إذا كان التاريخ سيحمل الوالد الصديق الشاعر سعد الحميدين في ذاكرته كأول شاعر سعودي يصدر مجموعة شعرية تحمل النص الحديث بعد انزياحه عن الشكل التقليدي البيتي القديم على مستوى الحضور الإبداعي، وعلى المستوى الإعلامي سيحفظ ويقر بأنه أكبر المثابرين على حضور الإبداع الجديد والرؤية المستقبلية له في استشراف إعلامي غير مسبوق حينما أشرف على الصفحات الثقافية بصحيفة "الرياض" منذ أكثر من ثلاثة عقود حيث كانت الصفحات الثقافية يومها أكبر من مساحة للنشر وأقدر من بقعة ضوء كانت موقفا ورهانا على مرحلة جديدة لايغامر بها إلا الجريئ والواثق..

أقول إذا كان التاريخ بمجايلي الوالد الحميدين سيحفظ له كل ماهو موثق من سيرة إبداعية وإعلامية عن ظهر صدق، فإنني أحتفظ لهذا الرجل بفضلٍ كبير حينما لا أمل من ترديد تأثيره الكبير على رحلتي مع الكتابة شاعرا وكاتبا معا، بل إنني سأتحين الفرصة دائما لتذاكر هذا إيمانا مني بحق له علي، كفله ماقدمه لي من أيادٍ بيضاء على مستوى الاهتمام والاحتواء بينما كنتُ أقيم في ركن بعيد من الظل الإعلامي.. أذكر مرة أنه كان يوجهني بحديث هاتفي بيني وبينه يناديني فيه ب (يا ابني) ففرحت به وأخذت من يومها أناديه بأبي في مراسلاتي وحديثي معه.. هذا الرجل استقبل نصوصي المهجورة في قاع البحر حيث أقاصي ينبع ليفرد لها الضوء عبر صحيفة "الرياض"، والمتابع لحركة الصحافة الثقافية في المملكة يدرك جيدًا مالذي يعنيه الملحق الثقافي بصحيفة "الرياض" تحت إشراف الحميدين حين جمع فيه على مدى تاريخه كل الأسماء الفاعلة والمؤثرة في مسيرة الإبداع المكتوب في المملكة ولامجال لحصر تلك الأسماء الكبيرة على المستويين المحلي والعربي.. هذا الرجل الذي يترجّل اليوم عن العمل الصحفي جعل من ملحق الرياض الثقافي (ملحق الخميس/ السبت) مشروعا ثقافيا ومنبرا قاد على المستوى الإعلامي الحركة الإبداعية في بلادنا لأكثر من ربع قرنٍ من الزمان..

ظل الوالد الحميدين يأخذ بي من مقتبل الظل حتى آخر حدود الضوء دون أن ألتقيه أو حتى أهاتفه إلا بعد مرور سبع سنوات على حضوري الأول في صحيفة "الرياض" كل الذي يربطني به يومها رسالة بريدية تحمل القصيدة إلى الصحيفة ويتولى هو العناية بها..

الحميدين الذي يحبه كثيرون مثلي هو ذلك المسكون بالموقف لا بحييثياته والمخلص له لا لمكتسباته والسائر برؤاه لاالمسيّر لها.. يؤمن بما يكون لابما يريد، صادقا حد اللطف وصريحًا حد الحقيقة وودودا حد الشعر..

كل هذا وأكثر يا أبانايف.. فأنت تغادر العمل الصحفي وقد تركت وراءك أكثر من أثر وأعمق من سيرة وأنبل من غاية..

شكرا أيها الوالد الصديق سيقولها جيل كامل لك.. وسأقول نيابة عنهم هذا الرجل النبيل كان دائما كبيرنا الذي علّمنا الضوء..