عندما نحاول مقارنة الكم أو العدد من القصائد الصادرة التي قالها شعراء رجال بالقصائد الصادرة من النساء، فإننا سنجد وفي عجالة أن ما قيل من قبل شعراء رجال يتفوق كما وعددا بل وطول قصائد، بشكل ملاحظ كما أنه يتنوع من حيث الأغراض حماسة و مدحا وفخرا ورثاء وهجاء ووصفا وغزلا وحكمة، و بوحا خاصا بالشاعر وتعبيرا عن مشاعره ذاتيا أو عن مجتمعه أو غيره ...الخ ، وذلك فيما يتضح للمطلع من خلال المشافهة والدواوين والنشر والتدوين، منذ العصر الجاهلي وحتى الآن، سواء الشعر الفصيح منه أو الشعبي، بدءا من المعلقات وانتهاء بأشعار المناسبات والقلطة والمحاورات والرد والنظم وغيرها.

وهذا لا يعني أنه تم الاطلاع على كل إنتاج، وإنما على بعض ما تمت روايته وانتشر وسمعناه أو قرأناه ونشر، ولعله يخفى علينا الكثير مما روي أو لم يرو ولم يدون وبالتالي فالمقارنة خاصة فيما يظهر وعلى سبيل الملاحظة لا من واقع دراسة.

ونثير تساؤلا حول رواية الشعر والقصائد دون القائل لها ، ونبدأ في استنتاج متعلق بذلك ، سواء كان قائلها من الرجال أو النساء المهم هو (الرواية)، من هو الراوي لتلك القصائد التي وصلت إلى مسامع الناس و من هو ناشرها أو كيف انتشرت و وصلت إلينا وما الظروف التي مكنت من جمعها.

والحقيقة أن الرواة الهواة كثر، وهم كل من اهتم بالشعر مشافهة و حفظاً أو تدويناً، ممن يحضر ميدان الشعر وإلقاء القصائد ، أو تزامن وجوده مع الشاعر لحظة قول الشعر أو تخصص في ذلك لأي غرض كان.

وهذا كله واضح بالنسبة لشعر الرجال، فماذا عن الشعر الذي قالته النساء، من الخنساء وما قبلها وما بعدها، حتى شاعرات اليوم اللاتي لم يعدن محتاجات لراوي ينقل عنهن القصائد فالنشر تهيأ لهن بكل وسائل الاتصال من صحف وشبكة وقنوات.

إن هناك قصائد من شاعرات أجدن في قول الشعر، ظهرت قصائدهن للمتلقي، وانتشرت في الميدان، وتناقلها الرواة، فمن هو راويها الأول ومن الذي تابع الرواية ؟

طبعا لا نقف على أول خطوة في رواية أي قصيدة، ولا أعتقد أن ذلك ممكنا في كل القصائد وإن اتضح في بعضها، كما أنه لا يعني شيئا ولا يضيف سوى مصداقية القائل لها، بينما تحتفظ القصيدة بأدبيات وفنيات وجزالة محتواها وهو المهم حتى ولو كان قائلها مجهولا وحتى لو كانت منسوبة لغيره.

إن الشاعر أو الشاعرة تقول القصيدة فتتناقلها الألسن مشافهة وهو الغالب في القديم ينقلها أخوها أو أبوها أو قريبها أو قريبتها التي بدورها تنقلها لمن تقدر على البوح له بها، وربما تنقل تدويناً فيما جاء بعد حيث تعددت الوسائل التي تمكن من ذلك، ولكن تبقى أول رواية للقصيدة شبه مجهولة، ويبقى دور الرواة في جمع المنتج الأدبي الشعري من هنا وهناك و من الشعراء أيضا.

فلا توجد أسواق مثل عكاظ و مجنة وذو المجاز ولا حتى مجالس مخصصة لقول الشعر من النساء.

وعندما نفتش عن راوية (من النساء) مهتمة بالرواية وتتبع القصائد فإنه يعز علينا ذلك ويكاد العدد يحصر في القليل جدا وقد يتركز في القديم عندما كان يروى الجيد من الشعر العربي الفصيح الذي يعد سندا قويا للغة العربية ويستشهد به فيها وفي البيان والبلاغة وأيضا عندما كان الشعر ديوان العرب ووسيلة إعلام، ويتناقص العدد في الشعر الشعبي، ولو وجدنا من يرويه فهو عدد لا يشكل رقما يذكر.

وقد أثر ذلك على ما روي من قصائد النساء فربما تموت القصيدة أو لا تبوح شاعرتها بها لأحد فلا يعلم بها، و أما ما وصل فأغلب من يرويه ويدونه فهم الرواة الرجال وليست راويات نساء.

قالت الشاعرة: موضي البرازية

ياسّعد عينك بالطرب يالحمامه

ياللي على خضر الجرايد تغنين

عزي لعينك وان درى بك سلامه

خلّاك مثلي يا لحمامه تونين

ومناسبة القصيدة فيما يقال عنها، أن الشاعرة رأت حمامة على عسيب النخلة وسمعت صوتها مما يدل على ارتياحها، فالطير عادة يغرد في المأمن وعند الشعور بالارتياح والأنس وعدم وجود ما يذيره أو يخيفه.

فقالت قصيدتها تتمنى أن تكون في هناء مثلها تبوح بقصيدها، وتشير في أبياتها إلى شخص اسمه سلامة، يبدو أنه لا يرضى لها أن تغني أو تقول شعراً.

والشعر إن كان غزلا فبالفعل لا يناسب أن تقوله المرأة وتبثه فللمجتمع حولها سلطته. ومن هذين البيتين:

عزي لعينك وان درى بك سلامه

خلّاك مثلي يالحمامه تونين

كسّر عظامي كسّر الله عظامه

شوفي مضارب شوحطه بالحاجين

نستشف أن سلامة المشار إليه كسر عظامها عندما سمعها قالت شعراً وربما قد نهاها عنه مراراً كما يفهم من ذلك.

فإذا كان هذا هو الحال مع البوح بالشعر فكيف توجد راوية تجمع الشعر وتلتقي مع النساء حولها تروي قصصها ومروياتها؟!

بالطبع هذا سبب من أسباب عدم وجود راويات من النساء في حين يوجد رواة كثر من الرجال في مجالس يخصصونها لهذا الغرض، بل إن معظم ما يدور في مجال الرجال هو القصص والأشعار، وحتى في الاحتفالات والمناسبات يتم تداول الأشعار.

وأما الشاعرة نورة بنت حوشان دخيل الله الحوشان، فقالت قصيدة في زوجها، والتي مطلعها:

ياعين هلي صافي الدمع هليه

وإلى قضى صافيه هاتي سريبه

والمناسبة للقصيدة هي: أنها كما يروى ، طلقت طلاقا بائنا، ولديها طفلان وبنت، وخطبها آخر لكنها لا تريده، وبقي تعلقها في والد أولادها الثلاثة.

وهي أبيات جزله ومعبرة وسهلة اللفظ مما يدل على تمكن المرأة في قول الشعر ولا يمكن أن تقل كفاءة في روايته، لو كانت تريد ذلك، لكنها لا تريد مجاله.

وقالت الشاعر حصة العتيبي، والدة بندر سرور:

يابدر لا سقا الله شجرات مداويح

علي ايسر الخط المسند يسارا

وطيتهنه والمواتر مشاويح

مريتهن الظهر وسط النهارا

إلى آخر القصيدة

وقالت الشاعرة بخوت المرية:

جعل وبل الغيث يسقي ديار المفرعين

منزل اللي كن حديثه حليب (معدّيه)

ضيقتي في خاطري دايمٍ ماهوب زين

قومي اللي سم حالي وبيّح سدّيه

أن سجنته قام يتبع دروب الدالهين

وأن نشدته قال أنا علتي متعدّيه

أن بغى خلّي جنابي فلا غيره ضنين

وأن بغى يقفي فيقفي مراح مودّيه

وقالت الشاعرة رقية العجمية:

هيه ياراكبٍ حمرا ظهيره

تزعج الكور نابية السنام

سر وملفاك هل العوجا مسيرة

ديرة الشيخ بلغه السلام

يا هل الحزم يا نعم الذخيرة

إن لفاكم من الباشا علام

ومناسبتها محاصرة إبراهيم باشا للرس في القصيم، فهي تحمس المقاتلين والمدافعين عن البلاد.

وهناك شاعرات بالعشرات غير بخوت المرية، وموضي البرازية، بل الدهماء وجزعة وعدينة، شمريات، والدقيس، ووضحى النتيفية والعدد يطول ..الخ

وكل شاعرة لها قصائد عديدة قصيرة وطويلة وأبيات متناثرة، وتعبير عن موقف خاص بها أو عام يعبر عن مجتمعها، وفي الغالب يتميز شعرهن القديم بالتفاعل مع مناسبة حقيقية وواقع وليس خيالا وترفا شعريا، فما كان قوله ترفا لا يستند على موقف، إنما هو صادر من معاناة بالفعل.

ليس هذا هو المهم ولكن الأهم هو من يروي الشعر النسائي القديم إذا كنا نعلم أنه لم يشتهر للشعر النسائي راوية كما هو عند الرجال ؟

ولا يعني هذا عدم وجود راوية ولكن مقارنة بالرجال في هذا المجال لا مقارنة على الإطلاق، لا في القديم ولا في الحديث

وأن الرواة في الغالب هم من الرجال ولم تقتصر روايتهم على حفظ ونقل ونشر القصائد التي قيلت من شعراء رجال بل نقلوا ورووا قصائد شاعرات نساء، فقد اهتموا بالشعر والقصة فتداولوها في مجالس الرجال بغض النظر من قالها: شاعر أو شاعرة.

ونشأ من إقبال المتواجدين استمرارية الرواية والبراعة فيها ولهذا وصلت إلينا موروثات ومروريات من خلال المجالس العديدة التي تقام تلقائيا، مما نتج عنها تعدد الرواة وإقبالهم على متابعة الإنتاج الشعري والحرص على حفظه وتدوينه وإعادة إنتاجه بأشكال متعددة وهو ما نلاحظه اليوم في برامج تلفزيونية وإذاعية وصفحات شعبية ، وصحب ذلك تنوع الأسلوب والعرض وأيضا اهتمام المتلقين ومتابعتهم أيضا .

وفي الجانب الآخر قلت رواية الشعر عند النساء أعني أن الراوية من النساء إن لم تكن قليلة فهي معدومة تماما في بعض الجهات بينما ازداد الإقبال على الشعر عندهن كشاعرات وليس راويات، وبالتالي لم تهتم غالبيتهن بالرواية حتى الشاعرات لم يهتم أغلبهن بالرواية، فلم تحرص المرأة على أن تكون مشهورة بالرواية للشعر.

ومن أسباب ذلك وهي أسباب كثيرة:

كون الشعر غلب عليه فيما مضى جانب الغزل أو ظهر على السطح التغزل أكثر من غيره، فأحسنت المرأة صنعا في تركه والعزوف عن هذا الغرض منه قولا و رواية، فمكانة المرأة عند نفسها وفي مجتمعها مهم و عززت ثقافة المجتمع جانب العزوف هذا.

لهذا نجد الغزل وهو بالطبع غير مقبول على إطلاقه حتى ولو وصفه البعض بدلالة الحب العذري وألصقه مع البراعة البيانية والصور الجمالية ... الخ

إلا أنه لا يليق بأن تردده المرأة وترويه وتفتخر بقوله ونشره غير آبهة برأي المجتمع فيه وموقفه منه.

ولكن مجتمع الرجال أقل حساسية في هذا الجانب فجاءت رواية الرجل للشعر بكل أغراضه غثه وسمينه، ما قبل منه وما لم يقبل، المحبوب والمنبوذ، وقد توفر له الكثير من الفرص والتسهيل والتشجيع والاحتفاء الاجتماعي منذ القديم وحتى الآن، وهيئت لها - أي الرواية الرجالية - كل الظروف لتتربع على الساحة ويتم تناقل نتائجها وما تم تداوله، ذلك لأن مجالس الرجال هي مكان الراوي و المحضن الأول لتبادل القصص والأشعار والأمثال والحكم ، كما أن البرامج كلها رجالية بحتة.

وإذا كان الراوي بالأمس يعتبر أساس النقل والتوثيق فإنه اليوم قد انحسر بظهور مجال النشر بكل أنواعه وسائله.

وأصبح كل من هب ودب ينشر أقواله فصار الراوي الحديث لا ثقة فيه في الغالب وأعني وسائل الاتصال الاجتماعي.