اعتدت دائماً على أن لا أقف في مساحةٍ لا يعشب فيها ظلّي، لهذا لم أرتدِ يومًا ثيابا غير ثيابي، ولم أنفعل بالسياسة أو التحوّلات والمتغيرات التي عبرت في التاريخ الإنساني، لكنني ككثيرين غيري نتساءل دائما عن سرّ هذا التدافع المحموم نحو التملك والسلطة والنزاعات.. أحيانا تنتابني غصَّة حياة حينما أنكشف على حقيقة الإنسان المفزعة على الأرض، (أكثر من قتل الإنسان الإنسان) يا لهذه الحقيقة المرعبة فالإنسان عدوٌّ أكبر لأخيه الإنسان فكل الزلازل والبراكين والفياضانات والحيوانات الجارحة المفترسة والزواحف السامة لم تقتل عُشْر مافعله الإنسان بأخيه على الأرض وكأنّ هذا الإنسان استأنس كل شيء في الطبيعة ونسي أن يستأنس نفسه، صادق الطبيعة بكل كوارثها وتكيّف معها لكنه عجز عن مصادقة أخيه الإنسان وشريكه في إعمار هذه الأرض التي خلقه الله لإعمارها واستخلافه فيها، رحل مُلاّك القرون الماضية الذين قاتلوا ونازعوا حتى امتلكوا.. لكن التاريخ يتكرّر دائما وكأننا لا نرى حقيقة الفناء التي نخطو لها منذ الولادة فنصارع ونقاتل متجاهلين أننا قد نمتلك كل شيء لكننا لا نمتلك حياتنا، وهو هاجس وقف منه الفلاسفة القدماء مواقف متباينة ومختلفة فمنهم من فكّر في (اكسير الحياة) الذي يمنح الخلود وكان مجرد وهم محض لأن حقيقة الفناء هي حقيقة الخلق حيث يفنى الناس ويبقى الخالق حي لا يموت.. ومع أن هذه الحقيقة من البديهيات في الوجود إلا أن التاريخ يكرر هذه النزاعات ويستعيدها دائما.. مهما تحضّر الإنسان وأدرك حقيقته هذه.. والأحداث التي تحيط بنا اليوم تعيدنا للتأمل في هذه السيرة المفجعة للإنسان على الأرض، فالخارطة تتغيّر والحكام يتساقطون.. والأثرياء يموتون والإنسان ذات الإنسان يخترع حجة للقتل والدمار والبحث عن الملك والسلطة ثم يتجاهل أنه لا يمتلك الحياة التي لا يكون كل هذا الملك وكل هذه السلطة إلا بها..

أعلم أن كل هذا لا يعدو كونه خواطر بديهيّة قد لا تغير شيئا من الواقع لكن ليس لمثلي أن يتجاهلها وقد ربّيت نفسي على الرضا دائما حين أقنعتها باستسلام وطمأنينة من أن كل ليل يسكنني موعود بالصباح ولو على سبيل المنال.. لهذا لا أستطيع تجاهل هذه الحقيقة أو القفز عليها وأنا أستمع إلى نشرات الأخبار تفتتح مادتها بالموت.. وتصدّر عناوينها بالدمار.. والمزعج فعلا في كل هذا أن الجميع يقتل وهو يكبّر.. والله بريء من هذه الجرائم وهذا القتال المسعور وهذه النزاعات البشرية التي لا تنتهي بانتهاء التواريخ ولا تحتفل بالعظة والعبرة ولا يعنيها إلا أن تحيا زمنها وتتجاهل حقيقتها.. ورحم الله شيخ الشعر الكبير المتنبي حينما قال:

كلّما أنْبَتَ الزمان قناةً

ركّب المرء في القناةِ سنانا..!