كثيرة هي الأسئلة التي نتداولها في مجالسنا أو نقرؤها في صفحات جرائدنا أو على شاشات هواتفنا فلكل زمان سؤال يبحث عن إجابة خصوصاً أننا في مجتمع يمر بالكثير من المتغيرات الأمر الذي يفرض علينا طرح الكثير من الأسئلة للبحث عن إجابات تكون أقرب للصواب والمنطق، إلا أن السؤال الأكثر إلحاحاً هذه الأيام هو "لماذا ننجح في تنظيم الحج" ويجانبنا الصواب في تنظيم أحداث أقل منه أو حتى أن بعض مشاريعنا تتعثر ويصيب بعضها الآخر داء "الفساد"؟.

السبب الرئيس والواضح للعيان لنجاح تنظيمنا للحج يكمن في المشاركة والعمل الجماعي، فما حدث خلال الفترة الماضية هو استنفار على جميع الأصعدة، هذا الاستنفار يمكن أن نطلق عليه بكل وضوح "العمل الجماعي"، هذا العمل الذي يراه الصناعي الأمريكي أندرو كارنجي أنه القدرة على العمل معاً نحو رؤية مشتركة، ويضيف أنه القدرة على توجيه الإنجازات الفردية باتجاه الأهداف التنظيمية، ويؤكد على أنه الوقود الذي يسمح للناس المشتركة تحقيق نتائج غير مألوفة.

فالمتابعة الدقيقة من الحكومة والتواجد الكامل للوزارات المعنية بالإضافة إلى الاجتماعات الدورية لكافة القطاعات أدت إلى ظهور موسم الحج بصورة مميزة على الرغم من صعوبة المهمة، فالتعامل مع هذا الكم من الحجاج على اختلاف مستوياتهم ولغاتهم وحتى حالاتهم الصحية والنفسية يتطلب جهوداً إضافية.

هذه الجهود الحكومية قابلها في الجانب الآخر دعم كبير من القطاع الخاص، فمختلف الشركات تواجدت بكامل طاقاتها في المشاعر، وكانت حريصة كل الحرص على أن تسخّر كافة الجهود لتلبية رغبات الحجاج إدراكاً منها في المقام الأول أن هذا جزء وواجب وطني عليها المشاركة فيه.. ولا ينكر عاقل أن هذه الشركات جنت أرباحاً خلال هذا الموسم، وهو حق مشروع لها، إلا أن الأهم أنها تواجدت وساهمت بقدر المستطاع في تقديم الحج بصورة زاهية.

جهود الدولة والقطاع الخاص ما كان لها أن تنجح إلا بتفاعل العنصر الأهم في المنظمة وهو "المواطن السعودي"، والمقصود بالمواطن هنا الفرد على مختلف مستوياته العلمية والاجتماعية بدءاً من المواطن البسيط ونهاية بالمسؤول أو الوزير، فالجميع كان على مستوى الحدث.. حتى مفهومنا للتطوع اختلف خلال تلك الأيام، فالجميع اتحد نحو هدف وحيد وهو "إنجاح الحج".

متى ما أردنا أن تنجز مشاريعنا الأخرى بنفس كفاءة وتميّز نجاحنا في الحج علينا ببساطة أن نستنسخ تجربة المشاركة بين القطاعات في الحج إلى مختلف أعمالنا الحكومية اليومية، علينا أن نتكاتف جميعاً - حكومة وقطاعات خاصة وشعباً - في سبيل هدف واحد وهو تنمية بلادنا، فعلى الوزراء التواجد في الشوارع والنزول بصفة يومية وخلع "ثقافة البشوت" والتواجد مع الموظف البسيط في وزارته ليلمس معاناته ويعيش ضغط عمله، وعلى وزارة المياه والكهرباء أن تتعامل مع كل شبر في المملكة باعتباره جزءاً من الحج وأن تسعى بكافة طاقاتها إلى توفير الاحتياجات اليومية للمواطن، كما أن القطاعات الصحية عليها أن تتعامل بجدية أكبر مع الحالات التي تصلها في قرانا النائية وأن تواصل مشكورة مجهوداتها الكبيرة في الحج من إسعاف وتلبية متطلبات، كما أن على وزارة الداخلية أن تواصل تألقها من خلال الاستمرار في تطوير كوادرها وتأهيليهم للتعامل مع مختلف الحالات الإجرامية أو الإنسانية، فالصور المتداولة في مواقع التواصل جعلت من أفراد قواتنا نجوماً للحج من خلال خلوه من أي شائبة أو مشكلة تعكّر صفو هذه الأيام الروحانية وسط منطقة ساخنة من شمالها وجنوبها، هذه القطاعات مطالبة بالسير قدماً بعد النجاحات التي حققتها خلال الأيام الماضية.

وبدوره؛ على المواطن أن يشجع هذه الوزارات وأن يواصل دفع عجلة التنمية وأن يكون شريكاً أساسياً بها من خلال التفاؤل ومحاولة إغلاق الباب أمام من يحاول كسر مجاديف الثقة في مستقبل بلادنا سواء كانت أصواتها داخلية أو خارجية، عليه أن يتفاعل مع هذه المعطيات بكونها جزءاً من دوره في المجتمع فعليه النقد متى ما رأى خطأ وعليه التصفيق والتحفيز لكل نجاح.