يقولون:

هام، بأفريقيا، عاشق، في ضمير البحار، وغاب

يغلغل، في الأفق،

أسود كالقار، عريان، يلطم صدر العباب

يطير مع الوهم، تركض عيناه،

ينصل من سدفي الإهاب

أضاع، على الموج، أيامه،

فكان رحيلاً، بغير اياب

مكادي! أنا، والشراع الصديق، وقيثارتي:

غربة وارتحال

شددنا إلى البحر،

والبحر في الزرفة الأبدية، قبر الرجال

تميل بنا نزوات الرياح

بأنوائها، الصافرات الصخاب

شددنا.

عيوناً، وخفق شراع صديق، وقيثارة من عذاب

ف«سيزيف» من قبل، شد إلى الصخرة الجامدة

تسلق، يحمل أثقال خيبته الخالدة

مكادي! أنا بعض «سيزيف» بعض الذين كابده

فرغت على الزرقة الأبدية،

قلباً هشيماً وروحاً خراب

تسلقتها، لجة وعرة، وارتميت عليها،

عصيَّ الرغاب

مكادي! أنا بعض «سيزيف» بعض الذي جالده

يطاردني اليأس، دامي السياط، كما طارده

مكادي! هما: الصخر والعقم في لجتي الصاعده

هما الصخر والعلم،

هزها حقدها الزبدي

فثارت غضاب

منافقة، تكتم السخريات،

وتطفو، بزرق الصحارى، سراب

ودرب البحار، بأبعاده،

قديم المتاه، قديم الضلال

ركام سماء رمادية

وزحف ظلال، وراء ظلال

وليل البحار، بآباره السود

عمق تفجر نبع ضباب

مكادي! ترنحت، وانهدمت جبهتي الصامدة

وظلت عيوني، تحدق في العتمة الوافده

ولم يبق في الكأس، من قطرة واحده

أنا، والشراع، وقيثارتي غربة وارتحال

افتش عن وعلة، خبأتها أقاصي التلال

على جيدها، أتلعت كبرياء المروج، اختيال

وتفلت، فوق النسائم، مذعورة شاردة

أنا: وعلتي كل أيامها، وجل، أو دلال

ربيعية العشب، تعبق أنفاسها الراغدة

أفتش عن شهرزاد برونزية،

طوقتها كنوز البحار

مضمخة جسداً حر كالصيف،

جم الحنايا، لفيف الثمار

رخامية الصدر، في قبتي لذة، ناهدة

تصب عتيق لمأدبة واجدة

وتكنز، من كرز، شفتيها للهفة قبله

لوهلة حب، لومض لقاء، لرشفة تله

وسادتها الورد، في ألف ليلة حلم، وليلة

تخبئها الجزر النائيات،

وتغفو بها، لهفة وانتظار

بقرطين يرتجفان، بشلال شعر بهيم،

بضافي إزار،

بكسرة هدب، بأغوار عينين، عاشقتين

سراجين، زيتهما الحب، أعطى الهوى شعلتين

حكاياهما: غزل مسرف

طري الحروف، شجي الحوار

وتسألني كل أفريقيا، يا مكادي،

لم أنت تطوي البحار؟؟

أفتش عن شهر زادي!

وعن قطعة، من فؤادي!

أفتش عنك، مكادي!!

ڤڤڤ

مكادي! أيا جنة الحب، في الجزر الرافدة!

أيا عطش الراحلين إلى النبعة الباردة!

هبطت، إلى الجزر الحالمات

وغصت بعيداً.. وراء المحار

وقلبت عنك المرافئ،

أبحث، اسأل، انثر فيك النضار

وأغرقت ضوضاءها،

برخيص الخمور يسيل، بعنف الشجار

وألقيت كل شباكي

وألقي، عرائسة، البحر، بيضاً حزار

على أي أرض، يغني، مع الفجر، إنسانها؟

بأي الشواطئ، تكتظ في الشمس، ألوانها؟

توسدت عرش البحار؟

بأي محار

مكادي! بأي قرار؟

لابي غينيا

29/5/1960م

ولد عبدالباسط بن محمد أبي الخير الصوفي سنة 1931م في مدينة حمص في دار أسرته بجانب جامع آل الصوفي بمحلة ظهر الغارة، ولما بلغ سن الطفولة أدخل المدرسة الابتدائية الخيرية الأميرية (وهي مدرسة المأمون حالياً) وبعد ان فاز بالشهادة الابتدائية سنة 1943م (التحق بالمدرسة التجهيزية بحمص فنال الشهادة المتوسطة سنة 1946م والشهادة الثانوية سنة 1950م ثم عين معلماً في مدرسة قرية عز الدين، ثم مدرساً للغة العربية في متوسطة قرية فيروزة وفي سنة 1952م انتسب إلى المعهد العالي للمعلمين ونال شهادة الليسانس في الآداب سنة 1956م ثم واصل مهنته التدريسية في مختلف الثانويات في دير الزور وحمص حتى شهر شباط 1960م حين أوفدته وزارة التربية والتعليم في بعثة إلى غينيا لتدريس العربية فتوفى في كوناكري في 20 تموز سنة 1960م، مات منتحراً في المستشفى الذي نقل إليها أثر إصابته بانيهار عصبي شديد سبقه عدة محاولات انتحارية مؤثرة، وقد نقل جثمانه بحراً ودفن في مسقط رأسه حمص بعد شهرين من وفاته.

وهكذا نرى ان حياة هذا الشاب في خطوطها الكبرى حياة عادية لا تخرج عن حد المألوف، ولكن بقدر ما تحتوي هذه الحياة من رتابة ونمطية في الظاهر فهي غنية، جياشة، صاخبة في الداخل، وقد يعجب المرء عندما يطلع على الآثار التي خلفها هذا الأديب من خصب هذه الحياة - على قصرها - ومن عنفها وحيويتها.. صدر له ديوان (أبيات ريفية 1961م) عن دار الآداب بيروت.