لا يصدق البعض أن عددا من المناطق في شمال أمريكا التي تتعرض الى موجات برد قارسة لا تستطيع الدببة القطبية تحملها. فكيف بسكان هذه المدن او الطلبة المبتعثين الذين اعتادوا على حرارة الاجواء في المملكة. حيث يدرس مئات المبتعثين في عدد من الجامعات التي تقع في مدن كندية تتعرض الى الموجات القارسة. ويركز هذا التقرير على طبيعة حياة المبتعثين والمبتعثات في فصل الشتاء في كندا وأبرز المعوقات كوصول درجة الحرارة الى 50 تحت الصفر، لتتحول المدن التي تصل فيها الحرارة صيفا الى 40 درجة الى مناطق قطبية في الشتاء. فيقوم المبتعثون بممارسة الانشطة في الأماكن المغلقة، وتجنب الخروج في البرد, ويواصل الاخرون دراستهم في الاجواء شديدة البرودة، ويتعرض البعض الى مواقف طريفة ومبكية أحيانا. وإن لم يستطع المبتعث حماية أطرافه قد يتعرض الى عضة الصقيع والتي قد تؤدي الى بتر الاطراف.

أماكن مغلقة للأنشطة

منتظر آل الشيخ المبتعث لمرحلة البكالوريوس في تخصص المحاسبة يقول انه بسبب برودة الأجواء في مدينة سدبري الكندية فإنه يقضي أغلب أوقاته في الدراسة في مقر الجامعة، إلا انه يمارس عددا من التمارين في الصالات الداخلية المغلقة، مشيرا الى انه من هواة رياضة المشي لكن برودة الاجواء تمنعه من ممارسة هوايته.

الثلوج تعيق الحركة وممارسة الرياضة وتفرض ملابس محددة.. وتجبر الطلبة على الحيطة والحذر

عضة الصقيع

ويحذر استشاري طب الطوارئ في مستشفى فانكوفر الدكتور محمد ابو عيش من ما يسمى ب (عضة الصقيع- Frostbite Bite) والتي قد يتعرض لها المبتعثون في حال عدم ارتدائهم الملابس الشتوية المناسبة في الاجواء شديدة البرودة (عادة في درجات الحرارة التي تقل عن ١٠ درجات تحت الصفر) وعدم تغطية المناطق البعيدة عن مركز الجسم والتي يقل فيها تدفق الدم مثل أطراف الأصابع والأذان والانف وكذلك الأرجل. مشيرا ان علامات (عضة الصقيع - Frostbite Bite) تبدأ بإحساس الشخص بتنميل يصاحبه تغير في لون الطرف مع نقص الاحساس بالمنطقة ومع مزيد من التعرض للبرودة يبدأ الشخص بالشعور بآلام شديدة او حرقان مع حصول تورم في الجلد وظهور بثور عليه. مشددا على ضرورة الاسراع بالذهاب الى الاماكن الدافئة في حال احساس الشخص بهذه الاعراض وازالة الملابس المبللة واستبدالها بملابس جافة وتدفئة العضو المتضرر باستخدام ماء دافئ وليس حارا وعدم دلك او فرك العضو وعدم استخدام حرارة مشعة مثل المصباح او المدفأة في إعادة تدفئة العضو لان ذلك قد يؤدي الى زيادة الضرر، والأفضل بعد البدء بهذه الإسعافات الأولية الذهاب الى قسم الطوارئ بأقرب مستشفى مؤكدا في نفس الوقت ان اغفال الآلام والتنميل وتغير لون الجلد واستمرار التعرض للبرودة قد يؤدي الى مضاعفة الأمر وقد ينتج عن ذلك موت الخلايا وبتر العضو او الطرف.

د. أبو عيش: إغفال عضة الصقيع قد يؤدي إلى بتر الأطراف

المضحك المبكي

ويروي منتظر آل الشيخ موقفا طريفا ومبكيا في نفس الوقت حيث كان يقود سيارته بمفرده بإحدى الطرق السريعة في وقت متأخر من الليل وبسبب كثرة الثلوج وبرودة الجو تعطلت سيارته. وعلق في الثلوج ولم تكن هنالك أي تغطية لجهازه الخلوي. فلم يكن له خيار سوى طلب المساعدة من السيارات على الطريق السريع. فصار يلوح بيده حوالي ساعة كاملة، وبالكاد توقف له رجل كندي وطلب منه نزع ملابسه للتأكد من انه لا يحمل أي سلاح او يشكل خطر عليه. وأخيرا ساعده الرجل بإخراج السيارة من الثلوج وتشغيلها.


بحيرة متجمدة تماما

الإرشادات

ويقول المبتعث بدر غندر أن أفضل الطرق لأخذ الوقاية من البرودة الشديدة هي الأخذ بإرشادات الجامعات والمدارس وكذلك الحكومة الكندية، مشيرا ان الجامعات الكندية تعطي الطلاب المبتعثين ارشادات خاصة للتعامل مع الأجواء في المدن الباردة وطرق توخي الحذر. وتتعدد كذلك القنوات التي توفر آخر المستجدات والتحذيرات التي يتابعها المبتعثون كوجود قناة تلفزيونية وكذلك في الراديو على مدار الوقت لتبث التوجيهات والتحذيرات، بالإضافة الى الحسابات المتخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي. وينصح المبتعث بندر جميع المبتعثين القادمين الى كندا على الحرص من خلال اقتناء الجاكيت والحذاء (بوت) من كندا، مشيرا ان البضاعة في المملكة ليست مخصصة لتجنب شدة البرد في كندا التي تصل الى سالب 40 درجة مئوية في بعض الأيام.


الاطفال يمارسون يومهم الاعتيادي في فصل الشتاء

في البرد.. الخطأ بعشرة

عاد المبتعث بندر من التسوق وأنزل جميع المستلزمات للمنزل، وكانت درجة الحرارة ذلك اليوم 35 تحت الصفر، لكنه نسي اخذ كرتون الكوكاكولا. ولم يكتشف ذلك الا عندما رجع الى سيارته في اليوم الثاني صباحا ليجد ان ٢٤ علبة كوكا كولا قد انفجرت من برودة الأجواء وانتشرت في كل مكان داخل الشنطة.

صعوبة السياقة

أبرز ما يعانيه السائقون في البرد هو تجمد بطارية السيارة والمحرك أيضا. لذلك يستعين المبتعث بندر بجهاز تسخين للسيارة بحيث يتم ايصال السيارة خلال الليل بالكهرباء. إلا ان السياقة تكون آمنة على حد قوله مشيرا ان الانظمة توصي بترك مسافة كافية بين السيارات تحسباً لأي انزلاق. مضيفا ان الحكومة الكندية تجبر السائقين على استخدام الاطارات الملائمة للثلوج وقد يتعرض المخالف لدفع مبالغ عالية كغرامة. إلا ان السيارات الحكومية تعمل على مدار الساعة لإزالة وابعاد الثلوج عن الطرق. فلو تعرض السائق لحادث بسبب كثرة تراكم الثلوج يستطيع بذلك مقاضاة الحكومة على تقصيرها ويحصل على مبالغ تعويضية عالية اذا ثبت القصور ذلك.


عضة الصقيع

التدفئة

المعاناة من الجو البارد داخل البيوت ومباني الجامعة والاسواق والمجمعات تكاد تكون معدومة بسبب توفر التدفئة المناسبة، لذلك يقوم المبتعثون بخلع الجاكيت او ملابس البرد الخاصة اثناء الدوام او في المنزل، لان الجو مهيئ للعمل والدراسة فتكون الصعوبة في التحرك خارج المباني واثناء القيادة او الخروج من المنزل وانتظار الباص.

التأقلم يأتي مع الوقت

التأقلم مع الأجواء شديدة البرودة ليست بالصعبة فتقول المبتعثة اماني شاعر (ماجستير فيزياء طبية) انها استطاعت التأقلم مع برودة الجو في المدينة التي تقطن فيها، حيث مضى على قدومها حوالي ثلاث سنوات، استطاعت خلالها تعلم القيادة والحصول على الرخصة الكندية، لكنها تتجنب القيادة في وقت الثلوج، لكنها تستخدم المواصلات العامة بدلا عن ذلك.


المبتعث بندر غندر

ميزانية خاصة للملابس الشتوية

وتضيف المبتعثة اماني ان الملابس الشتوية تتكون من جاكيت وبنطلون وقفازات وقبعة وكذلك بوت خاص للثلج، وفي كل شتاء تقوم بشراء الملابس الشتوية المناسبة لدرجة الحرارة التي تصل الى 40 تحت الصفر. فيدفع الشخص حوالي 400 دولار كندي لشراء الملابس المناسبة والمخصصة للاماكن الباردة. مشيرة ان مدارس الاطفال يمارسون يومهم بكل اريحية مع هذه الاجواء، ويخرجون للتفسح بشكل اعتيادي حتى لو كانت درجة الحرارة ٣٠ تحت الصفر.


ابن المبتعث بندر غندر بملابسه الشتوية

الدكتور محمد ابو عيش

المبتعث منتظر آل الشيخ