ضجرت من تلك المدينة، ضجرت من صيفها، تذكرت انها أيضا قاسية في الشتاء، لكنّ الشتاء لم يكن يصيبها بالضجر. الشتاء قاس فحسب، قالت لنفسها، وهذا الأمر في اعتقادها لا يصنّف كانحياز للطقس البارد. كانت دقيقة في مشاعرها وحاولت فرزها وتسمية أحاسيسها بأسماء مناسبة.

نهضت وسارت في طريق تسلكه لأول مرة. كانت تتحاشى النظر إلى الوجوه العابرة بل وتتحاشى حتى الحديث مع نفسها.

وجدت كرسيّاً فارغاً فجلست كما لو أنّ ذلك الكرسي كان يتفهم حالتها. أخرجت الكتاب، رفيقها الدائم، وقرأت منه بضع صفحات ثم توقفت. نهضت فجأة وأخذت تمشي بسرعة متناهية متجهة إلى النهر. فجأة، فكرت ثم تعمّقت في فكرة المكان المؤذي، مشاعر الآخرين التي تؤذي، الحبيب الذي يؤذي. تنهّدت وألقت في النهر حجراً فتشكلت دوائر مائية سرعان ما تلاشت فظنت أن النهر هو الآخر ضجر.

أخذت ترمي في النهر الممتدّ أحجاراً صغيرة وكلما تلاشت الدوائر المائية رمت حجراً آخر. انتابها إحساس بالبهجة وهي آخذة في رمي تلك الأحجار.

شعرت انها تشبه النهر وأن أذى الآخرين يتلاشى في دواخلها. ابتسمت وهي تستشعر شبهها بالنهر وأنّ الأذى والضجر لا يعلقان بأيّ منهما. تأملت النهر وراودتها رغبة أن تتقدم في خطوها إلى الأمام كي تبلل قدميها بالماء. عندما غمر الماء قدميها داهمها شعور طفولي لذيذ. شعور خالطه إحساس أن الأشياء لا تُخبأ. إنها تظل مفضوحة كحال قدميها، لكنها، فجأة، شعرت بانقباض في صدرها وبإحساس عدواني تجاه النهر. إحساس بغيض لم تعرف مصدره ولا كيف تشكل بتلك الصورة المرعبة.

لم تعد تشعر بالضجر ولا بحرارة الصيف بل صارت تتفحص الماء في محاولة لأن تسبر غوره، وشعرت بأن هذه الزرقة زرقة سافلة وحقيرة وانها رمز للخداع. بدا لها أنّ النظر إلى النهر بتلك الرومانسية إنما هو عار على مشاعرها.

انسحبت من المكان. لم تحاول الالتفات إلى النهر. تركته كما لو أنه حبيب لا يستحق الوداع وتركت لخطواتها حريّة أن تتجه بها دون نوايا.

مشت متمهّلة وصارت تتفحص الوجوه العابرة متسائلة، بينها وبين نفسها، أيّ من تلك الوجوه تشعر بالضجر؟ الشابات؟ الشباب؟ كبار السن؟ أولئك الذين انتصف بهم العمر؟  لكنها تخلت عن هذا التأمل.. خافت أن يتشكّل لديها شعور تجاه الوجوه كما حدث مع النهر.

توقفت وتنهدت. رأت مقهىً خاليا من الناس فاتجهت إليه. أخذت مقعدها وعندما تقدم الجرسون نحوها سألته بطريقة بدت صارمة: ما الضجر؟

ارتبك الرجل واندهش ليس من سؤالها بل من طريقتها في طرح السؤال، من ملامحها الساخنة، كما لو كانت قد ارتكبت جناية وجاءت إلى المقهى لتستريح. لاطفها الجرسون بابتسامة ثم سألها عن مشروبها، لكنها أعادت عليه طرح السؤال. كان صوتها هذه المرّة عميقا وهادئاً: لو سمحت أخبرني ما هو الضجر في تصورك؟

شعر بالارتباك وهو يتأملها. حائرة، صامتة، تحمل ملامح من هو مهيأ لفعل غير متوقع. كانت أشبه بالغريقة التي سوف تنقذها إجابته. زاد ارتباكه وهي تنتظر تفسيره. تعطل تفكيره وشعر بالبؤس إذ هو لا يملك إجابة لسؤالها المفاجئ والمربك هذا. كاد أن يتراجع إلى الوراء وينسحب.

رأى فيها امرأة مهووسة، غير أنه عندما تعمق في النظر إلى وجهها، لمح دمعة تسيل على خدها. كبر في داخله تعاطف طارئ تجاهها. شعر بالعجز وهو يفتش عن إجابة ترضيها وتقنعها بل أكثر من ذلك إجابة من الممكن أن تدهشها، لكنه لم يجد أي معنى يمكن به تفسير الضجر. في تلك اللحظة لام نفسه على كونه لا يقرأ كُتباً ولا يشاهد أفلاماً بحرص وجدية. لو أنه كان يفعل لاستعار إحدى الجمل من تلك الكتب والأفلام.

أرخت رأسها وصارت تنظر إلى الأسفل. تهيّب من منظرها. إنها تجلس بطريقة مأساوية مهيبة كما لو أنها كانت تنتظر إلهاماً منه. تلفت في أركان المقهى. لو أن زبونا يدخل الآن وينهي هذا المشهد المربك وحيرته المخجلة تلك.  تمنى لو يأتي ذلك الزبون المثقف الذي اعتاد ارتياد المقهى صباح كل يوم. لكان أرشدها إليه فحتما كان سيجد إجابة لمعنى سؤالها عن الضجر.

بتمهل حركت الكرسي، نهضت، تأملته بصمت وضمّت الكتاب إلى صدرها. خمن انها ستحدثه عن الضجر أو أنها ستعيد طرح السؤال مرة أخرى أو لعلّها ستتخلى عن سؤالها المريب وتطلب منه مشروباً كما يفعل كلّ روّاد المقهى عادة.

أحس أنها قريبة جداً منه. قريبة إلى الحدّ الذي شمّ فيه رائحة عطرها وسمع صوت أنفاسها، بل زعم أنه شم فيها رائحة الضجر.

لم تتكلم. برفق أخذت طريقها في محاذاته. ظنّ أنها ستتجه إلى دورة المياه، لكنها واصلت خطاها إلى الخارج. مضت وهي تسير بخطىً، هادئة، رتيبة، وتلاشت في الزحام.

راقبها حتى غابت. كان مذهولاً ومتوجساً ومندهشاً. اغتمّ فجأة. شعر في تلك اللحظة بضيق المكان وبجفوة غريبة إزاء كل شيء. شعر بأنه يغرق في حالةٍ ما. كأنه يبتلّ تدريجياً.

غمره، حينها، إحساس قاتل ودون أن يسمي ذلك الإحساس أدرك أنه الضجر.