الأشياء إلى والي العباد تصير

ولا عن مقادير الإله مطير

الايام غمسٍ والليالي حوادث

ولا من دواهي رميهن خفير

تجيه على غرٍ وهو ما درى بها

ولا جاه من طارش ونذير

فيا من لقلبٍ من زمانين كنه

يسط بزين الرونقين طرير

وعينٍ لها في لذة النوم حارب

لكن يحشا جفنها بذرير

إن كان قبل اليوم في حد راحه

وسرحي مغرٍ وارد وصدير

وقد هاض ما كنيت طرسٍ مورخ

لفاني كما كتف الغزال جهير

لفا من صديق عنا مغرب(1)

غدا في مغادٍ لمهن عسير

ولا كان بادانا بالاجناف والهجا

وهو تايهٍ ماله جدا ومشير

فقم أيها الغادي على ظهر هرقل

لها الأنس في بعض الحزوم يذير

عفا غير شيل يهاب الشراب ومزهب(2)

ومن فوق مريوش العظام نجير

الى سرت من وادي الوشم مشمل

اجارك من سو الليالي مجير

دع الجدي باليمنى شمالٍ وحثه

يتجاوز لقفر موحش وخطير

إلين تلفي بدار آل عمر قبايل

لكنك يا والي النجير بشير

وسايل عن ازلامٍ شادو بوجههم

كما سال مشفوح الذهيب بعير

فقل حاضرٍ ياباشهاب بقضوه(3)

ولا حل من فوق النجيب بخير

الشاعر:

جاء في تقديم النص"قاضاه المشنق" وجاء في مخطوط ابن لعبون "وأمروا شاعرهم المشنق يجاوبه"فلم أجد من سماه بغير هذا وهو معاصر للشاعر حمد الوايلي الذي رجح لدي أنه كان حياً في عام 969ه وبالتالي يكون شاعرنا من أهل القرن العاشر الهجري.

مناسبة النص:

تناولت في الجزء الأول قصيدة الشاعر حمد الوايلي وذهابه لحوران ومن ثم إرساله قصيدة بعد سنوات إلى أبناء عمومته في بلدة حرمه وقد جاء تفصيل ذلك في مخطوط ابن لعبون في الأنساب حيث ذكر أنه بعد ورود قصيدة حمد الوايلي أن رفاقته حنو عليه وأمروا شاعرهم المشنق يجاوبه بالشعر الذي يقول فيه:

يوم أنت في حوران تتلي مطابخ

وأكلك من خبز الهنود خمير

ونحن نصالي في سدير قبايل

نعدل في ميلاتها وندير

ونصبر على أكل الهبيد وخلطه

قصيل وعيد المحصنات شعير

ثم ان الشاعر حمد الوائلي عاد غاضباً فسكن في المجمعة وبعد ذلك مشوا إليه جماعته وأرضوه ورجعوا به معهم إلى حرمة على وقار وحشمة.

دراسة النص:

اعتمدت هنا على ما جاء في مخطوط الحساوي والقصيدة في بعض المصادر أطول مما أوردت وتختلف في عدد أبياتها وفي مفردات وسياق كل بيت من مصدر لآخر ولعله أدخل فيها ما ليس منها كسابقتها قصيدة حمد الوايلي ويلاحظ أن في صورة مخطوط الحساوي التي لدي قطع بعد أبيات النص المذكورة مما يقوي الشك أن أصل مخطوط الحساوي يشتمل على بقية الأبيات التي لم تظهر في الصورة، وهناك بعض المخطوطات التي تشتمل الجزء المفقود ولكن عند التدقيق والفحص يقوى الشك في إدخال بعض الزيادات على أبيات النص، لذلك اكتفيت بالجزء الموجود في الصورة فقط، وقد بدأ الشاعر قصيدته مؤكداً أن كل شيء في هذه الدنيا مرجعه إلى الله عز وجل فقد جعل لكل شيء قدرًا وليس هناك من يستطيع الهرب من قدره وأن الأيام والليالي حبلى بالحوادث وليس هناك حارس منها فهي ترمي بمصائبها على حين غرة ودون سابق إنذار، ثم يتحدث الشاعر عن نفسه وشعوره بالألم وكأن قلبه يضرب بسيف ذي حدين قاطع وأنه قد حيل بين عينه وبين لذة النوم وكأنها قد ملئت بالفلفل الحارق فلا يغمض له جفن، وقد كان قبل هذا اليوم يعيش في راحة بال وطمأنينة وليس هناك ما يكدره قبل هذه الصحيفة المكتوب عليها والتي تشبه ببياضها الناصع عظم كتف الغزال وقد وصلته من صديق له اغترب عنهم (يقصد حمد الوايلي) الذي سلك مسالك بعيده يصعب معها الوصول إليه وكان في رسالته مغاضباً ومعاتباً لهم، وهو ما يعتبر من قلة الرأي والحكمة، ثم ان الشاعر يوجه خطابه للنجاب الذي يمتطي ناقة ضخمة سريعة العدو في طبعها وحشة حتى من مشاهدة الناس في المرتفعات الصغيرة، وأن ليس عليها سوى آنية حفظ الشرب وبعض الحاجيات والمقعد الخشبي الذي يجلس عليه الراكب ثم يحدد انطلاقته من وادي الوشم باتجاه الشمال ويأمره أن يضع نجم الجدي جهة يده اليمنى أي يقصد الشمال الغربي (وهنا دلالة تؤيد دلالة النص أنه قصد حوران ولم يقصد العراق كما تقول بعض الروايات) وعليه أن يغذ السير حتى يتجاوز تلك الصحراء الخالية كثيرة المخاطر ويصل ديار آل عمر ثم يسأل عن (حمد الوايلي) ويحرص على ذلك مثل ما يكون حريصاً من ضاع له بعيراً في السؤال عنه، وأن وجده فليبلغه بأن الشاعر المشنق سيقاضيه على ما قاله قبل أن يضع رحله.

الهوامش:

1-اضطراب الوزن في صدر البيت نتيجة سقوط مفردة، وبدلالة السياق المعنوي وانضباط الوزن يرجح لدي أنها(راح) فيكون(لفا من صديقٍ راح عنا مغرب).

2-اضطراب الوزن في صدر البيت نتيجة زيادة مفردة وبحذف (يهاب)ينضبط الوزن.

3- هنا دلالة لغوية على قدم استخدام كنية (أبو شهاب) لمن اسمه حمد وأن إطلاقها كان سائداً في نجد في القرن العاشر الهجري مثل ما هو سائد الآن في الإمارات العربية المتحدة.


نص المشنق في مخطوط الحساوي

مناسبة النص في مخطوط ابن لعبون