ينطوي خطاب القبيلة على قدر ملحوظ من إعلاء مقام ال «أنا» وانتقاص قيمة «الآخر» وهو خطاب يفضي في مجمله بالضرورة إلى تكريس صيغ مديح الذات وهجاء الآخرين بلا مواربة. ومن الملاحظ أن صيغة «التفضيل» تبرز فيه بصورة صلبة لم تؤثر فيها النصوص الدينية المقدسة المؤثرة عادة في الوجدان، حتى مع إلحاح النص الديني على مقاومة «الأفضلية» بإحلال صيغة تفضيل بديلة بعد التأكيد أن الله عز وجل جعل الناس شعوباً وقبائل لمجرد التعارف بالاختلاف {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. ويستعمل النص النبوي كذلك لفظ «فضل» في سياق النفي القاطع لأفضلية العربي على الأعجمي، كما استقر في الأذهان من قبل :« لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». كما يستعمل أقبح الألفاظ في وصف من لا يزال على هذه الظنون التقليدية الجاهلية المقيتة: «دعوها فإنها منتنة»، و«إنك امرؤ فيك جاهلية».

لو سألنا أنفسنا: ما السبب في بقاء هذه التصورات الصلبة، مع أنها تنافي التدين، لا سيما ونحن متدينون تديناً شديداً، ولماذا تخذلنا عزائمنا في الامتثال للأمر؟ بل لماذا نجد أن بعض خطاباتنا الأخرى قد اتشحت بوشاح مديح الذات وهجاء الآخر القبلي الأصل والمنشأ؟

لوجدنا أن بعض الإجابة تكمن في مفهوم «الخطاب» و«سلطة» مفاهيمه، وبدرجة أعمق: سلطة مفاهيم الخطاب المضمرة الدلالة التي لا تدانيها من حيث الصلابة والتجذر مفاهيمه الظاهرة الدلالة، وتزداد دلالات الخطاب المضمرة صلابة حين تنبع من خطابات أخرى مجاورة تتسم بالصلابة في ذاتها. فما دلالات الخطاب الظاهرة وما دلالاته المضمرة؟

لكل خطاب من الخطابات المتجاورة بالضرورة في أي مجتمع تعاليم ونصوص ظاهرة مرئية. وتعاليم الخطاب الظاهرة ونصوصه المعلومة تحيل على دلالات مباشرة او شبه مباشرة، فبنيتها بهذا المعيار متوحدة وظاهرة نسبيا حتى إن اختلف في تأويلها وتعددت تطبيقاتها. ويمكن أن ينخدع بهذا التوحد والظهور كثير من الناس فلا يدركون أن للخطاب دلالات غير هذه الظاهرة المباشرة ، وبنية غير هذه الواحدة التي توشك أن تصل إلى نتائج متقاربة حتى مع اختلاف طرق التأويل وأساليب التفسير، من هنا لا بد من التفريق بين «مفاهيم» الخطاب المأخوذة من دلالات النصوص المباشرة، وهو مايمكن تسميته ب«المعنى»، وتلك المفاهيم الأخرى التي تتبلور من مجموع ما ينتجه الخطاب بالكامل، أو ممتزجة بما زحف عليها والتصق بها من خطابات أخرى مجاورة بعد أن اكتسب سلطته من خلال خطابها المنتج لها. وهو ما يمكن تسميته ب«الدلالة». وهو ما يهمنا في هذا المقام؛ نظراً لأهمية الدلالة البالغة التي لا تقارن بأهمية المعنى. «يقول جريماس: لا شيء يمكن أن يقال عن المعنى قبل أن تتم مفصلته على شكل دلالات».

لكن لا بد من الإشارة قبل التوسع في هذه النقطة إلى أن كل خطاب يميل إلى الامتداد والتوسع وإلى طي أطراف بعض الخطابات المجاورة في كنفه. وله في ذلك حيل متنوعة، لعل من أخطرها وأشدها تأثيراً التخفي والتنكر بأزياء الخطابات الأخرى، وغالباً لا بد أن يتخذ من الخطابات المؤثرة في الوجدان والعواطف سبيلا إلى توسعه. وقليلا ما يتنبه مستعملوه والمندمجون فيه إلى أنه بذلك يحافظ على نفسه من الفناء ويتشبث بالبقاء لاغير. ونشير هنا أيضا إلى ان الخطاب يستعمل مفاهيمه إما في إنتاج نصوص مفردة تقويه فيزحزحها إلى خطابات أخرى لتدخل في نسيجها، وإما في تأويل نصوص موجودة في الخطابات المجاورة على وفق مفاهيمه هو. تدخل القبيلة في أحيان كثيرة مفاهيمها الراسخة وتمزجها بمفاهيم خطابات أخرى كالخطاب الديني مثلا. ويمكن الإشارة هنا إلى اختلاط بعض أوامر الدين. بمفاهيم القبيلة بحيث تبدو دينية مقدسة في حين هي قبلية اجتماعية لاغير. ولعل في بعض قضايا المرأة في بلادنا أبرز الأدلة الظاهرة على هذا الأمر، كما يمكن الإشارة إلى أمثلة أخرى عديدة «ينظر على سبيل المثال لا الحصر: تحليل عبدالله الفيفي لمفهوم «الغيرة» في الخطاب الديني ذكوريا بأثر الخطاب الاجتماعي في : نقد موسوعة القيم - الجزيرة. ويمكن ايضا استحضار الكثير من التحليلات الثقافية التي لا تكاد تحصر في هذا الاتجاه».

في ضوء ما تقدم يمكن التأمل في مسألة الأفضلية الموصوفة في خطاب القبيلة التي غدت جزءاً صلباً مدعوماً بسلطة الخطاب التي لا تقاوم، وذلك من حيث اتصالها بمسألة الأفضلية التي تمارس في مجمل الخطاب الديني والتي لا تقف عند حدود بيان المفضل والمفضل عليه. بل تنحونحو تكريس عدم احقية المفضل عليه بالوجود بصورة تكاد تتماهى مع ما رأيناه في خطاب القبيلة، مقاومة بذلك النصوص المفردة من داخل الدين الحنيف التي تدعو إلى التعايش والإقرار بالآخر المختلف وبحق الاختلاف الطبيعي: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى». { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} ، { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة}. { لا إكراه في الدين}، {لكم دينكم ولي دين}، { لا تزر وازرة وزر أخرى}، { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}.. الخ مثلما قاوم الخطاب نص الشعوب والقبائل والنصوص المشابهة له وهمشها كما تقدم، وأصبح ما يمكن بمعنى من المعاني تبريره في خطاب القبيلة المنغلق على ذاته مستعصياً على التبرير في الخطاب الديني المنفتح على الإنسانية كلها.

إذ يمكن الافتراض ابتداءً أن الخطاب القبلي المبني على مديح الذات وهجاء الآخر هو في الأصل خطاب محافظ يمثل ثمثيلاً تاما من يخشى الموت ويتشبث بالحياة، هو خطاب نبعت أصوله منذ زمن بعيد حينما كانت القبيلة تكتلا بشرياً صغيراً قائماً بذاته يرى في قوة تكتله القدرة على مقاومة التكتلات الأخرى التي تشكل خطراً عليه، فكان لا بد حينئذ بالضرورة من العمل على بث الشعور بالتفوق، والعمل في الوقت نفسه ما أمكن على تعزيز نصوص العلو والتفوق وتضخيمها ومقاومة نصوص المساواة وتهميشها. لكنه صار فيها بعد خطاب الخصومة و العداوة الذي يجعل القبيلة تقف دائماً في موقف الخصم من كل قبيلة مجاورة لها أو بعيدة عنها، بل يجعلها في موقف الخصومة أيضا مع بعض الطارئين عليها الذين لا يستحقون الانتماء الكامل لدمها الصافي النقي، والجدير بالتأمل هنا هو أن هذه الخصومة ليست من المنصوص عليها في نصوص القبيلة وتعاليمها الظاهرة المباشرة، لكنها نتيجة لمجموع نصوص الخطاب، فهي إذاً من دلالاته المضمرة.

تزحف مفاهيم الخطاب القبلي لتلتصق بخطابات أخرى وتصبغ مفاهيم تلك الخطابات المجاورة بصبغتها، فتنتج دلالات معينة جديدة لها، هي في الأصل دلالات قبلية خالصة، ولذا لم يكن غريباً أن ينهمك أهل الخطاب القبلي المحافظ المنغلق المبني على الخصومة وأن ينخرطو أكثر من غيرهم بصورة لافتة في منطقة الاستعداء والخصومة مع الآخر في هذا العالم اليوم، وأن يحاولوا - للأسف الشديد- صبغ هذا المنطق بصبغة الدين الإسلامي الحنيف وهو منه براء، فيختلط الخطاب الديني حينئذ بالخطاب القبلي. وأن نرى منطق التصنيف والنظر إلى البعض على أنهم من الطارئين على المجتمع الذين لا يستحقون الانتماء الكامل له. وأخيراً ليس غريباً ألا يرى بوضوح كاف أن هذا المنطق المعوج لم يكن إلا نموذجاً من نماذج الدلالات المضمرة العديدة لمفاهيم الخطاب.

ولكن الأهم من ذلك - في نظري- هو أنه لا ينتبه بما فيه الكفاية في الوقت نفسه إلى أن أي تعديل في تصور «الأنا والآخر» في خطاب ما يمكن أن يحدث تعديلات جوهرية ومهمة للتصور نفسه في الخطابات الأخرى المجاورة. وهنا يمكن أن نستحضر نماذج عديدة من الدراسات التي ربطت بين «النظام الاجتماعي، وأنماط الممارسة الاجتماعية، والممارسات الاجتماعية الفعلية» من جهة و«نظام الخطاب، وأنماط الخطاب، والممارسات الخطابية الفعلية» من جهة أخرى ، بحيث تكون علاقة المفاهيم الثلاثة الأولى والثلاثة الثانية تراتبية فيما بينها من الأعم إلى الأخص، وكل مرتبة أعلى تشكل المرتبة التالية لها، وكل مرتبة عليا تصبح بمثابة النظام الذي يندرج فيه ما تحته. «نورمان فيركلو : الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية». لكن القائمتين المذكورتين -وهو أمر مهم جدا هنا- متصلتان بحيث تزحف إحداهما إلى الأخرى، وتحدث إحداهما خلخلة في البنية التراتبية للأخرى.