في زمن الحرب الباردة العربية، كان بعض المنخرطين في تلك الصراعات يسأل لماذا لا تقوم انقلابات في أوروبا وأمريكا أسوة بما يجري في البلدان العربية والعالم الثالث؟

وهو على سذاجته لا يدرك أن الفوارق بين النظم الديمقراطية وحديثة النشأة، أو المتخلفة في الواقع الحقيقي متباعدة تماماً عندما تحكم دول بنظام الاقتراع، وأخرى بنظام الثكنة العسكرية، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تقوم حرب مدمرة بين هندوراس، والسلفادور في أمريكا الوسطى بسبب من يتأهل منهما لكأس العالم لكرة القدم، وتقود هذه المسألة إلى مشكل دولي بسبب حماقات سياسية أدت إلى مشكل عسكري وسياسي، وكاد الخلاف بين الجزائر ومصر على حدث مماثل أن يخلق قطيعة بينهما بسبب نفس اللعبة لولا تدارك الأمر بعقلية مختلفة وازنت بين الأمور، وحُسمت لصالح العلاقات الأخوية الراسخة..

على النقيض من ذلك أسست مباراة بين فريقين أمريكي وصيني في كرة المضرب لمرحلة فتح أبواب الصوالين السياسية التي ظلت مغلقة، فبدأت مباحثات على أعلى السلطات، فكان التعاون وإنهاء التوترات وخلق أجواء عمل مهمة أنهت أسطورة الايدلوجيا لصالح المستقبل البعيد، والمصالح المشتركة..

تحدث خلافات وحروب لأسباب متعددة، كالحدود أو أوضاع الأقليات دينية أو عرقية، أو أي مبررات تدفع بالدول والمجتمعات لتنمية المشاعر الشعبية وتهيئتها للعداء بما يشبه غسل الأدمغة، ولذلك ظلت تلك الدول تُسقطها خلافاتها، وتصبح بؤراً لتدخلات إقليمية أو دولية ما أضاع عليها فرص بناء ذاتها بروح التعايش والحقوق المتساوية..

في دولنا العربية، وعلى مدى نصف قرن أو أكثر تصاعدت الخلافات وذهب المواطن ضحية سوء الإدارات السياسية، وكلنا يتذكر حروب الإعلام، والفصل بين نظام وآخر لمجرد أنه يلتقي مع الشرق الاشتراكي ضد الغرب الامبريالي حتى أصبحت تلك التعابير شعارات انقسمت حولها الجماهير، تظاهرت وتصادمت بدعم مبرمج مع السلطة التي تتبع تلك الجهة أو ضدها، ولا تزال الأزمات تتصاعد لدرجة أن زوال الخلاف على المعسكرين جاء بديلاً عنه تطرفٌ قومي وديني ومذهبي، وتحولنا من المناوشات على منابر الإعلام، إلى الاقتتال بالأسلحة، وهو طور جديد يشهد بأننا بلا مشروع سياسي أو تنموي، واجتماعي يحقق لنا بعض الانفراجات الشعبية بين مواطني الدولة الواحدة، بل وهناك خلل بنيوي لم يعالج واستمر مرضاً عاماً منتشراً..

هذه الأنماط والنماذج من دورة الخلافات، أسبابها وتفجرها، تجبرنا على النظر إلى الخلاف بين قطر والإمارات وكذلك خلاف قطر مع العديد من الدول العربية الأخرى، وهل هذا ناتج عن قناعة ذاتية بحيث ترى سلامة سياستها لكن دون أخذ الاعتبار للطرف الآخر سواء من تجمعه معها عروق وجذور وتقاليد إلى آخر السلسلة التاريخية، أو تصلها بجغرافيا المنطقة وتراثها ونواتجها السلبية والإيجابية؟

القرضاوي فجّر الخلاف، لكنه بدون أن يحمل الإذن المفتوح لا يمكنه استغلال خطبة المسجد أو الإدلاء بتصريحات تمس الآخرين بما فيها بلد المنشأ له، لكن الحكمة تقتضي أن لا يكون سبباً في مشكل بين بلدين لديهما تطلعات مختلفة، ويجمعهما إطار أهم من أفكار وآراء شخص مؤدلج، وبالتالي فإن التعامل مع الأمر بمبدأ المصلحة أهم من الاستمرار فيه، وهذا عائد لقادة البلدين في التفكير بالنتائج، وإزالة الأسباب كعنوان لأخوة قائمة وثابتة..