنكرياس كعضو كامل، وذلك باستخلاص هذه الخلايا من شخص متوفى ونقلها إلى مريض السكري المصاب بالنوع الأول من السكري المعتمد على الإنسولين. وكما ذكرت سابقا فقد اصطدم العلماء بمسألة توفر هذه الخلايا وكون مريض السكري يحتاج إلى متبرعين اثنين أو ثلاثة أو حتى أربعة متوفين لاستخلاص كم كاف من هذه الخلايا. وكلما كان المختبر أكثر خبرة في هذا المجال الدقيق والحساس وهو مجال تنقية خلايا البنكرياس واستخلاصها، كلما كان له القدرة على استخلاص كم كاف من هذه الخلايا من عدد أقل من المتبرعين، فعلى سبيل المثال، استطاعت بعض الجهات الصحية في كندا استخلاص خلايا البنكرياس من شخص متوفى واحد وحصلت على قدر كاف من خلايا البنكرياس اللازمة لتخلص مريض السكري من حقن الإنسولين بعد الزراعة. وتوالت نجاحات الجهات الصحية في كندا وفي جامعة أدمونتن على وجه الخصوص بعد تعديلات هامة في مجال عزل الخلايا واستخلاصها، ولكن بعد عدة سنوات ظهرت بعض المشاكل الصحية لهؤلاء المرضى منها انسداد الوريد البابي في الكبد وهو الطريق الذي تزرع منه الخلايا وبعض المشاكل الأخرى . وقد حاولت المراكز الأمريكية والكندية من إجراء تعديلات كثيرة لبروتوكولات زراعة الخلايا لتقلل من جوانبها السلبية ومازال البحث مستمرا في هذا المجال. أما بخصوص زراعة الخلايا الجذعية، والتي يمكن تسميتها تجاوزا "قطع غيار" للخلايا التالفة في جسم الإنسان، والتي يمكن تحويرها وتغيير سلوكها لتصبح خلايا أخرى سواء خلايا بنكرياسية أو عظمية أو غير ذلك وبالتالي الاستفادة منها. فإن البحث ينصب بشكل كبير في هذا المجال هذه الأيام ومن الدراسة التي نشرت في التاسع من أكتوبر في مجلة الخلية من جامعة هارفارد. وبالرغم من نجاح هذه العمليات التحويرية للخلايا الجذعية أو الخلايا الجنينية يبقى الهاجس الأخلاقي قائما، كما أن هناك مازال تخوف من تحور هذه الخلايا المتحورة إلى خلايا سرطانية في المستقبل، وأن مسألة تحور الخلايا لا يقف عند حد الخلايا المطلوبة والمرغوبة. والجميل في مجال مرض السكري وعلاجه أن هناك تسارعا كبيرا يدل بمشيئة الله على قرب التوصل إلى حل جذري يخلص أطفال السكري من هذه الحقن اليومية المؤلمة.


خلايا البنكرياس