طالما ارتبطت الدراما التلفزيونية بالمجتمع ولطالما كانت معبرة عن مضامين الشعوب وتصرفاتها وتفاصيل حياتها كما ان هذه الدراما وبجميع فروعها من تلفزيون ومسرح وسينما تعد احد الوسائل لتنمية الشعوب وتوجيها وتنمية حسها الوطني والمحافظة على مكتسباته الوطنية واستعراض إنجازاتها الحضارية في بناء المجتمع وبناء الواقع الحضاري المتجسد في مشاريع وإنجازات الوطن الداخلية والخارجية، ولكن لنا هنا ان نطرح السؤال التالي هل الدراما السعودية حققت المطلب الرئيس منها في تنمية الحس الوطني والمحافظة على مكتسبات الوطن أو على اقل تقدير زرع بعض المفاهيم عن الوطن وأهمية المحافظة عليه، هذا السؤال تم طرحه على عدد من المختصين في الدراما السعودية والمطلعين على واقعها وحصلنا منهم على هذه الإجابات .

القاص والروائي والكاتب الأستاذ سعد الدوسري شاركنا في هذا التحقيق حيث قال : تجربة الدراما التلفزيونية لم تفلح في نقل الصورة الاجتماعية الواقعية، ولا صياغة مفردات الحس الانتمائي، وذلك لعدة أسباب:

أولا: المنتجون لهذه الأعمال يعتمدون معيشيا عليها، وليس أمامهم لكي يتم قبول أعمالهم وأجازتها سوى الرضوخ لمتطلبات الجهة التي ستعرض هذه الأعمال ولان هذه المتطلبات صعبة وصارمة ولا تحب ان تدخل في مناطق «الممنوع» توجه كل المنتجين إلى الأعمال الكوميدية ذات الطابع «الاسكتشي» أو إلى المسلسلات المتكدسة بالحب والطلاق والخيانة والمخدرات وتقاسم الميراث، وهذه الأعمال وان حملت هما اجتماعيا، فإنه لن يكون بمقدورها صياغة وعي أو بناء حس انتمائي .

ثانيا : عدم وجود معاهد أو كليات تؤهل ممثلين ومخرجين ومعدين وفنيين، جعل سقف جودة العمل الدرامي منخفضا جداً، وصارت تلك الأعمال التي نشاهدها وبكل سلبياتها هي المقياس، وصار هذا المقياس ينتشر ويتعمم عاما بعد عام، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه درامياً.

ثالثا : عدم وجود جهة ثقافية أو فنية متخصصة تضبط جودة الأعمال الدرامية، فتحت المجال وبشكل مزاجي وشخصي لغير الموهوبين ليكونوا نجوماً من الدرجة «أ»، مما أبعد المواهب الحقيقية عن الإسهام في الدراما الراقية.

رابعا : ضعف المردود المادي للكاتب المحلي، أبعده عن المشاركة بأعماله التي تستنهض وعي الناس وتربي الإحساس الوطني فيهم مما جعل الساحة الدرامية تخلو من هذا النمط من الأعمال ولكي يكون المقياس واضحا، فإن اجر الكاتب أسامة أنور عكاشة ربما يصل إلى نصف ميزانية إنتاج المسلسل الذي يكتبه والذي يعكس فيه التفاصيل الصغيرة لهموم المواطن المصري .

وبعد هذا كله أريد ان اسأل: من تبنى أعمال المخرجة السينمائية هيفاء المنصور، بكل ما فيها من كشف للواقع وإحياء للروح الوطنية ؟!!

الفنان خالد سامي شارك في هذا التحقيق الذي يأتي بمناسبة اليوم الوطني حيث أجاب عن السؤال التالي : هل ما قدم من أعمال درامية كافي أو أصلا هل هناك ما قدم لرفع الحس الوطني والمحافظة على مكتسبات الوطن ؟

اعتقد ان الأغنية فقط هي التي تواجدت بشكل ملفت في الأمور الوطنية ولرفع الحس الوطني ولكن الأغنية الوطنية مرتكزة في محمد عبده وتأتي الجنادرية كتاج في الأغنية الوطنية ولكن لا يوجد أعمال درامية موجهة لا للطفل ولا للمجتمع تعمل على رفع الحس الوطني ولو أخذنا الأفلام الأمريكية نجد ان هناك أشياء تغرس فيها من اجل أشعار الطفل ببعض المعاني ومنها عندما يقول احد الممثلين الأطفال «هذه أمريكا» ورغم ان هذا الغرس به بعض السذاجة ولكنه ضروري لإيصال رسائل داخلية وهذه المسألة غير مهتم بها في أعمالنا الدرامية وهناك بعض الكتاب يعتقد ان مسالة الغرس في الأعمال الدرامية الموجه للطفل قد تم تجاوزها وهذا غير صحيح لأنها لم تنفذ أصلا .

ولتطوير الحس الوطني يجب ان نشعر ان السنة كلها يوم وطني وأثبتت الأيام في صراعنا مع الإرهاب ان الناس وطنيون اكثر من ان نتخيل فلماذا لا نشعر ان السنة كلها يوم وطني ويجب ان يشعر المواطنون انهم وقفوا مع الدولة في وجه الإرهاب والوطن غير مرتبط بيوم ولا بشخص، وعندما نريد ان نتعامل مع عمل درامي يهتم برفع الحس الوطني يجب له مساحة أعلى من الرقابة من اجل طرح قضايا أمنية لها علاقة بالشرطة والمباحث والقطاعات الأمنية الأخرى ومن خلالها يمكن تقديم الحس الوطني النابع من المجتمع لكي نظهر مدى تعاون المجتمع في القضايا الأمنية .

الأستاذ صالح العريض مقدم ومعد برنامج مواهب وأفكار الموجهة للأطفال شارك في التحقيق قائلا:«في نظري مازال الإعلام بشكل عام والمرئي بشكل خاص مقصرا من ناحية تقديم أعمال تسهم في رفع الحس الوطني واعتقد انه لا يكفي ان ننشد أو نغني في حب الوطن وأتمنى ان يطرح فكرة برنامج ( أغلى وطن) لتنمية هذا الحس ولكن مثل هذه الأفكار لاتجد الدعم وفي إحدى فقرات برنامج مواهب وأفكار سألت الأطفال لماذا تحب الوطن فكانت إجاباتهم بس؟ وهنا يتضح مدى انحسار معاني حب الوطن لدى الأطفال حيث لم يوضح السبب في الإجابات والأسباب لحب هذا الوطن، وهذا التعبير وهذه الأسباب لا تأتي من فراغ بل يجب ان يكون للإعلام دور مهم فيها في مدى معرفة الأطفال بهذا المعنى وإيصالها بأسلوب راق يخدم هذا التوجه ويجب ان نسهل بعض العبارات وبرامج الأطفال بها تقصير من هذا الجانب كما أننا قد نقوم باعداد حلقة عن اليوم الوطني ولكن في النهاية تعرض مرة واحدة فقط بينما قد نجد ان بعض الأغاني أو البرامج تعاد عدة مرات وكان الطفل غير مهم أو انه ليس من الأولوية تعليم هذا الطفل أو غرس بعض القيم فيه .

الكاتب الدرامي الدكتور عبد الرحمن الوابلي والذي كتب عدة حلقات للمسلسل الجماهيري طاش شارك في هذا التحقيق قائلا : «في البداية لا يوجد دراما سعودية هناك صناعة دراما فقط في السعودية لان الدراما يجب ان تكون مدعومة بإرث مسرحي على الأقل 50 سنة وفي فترة الثمانينات والتسعينات تم إجهاض المسيرة المسرحية التي بدأت في السبعينات وهذا تسبب في تغييب الوعي الدرامي لدى المواطنين وللأسف والذي أجهضها وزارة التعليم وجمعية الثقافة والفنون، وعلى هذا الأساس ليس هناك تواجد لدراما سعودية بل صناعة وتقليد لما يوجد في دول الخليج وبعض الدول العربية وفي المملكة لا يوجد أكاديمية أو معهد لدراسة المسرح والدراما كما انه لا يوجد بنية تحتية تساند صناعة الدراما في المملكة مما يضطر أصحاب الأعمال الدرامية ان يذهبوا إلى سوريا أو الأردن لتصوير أعمالهم إذاً نحن نحمل الواقع الدرامي اكثر مما يحتمل كما ان عدم وجود الفيلم السينمائي وهو الواجهة الحقيقية للدراما والحلقات الوطنية التي قدمت عبر التلفزيون السعودي صنعت بطريقة سيئة ومباشرة تفتقر للحرفية ولذلك لا نجد المحترفين في هذا المجال وبالتالي ينتج لدينا دراما لا تقوم بواجبها على الوجه الأمثل، كما ان الرقابة لدينا غير مواكبة للتغيرات وما يجري على ارض الواقع حيث ان الجيل الحالي تربى على الفضائيات العربية والعالمية والتي جذبتهم بكم الإبهار والإتقان والطرح المحترف فيما تقدمه من أعمال درامية وأتمنى ان ينتهي دور الرقيب على العمل الدرامي ولان منتج العمل والمشاركين فيه لديهم من الحس الوطني الذي يمنعهم من الإساءة إلى وطنهم ومن الأمثلة أني سبق وقدمت حلقة بعنوان (وطن لا يموت) وقد صورت في مسلسل اسود وابيض ولكن تم الاعتراض على الحلقة وتحديدا على عنوانها ووجه الاعتراض انهم قالوا كيف تقولون ان الوطن يموت أو تشككون بأن الوطن قد يموت وللأسف هذا الاعتراض في غير محله لأن هذا العنوان قد يكون على لسان كل مواطن ويصبح جزء من إيمانه، كما ان المفهوم الدرامي لدى المجتمع واغلب العاملين في انتاج هذه الدراما لديهم مفهوم مغلوط عن الدراما ويرون أنها لابد ان تطرح مشاكل وقضايا اجتماعية بينما مفهوم الدراما اشمل و أوسع من هذا الطرح الضيق في افقه مما جعل اغلب الموجودين يحاولون فقط منافسة طاش بينما الواقع الدرامي ارحب لفتح مساحات واسعة من الطرح الدرامي.

الفنان عبدالله السدحان شارك في هذا التحقيق قائلاً «الدارما السعودية سواء كانت كوميدية أو تراجيدية عندما تنجح فنجاحها يجير للوطن وأي عمل ناجح على مستوى الوطن العربي يعتبر هدية للوطن وليس شرطا ان اقدم المواضيع الوطنية بشكل مباشر مثل محبة الوطن فنحن لا نحتاج لمثل هذه الأعمال لأن مثل هذه الأعمال والمحاولات استمرت على مدى 40 عاما ولم تفلح ولكن العمل الناجح والنابع من الوطن يجير في النهاية للوطن وحب الوطن وعندما نتحدث عن طاش فاننا تطرقنا لبعض التصرفات غير اللائقة وهي تصرفات فردية والهدف من تسليط الضوء عليها هو محبة الوطن وإذا تطرقنا لبعض التصرفات الجميلة واللائقة سواء في التعامل مع المنشات التي نواجهها يوميا فهي دعوة لمصلحة الوطن أما العمل الموجه والمباشر كما في السابق فأنا ضده إلا بعض البرامج الوثائقية والتثقيفية فهي مهمة لكل دولة ولكل وطن.