شهد المرفق العدلي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- بصفة عامة نقلة نوعية شملت جميع مرافقه وأعماله، حيث أولاه اهتماماً بالغاً نظير ما خصص له من ميزانية سخيّة، وتخطيط محكم، أسهم في تنفيذ مشروعات جبارة طبقت على أرض الواقع، أدت الى تحقيق القدر الأعلى من العدالة، وحفظت حقوق المتقاضين، وسرعة الفصل في القضايا، إيماناً وحرصاً منه لمكانة القضاء. 

ومما يدل على ذلك الاهتمام تلك القرارات الملكية السامية التي أمر بها منذ بداية عهده، فلم يكتف -حفظه الله- بمشروعه المبارك لتطوير مرفق القضاء، بل توالت عدد من تلك القرارات والأوامر المباركة لتحقق منظومة قضائية متكاملة في سبيل تطوير المرفق القضائي بشكل عام وبناء عهد قضائي جديد، ومن أهم ما أمر به أخيراً صدور أمر ملكي كريم بالموافقة على إنشاء محاكم متخصصة للتنفيذ، لعدد من مدن المملكة، مما له الأثر العظيم في رفع مستوى دوائر التنفيذ التابعة للمحاكم العامة إلى درجة محاكم متخصصة، وإسهاماً في خدمة المرفق العدلي بتسريع آلية عمله وإجراءاته لتحقيق العدالة الناجزة في إطار مشروعه المبارك لتطوير مرفق القضاء. ويعد قضاء التنفيذ من أهم ثمرات نظام القضاء الجديد، باعتباره المرحلة الأخيرة في العملية القضائية الكاملة، والذي حدد اختصاصات قاضي التنفيذ بحسب ما نصت عليه اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ بسلطة التنفيذ الجبري والإشراف عليه، ويعاونه في ذلك من يكفي من مأموري التنفيذ، وتتبع أمامه الأحكام الواردة في نظام المرافعات الشرعية ما لم ينص النظام على خلاف ذلك. وجاء قضاء التنفيذ ليزيل الكثير من التراخي والتجاوزات الذي كان يفقد أحكام القضاء هيبتها وقيمتها الحقيقية، حيث كان المتقاضون في السابق يعانون كثيراً في سبيل تنفيذ ما صدر لهم من أحكام ٍ قضائية، كما أن إنشاء تلك المحاكم المتخصصة للتنفيذ جاءت لتحل وتعالج جوانب القصور السابقة، مما تُسهم في تطويره وسرعة البت في الأحكام المتعثرة ومنحه استقلاليته الكاملة، وكذلك زيادة أعداد قضاته ومعاونيهم لاستيعاب الأحكام والقرارات المطلوب تنفيذها في ظل تزايد أعداد طلبات التنفيذ في المملكة.  

"الرياض" ناقشت مع عدد من المختصين أهمية تبعات إنشاء محاكم متخصصة للتنفيذ، والكشف عن جوانب القصور السابقة الذي كان يواجهه "قضاء التنفيذ" قبل تحويله الى محاكم مستقلة.

عهد جديد

وقال "محمد بن سعود الجذلاني" -محام وقاض سابق-: إن قضاء التنفيذ يُعد من أهم الإصلاحات القضائية التي حملها نظام القضاء الجديد، بعد أن كان الناس في السابق يعانون كثيراً في سبيل تنفيذ ما صدر لهم من أحكام ٍ قضائية، مما يدخل الكثير من التراخي والتجاوزات والقصور الذي كان يُفقدُ أحكام القضاء هيبتها وقيمتها الحقيقية، مضيفاً: "نصّت المادة (19) من نظام القضاء على إنشاء دوائر خاصة بقضاء التنفيذ داخل المحاكم العامة، وبناءً عليه باشرت دوائر التنفيذ في المحاكم العامة عملها الذي ظهرت آثاره المباركة الطيبة للناس بوضوح، وأصبحت إعلانات قضاء التنفيذ التي تطالعنا بها الصحف اليومية بالعشرات، تُمثّل في نفوسنا نحن الحقوقيين خاصةً والناس عامةً بشائر خير وأخبار سرور، ذلك لما لها من دلالة ٍعلى أن عهداً قضائياً جديداً قد بدأ، يحمل في طياته احترام وهيبة أحكام القضاء، وتحذير كل من تسوّل له نفسه المماطلة في تنفيذها أو الالتفاف عليها، ان العقوبة الرادعة له بالمرصاد، وأن يد القضاء أصبحت نافذة قوية تمتد إليه لتجبره على تنفيذ الحكم القضائي، بعد أن كانت في السابق تقتصر على مجرد إصدار الحكم"، مشيراً إلى أنه لم يطل الوقت على هذا التطور المشرق حتى جاء أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -أيده الله- الأخير بتحويل دوائر التنفيذ القضائي إلى محاكم مستقلة تختص بالتنفيذ، وتعامل معاملة المحاكم الأخرى من حيث استقلالها التام برئاستها ومبانيها وكوادرها، وكل امتيازات المحاكم المتخصصة المستقلة.

هيبة القضاء

وأوضح "الجذلاني" أنه بصفته محامياً وحقوقياً متابعاً للشأن القضائي، لمح ما ينطوي عليه هذا القرار بوضوح من أنه جاء على إثر ما لمسه خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بناءً على ما رُفع إليه من وزارة العدل من فاعلية وأهمية الدور الحيوي الرائد الذي أصبح يعمله قضاء التنفيذ، وما نتج عنه من آثار إيجابية كبيرة جداً على تطوير الأداء القضائي، وسيادة العدالة، وحسن سيرها، وحفظ الحقوق، وكذلك إضفاء الهيبة الكاملة على القضاء وأحكامه، مبيناً أن هذا القرار سيكون له الأثر الواضح الجلي على الارتقاء بعمل قضاء التنفيذ، وزيادة تمكينه من أداء دوره المشكور، واستقلاله بمحاكم خاصة يتناسب مع قوة الدور الذي يعمله، وما له من اختصاصات وصلاحيات واسعة وذات صبغة مختلفة عن سائر اختصاصات المحاكم العامة، مما يتطلب أن يكون له محكمة مستقلة، ذاكراً أنه سيكون لهذا القرار أثر -بإذن الله- على معالجة ما قد يكون من قصور في أداء قضاء التنفيذ في السابق، مشدداً على أن ما قد يحدث من قصور إنما هو نتيجة طبيعية لحداثة هذا النوع من القضاء، والحاجة إلى مزيد من الوقت لن يكون طويلاً حتى يستكمل قضاء التنفيذ استيعاب ما له من صلاحيات واختصاصات، وإن ما وصل إليه وحققه من نتائج إلى الآن تعد غاية في الأهمية والفاعلية مقارنةً بحداثة تطبيقه.

استقلال إداري

وأشار "الجذلاني" إلى أنه مما يثلج الصدر أن قضاء التنفيذ على أهميته وإيجابية آثاره، إنما هو جزء واحد من عدة إصلاحات ذات أهمية بالغة اشتمل عليها نظام القضاء الجديد، حيث أصبحنا نراها تأخذ طريقها للتكامل والتنفيذ، وتخوض عدة عوائق وصعوبات طبيعية حتى تصل إلى المستوى المأمول منها، مما يفرض أهمية التعاون مع وزارة العدل وديوان المظالم ودعمهما من كافة الجهات الحكومية وأهمها وزارة المالية، لتمكينهما من استكمال كافة جوانب هذا المشروع الإصلاحي الكبير.

وأكد "د.أحمد الصقية" -محامٍ وقاضٍ سابق- على أن الموافقة الملكية على رفع دوائر التنفيذ من دوائر تابعة للمحكمة العامة إلى محاكم متخصصة جاءت تماشياً مع التطور الحاصل في قضاء التنفيذ؛ مضيفاً أن المادة الثامنة من نظام التنفيذ تنص على أنه "للمجلس الأعلى للقضاء عند الحاجة إحداث محاكم متخصصة للتنفيذ"، مبيناً أن ذلك سيهيئ مساحة استقلال إدارية أوسع من سابقها، فعدد القضاة ومعاونيهم سيكون بطبيعة الحال أكثر، إضافةً الى زيادة التأهيل لهم، مما ينعكس بشكل مباشر على المستفيدين منه، ويسرّع عملية قضاء التنفيذ فتكون منسجمة مع أهم سمات نظام التنفيذ وهي السرعة، مشيراً إلى أن المادة الثالثة من نظام التنفيذ جعلت الفصل في منازعات التنفيذ مهما كانت قيمتها وفقًا لأحكام القضاء المستعجل.

جدية حاسمة

وتحدث "د.محمد المشوح" -مستشار قانوني- قائلاً: إن موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- على افتتاح محاكم للتنفيذ في عدد من مدن المملكة تشكل منعطفاً هاماً في الخارطة العدلية لبلادنا، مضيفاً أن قرار المجلس الأعلى للقضاء الصادر آنذاك بشأن إنشاء دوائر للتنفيذ في المحاكم العامة عملاً بنص المادة (19) من نظام القضاء، والتي أكدت على إنشاء دوائر متخصصة يكون من بينها دوائر للتنفيذ وصلت خلال فترة قياسية محدودة إلى أكثر من (160) دائرة للتنفيذ في محاكم المملكة، وهو تعبير واضح ورسالة قوية في الجدية الحاسمة نحو العناية بقضاء التنفيذ، مما أنتج ثماراً هامة وقدم خطوات رائعة في مسيرة القضاء الثقافي ونيل الحقوق، مبيناً أنه إذا كانت الأحكام خلال السنوات الماضية تشكو من ضعف التنفيذ بل وعدم فاعليته فإنه اليوم يدخل مرحلة جديدة حاسمة، ذاكراً أن من محاسن وآثار وفوائد تحويل الدوائر إلى محاكم هو استقلالها المالي والإداري، مما يمنحها نفاذاً أقوى وفاعلية أكثر، كما انه اختصار للجهد الإداري، حيث كانت تلك الدوائر في مسماها السابق ترجع إلى المحاكم العامة، أما اليوم فإنها تشكل محاكم مستقلة متخصصة متفرغة للتنفيذ، لافتاً إلى أن ذلك يُمثل تكريساً لمفهوم العدالة الناجزة، موضحاً أن ذلك سوف ينعكس أيضاً على هيبة القضاء واحترامه والخضوع والإذعان، وكذلك عدم السماح للمتلاعبين والمتجاوزين، ليكون للصكوك والأحكام الصادرة نفاذها، كما أنه يؤكد استقلال وفاعلية القضاء داخل المملكة.


د.أحمد الصقية

د.محمد المشوح

محمد الجذلاني