قبل حوالي ستة أشهر منعت وزارة الثقافة والإعلام القنوات والإذاعات من تقديم برامج متخصصة لتفسير الرؤى والأحلام، إجراء المنع في رأيي موفق بعد أن أصبح تفسير الأحلام تجارة رابحة لبعض القنوات الفضائية، حتى أنه أغرى المرتزقة لدخول هذا المجال دون علم ومعرفة.

هذا المنع تلاقفته قنوات فضائية أخرى لتصنع منه أخبارا ساخنة قل صدقها وكثر فيها الاستهزاء والسخرية، وشاركهم بعض القراء بتعليقات قليلها منصف وجلها آراء وتخرصات تفتقد للعدل والخبرة في تفسير الأحلام، وهذا يذكرني بحال بعض كتابنا - هدانا الله وإياهم - عندما ينبري للخوض والجدال في كل مسألة فقهية حديثة، وبعضهم ينقب في التراث حتى يقدح في مالا يوافق عقله وهواه!.

تفسير الأحلام سنة نبوية وهي هبة من الله يهبها لمن يشاء - شاء من شاء وأبى من أبى - والمعبرون فيها درجات من التمكّن والإصابة، والتعبير يزداد صحة وإصابة كلما ازداد المعبر فهما وحفظا للقرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك المعرفة باللغة والشعر والنثر والحِكم والأمثال ومعاني الأسماء والعلوم القديمة والحديثة.. الخ.

من الصحابة رضوان الله عليهم من فسر بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم كأبي بكر الصديق، ومن التابعين اشتهر سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين - كل الكتب المنسوبة إليه ليست من تأليفه - ومن بعدهم اشتهر الشهاب العابر والنابلسي والظاهري، وقبل الإسلام كان يوسف عليه السلام يفسر الأحلام وقد ورد ذكر ذلك في كتاب الله، وكذلك النبي دانيال عليه السلام.

بعد هذا كله يأتي من يتطاول على هذه السنة النبوية ويشكك فيها بسبب تمادي بعض القنوات الفضائية وطمع المرتزقة ودخول بعض المخادعين لمجال تفسير الأحلام وهم لا يجيدونها، أيضا تأخر الجهات الرسمية في وضع حد لهذا التلاعب بمشاعر الناس وأموالهم من أهم الأسباب التي جرّت على الأصحاب والجيران والأقارب والعائلات حتى بين الأب وابنه والزوج وزوجته والأخ وأخيه الويلات والفرقة وقطع صلة الرحم بسبب تمادي الدخلاء على هذا العلم.

حدثني أحد مفسري الأحلام المشهورين من الثقات بأن أحد المرتزقة وهو غير مسلم يدير أكثر من برنامج لتفسير الأحلام في عدة قنوات فضائية، بحيث تصله جميع الرسائل المدفوعة وهو يحيلها لمفسري أحلام مجهولين! ومن ثم يعيد التفسير إلى طالبيه، ولا يُعرف من هم المفسرون ومدى قدرتهم على تعبير الرؤى ولا عن صدقهم من كذبهم ولا حتى دينهم!، ودخل هذه الرسائل يقسم بين ذلك المدير والقنوات الفضائية وشركات الاتصالات المزودة لخدمة الرسائل التبادلية!!

وكما أن بعض القنوات كانت عاملا مساعدا لرواج عمل مرتزقة تفسير الأحلام، كذلك المتلهفون للتفسير وأكثرهم من النساء ساهموا بشكل كبير من خلال دفع مبالغ كبيرة بالاتصال المباشر وإرسال الرسائل التبادلية للقنوات الفضائية، وأيضا كانت المساهمة بالوثوق بكل من نصب نفسه مفسرا للرؤى والأحلام، وللأسف ان منهم من دخل من هذا الباب ليصل إلى مبتغاه الفاسد من أعراض النساء، وقد سمعنا وقرأنا بعض القصص المحزنة حول ابتزاز بعض الدخلاء على تفسير الأحلام لبعض الفتيات، ومع أنها قليلة الحدوث إلا أننا نتمنى أن يكون مصيرها إلى الزوال.

والواجب على الجهات الرسمية الحد من ظاهرة تفسير الاحلام لغير المرخص لهم من قبل وزارة الشؤون الإسلامية، ومن يجد في نفسه القدرة والعلم الكافي لتفسير الأحلام يتقدم بطلب الرخصة ليتم اختباره من لجان يجمع أعضاؤها بين الخبرة في تفسير الأحلام والعلم الشرعي، ومن ثم يطلق مسمى معبر الرؤى والأحلام على من يحصل على الرخصة، ثم تنشر أسماؤهم وأرقامهم عبر مواقع رسمية ليتم التواصل بينهم وبين الجمهور بطرق آمنة وغير مكلفة.