عند وقوع بعض الحوادث تستعيد الذاكرة الشعبية بعض الأحداث التاريخية ولكنها لا تستطيع الإلمام بتفاصيلها، فبعد حادثة الاعتداء الإرهابي الآثم الذي وقع قبل أيام على منفذ الوديعة على الحدود الجنوبية لبلادنا - والذي ذهب ضحيته أربعة من أبناء الوطن الميامين نسأل الله العظيم في هذا الشهر الكريم أن يغفر لهم ويرحمهم ويتقبلهم في الشهداء _ حضر في المشهد ذكريات وتساؤلات عن حدث تاريخي حدث في نفس المكان (الوديعة) وفي نفس الزمان (رمضان) ولكن قبل 46 سنة ألا وهو ما يسمى (حرب الوديعة) أو (يوم الوديعة) والتي يكثر الاستشهاد بها في قصائد الشعر النبطي منذ حدوثها إلى هذا اليوم منها قول الشاعر الكبير خلف بن هذال العتيبي:

يا الله النصر من عندك على المعتدي

مثل نصر السعودية بحرب (الوديعة)

والحقيقة أن الأجيال الناشئة تجهل كثيرا من تاريخ بلادها وبطولات الآباء والأجداد وهذا الحدث على الرغم من قربه الزمني مقارنة بغيره من الأحداث إلا أنه غائب عن ذاكرة الأجيال التي لم تعاصره ولذا سأحاول إيجاز هذا الحدث التاريخي من المصادر الرسمية الموثقة حيث صدر بيانات في ذلك الحين من وزارة الداخلية ومن القوات المسلحة أشير فيها إلى أنه في صباح يوم الأربعاء 17 رمضان 1389ه الموافق 26 نوفمبر 1969م اعتدت قوة من سلاح الجنوب العربي التابع لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية - والتي لم يمض على استقلالها عن بريطانيا في ذلك الحين إلا سنتان فقط، حيث تسلم السلطة فيها (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن) وهي منظمة شيوعية ثورية مدعومة من الاتحاد السوفييتي – اعتدت تلك القوة اليمنية التي تدعمها السيارات المصفحة والدبابات وسيارات تقل الجنود بلغ مجموع عددها 80 سيارة على مخفر (الوديعة) السعودي الذي كان يبعد عن (شرورة) 30 كيلو متراً وعن (العبر) مركز الحدود اليمني 75 كيلو متراً في حين تقع الحدود السعودية اليمنية في منتصف المسافة بين الوديعة والعبر تقريباً وفي هذه المنطقة بالذات لا يوجد أي خلاف على الحدود إطلاقاً.

لقد تم الاعتداء بصورة مفاجئة ودون أي مبرر والجيران قد استأمنوا جيرانهم ولذا كانت حامية هذا المخفر لا تتجاوز 26 جندياً من حرس الحدود مهمتهم منع التهريب وإرشاد القوافل المارة، ولكن أولئك الرجال البواسل قاوموا تلك القوة الغاشمة بكل قوة وشجاعة وبعد قتال عنيف تمكنت القوات المعتدية من احتلال المخفر.

فصدرت أوامر الملك فيصل رحمه الله مباشرة بتحرك القوات المسلحة لاستعادة المخفر من أيدي المعتدين، وكان لسلاح الجو الملكي السعودي حضوره في هذه الحرب حيث شن غاراته على القوات المعتدية ابتداء من يوم السبت 20 رمضان الذي اشتبكت فيه قواتنا البرية في معركة شديدة كان النصر حليفها، ثم استمرت المعارك البرية والغارات الجوية حتى تم يوم الجمعة 26 رمضان 1389ه الموافق 5 ديسمبر 1969م عندما تم تطهير الأراضي السعودية تطهيراً تاماً بعد أن كبدت المعتدي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وتمركزت القوات السعودية على الحدود بعد أن صدرت أوامر الملك فيصل بالوقوف عندها وعدم التوغل داخل الأراضي اليمنية تقديراً للأخوة والجوار التي لم يقدرها المعتدون.

بعد هذه الحرب التي لم تستغرق إلا أياماً معدودة تجلت فيها صور البطولة السعودية رددت المملكة من أقصاها إلى أقصاها خلف الشاعر عبدالرحمن بن صفيان قصيدته المشهورة:

نحمد الله جت على ما تمنّى 

من ولي العرش جزل الوهايب

خبّر الّلي طامعٍ في وطنّا 

دونها نثني إلى جت طلايب

حيث أفادني أحد الأصدقاء أن هذه القصيدة ولدت في أعقاب حرب الوديعة وليس لدي ما يؤكد ذلك، وإن كان ذلك غير مستبعد لأنها قيلت في عهد الملك فيصل، فلعل أحد القراء المطلعين يؤكد ذلك أو ينفيه.