قلّصت الأجهزة الذكية من التواصل التقليدي بين أفراد العائلة والأصدقاء، وأصبح تواصلهم عبر عالم إلكتروني يفتقد الكثير من المقومات الأسرية والنفسية والاجتماعية؛ مما دفع مراقبين أسريين للتحذير من أنّ انشغال العائلة الواحدة في المنزل بالأجهزة الذكية من دون تجاذب أطراف الحديث وبحث المشكلات والتطورات الأسرية من شأنه أن يزيد الهوة بين أفراد العائلة الواحدة، إذ رأى عدد من المتخصصين أنّ دخول الإنترنت في الهواتف الذكية أضر بالترابط الأسري، إلى جانب تأثيره على السلامة المرورية، بعد كثرة استخدامها اثناء قيادة السيارات. ومن جانب آخر عمد عدد من المواطنين إلى تقديم الرقم السري للشبكة الداخلية للإنترنت "واي فاي" في المناسبات الأسرية إلى الضيوف، بجانب القهوة العربية كأسلوب جديد في الضيافة؛ مما يدل على الأولوية التي يحرص عليها المضيف بتقديمها لضيوفه في المجالس أو عند الزيارات الأسرية، فيما وضعت بعض العائلات شروطاً جزائية لاستخدام الأجهزة الذكية وبرامج الانترنت أو غيرها أثناء الاجتماعات الأسرية.

روتين ممل

وذكر "صالح المطيري" أنّ آلية التواصل بينه وبين زوجته تكون عبر الهاتف، موضحاً أنّه إذا كان لديه ضيوف على سبيل المثال داخل مجلسه يرسل جميع الطلبات إلى زوجته عبر شبكات التواصل الاجتماعي، معتبراً أنّه من المستحيل أن تجد أحد أفراد العائلة بعيداً عن الجوال، حتى في الجلسة العائلية تجدهم يتحدثون أحياناً عبر تلك البرامج، التي جعلت من اجتماعات الأسرة روتيناً مملاً.

تقديم الرقم السري للشبكة نوع

من الضيافة.. و«الإدمان» أثناء القيادة يتسبب في حوادث قاتلة

جلسة الأصدقاء

وكشف "تركي الزهراني" أنّ لقاءاته بالزملاء والأصدقاء في الأماكن العامة تبدأ بالسلام على بعضهم، ومن ثم ينشغل كل منهم بمواقع التواصل الاجتماعي؛ مما يخلق نوعاً من التنافر بين الجَمعة أثناء الحديث الودي الروتيني، مضيفاً: "تجدنا البعض منا يبتسم، ويضحك، وتستغرب، وفي الأخير تجده يتحدث مع صديق في الجلسة نفسها".

الهوية الاجتماعية

وأوضح "د.عبدالعزيز بن صالح المطوع" -مدير عام مركز الإرشاد الجامعي ورئيس قسم تطوير الذات بعمادة السنة التحضيرية جامعة الدمام- أنّه كلما زاد عدد ساعات استخدام الأجهزة الذكية في محيط العائلة هددت الهوية، حيث انّه يفقد تواصله مع المحيطين به، مبيّناً أنّ ذلك يؤدي إلى الاغتراب، حيث يتم اللجوء إلى مجتمع افتراضي لتعويض هذا الإحساس؛ مما يتطلب زيادة عدد ساعات الاستخدام اليومي، من أجل بناء علاقات اجتماعية.

وأضاف أنّ متغير الهوية الاجتماعية يقول: "إنّه كلما زادت فترة سنوات الاستخدام أدى إلى بعدهم عن الواقع وشعورهم بالاغتراب"، لافتاً إلى أنّ هذا مؤشر على سوء التوافق النفسي والاجتماعي والأسري ويؤدي إلى توحد المستخدم مع مجتمع افتراضي، وبالعكس بالنسبة للهوية المعرفية التي كلما زادت سنوات الاستخدام أدت إلى زيادة المكون المعرفي، وبالتالي يمكن القول إنّ برامج الأجهزة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي زاخرة بالمعرفة، وتمد بصورة سلسلة بالمعلومات، ولكنّ هناك آثاراً سلبية لا أحد يستطيع إخفاءها، مطالباً من الأسر إشاعة الأمن النفسي، من خلال تقبل الأبناء، وتداول الحوار، وبناء منظومة القيم، عن طريق ممارسة ثقافة التعاقد السلوكي في تنظيم ساعات استخدام الأجهزة الذكية، وفي الدخول إلى برامج التواصل الاجتماعي.


م. قيس العيسى

مجالس صامتة

ولفت "م.قيس بن عبدالحميد العيسى" -عضو لجنة الاتصالات وتقنية المعلومات بغرفة الشرقية وعضو هيئة المهندسين السعودية- إلى أنّ كثيرا من الناس في المجتمع ينهمكون بشكل كبير جداً بهواتفهم الذكية، حتى في الوقت الذي يتواجدون به في المجالس أو عند وجودهم مع عوائلهم بالمنزل، حتى إنّ بعضهم أصبح لا يتكلم عندما يجلس معك، وفجأة يضحك بشكل غريب، وينهمك بكتابة أمر ما على هاتفه، حتى العائلة عند اجتماعها أصبح الأب والأم لا يتكلمون فيما بينهم، بينما الأبناء كل في غرفته مع جهازه الخاص، مبدياً إعجابه بقصة الجدة التي وضعت لأبنائها سلة لهواتفهم قبل الجلوس معها.

تبادل الأفكار

وقال "م.العيسى": "أصبح التواصل المباشر أمراً قليلاً بين الشباب، وحل مكانه التواصل الإلكتروني بشكل كبير جداً، حتى إنّ بعض الأبناء لا يخرجون ولا يجتمعون مع أصدقائهم؛ نظراً لتواصلهم الكترونياً"، معتبراً أنّ التواصل الالكتروني أمر جميل ومفيد بشكل عام، ولكن يجب أن لا يطغى على الحياة الاجتماعية، وأن يغير من طبيعتها من ناحية الحديث مع الآخرين، وتبادل الأفكار، والقصص، أو أن ينطوي الشاب بالمنزل بدلاً من الخروج والتعرف على الآخرين، ويدخل تجارب تنمي شخصيته وتصقلها.

أداب الحديث

وأشار "م.العيسى" إلى أنّهم في العائلة اتفقوا على إبقاء بعض الأيام خالية من الأجهزة؛ لإعطاء العائلة فرصة للتواصل، وبناء الشخصية، ومعرفة ما يدور في عقل كل منهم، وما يعانونه في حياتهم، سواء في المدرسة أو مع الأصدقاء أو خلاف ذلك، كما اتفقوا على الخروج كعائلة لأماكن مثل البر والبحر؛ مما يجبر الأبناء على التواصل وترك أجهزتهم جانباً، مشدداً على أنّه من المهم أن يدرك الجميع أهمية ترك الأجهزة جانباً خلال أوقات تواجدهم مع زوجاتهم، أو أبنائهم، أو آبائهم، أو أصدقائهم؛ لفتح مجال الحديث والحوار، وإبداء اهتمامك بمن معك، وهذا من أبسط آداب الحديث.


العقيد علي الزهراني

ارتفاع المخالفات

العقيد "م.على الزهراني" -الناطق الإعلامي لمرور المنطقة الشرقية- بيّن أنّ عدد المخالفات التي سجلها مرور المنطقة الشرقية خلال العام الماضي 1434ه على استخدام الجوال أثناء قيادة السيارة وصلت إلى (15835) مخالفة، مضيفاً: "لا يخفى على أي عاقل ما تسببه الحوادث المرورية من خسائر مادية وبشرية في جميع أنحاء العالم سنوياً، كما أنّ استخدام الهاتف الجوال أثناء القيادة له تأثيرات سلبية، حيث أظهرت العديد من الدراسات السابقة بأنّ حوادث المرور تتضاعف أربعة أضعاف عندما يتم استخدام الأجهزة النقالة أثناء القيادة".


د.عبدالعزيز المطوع

وأشار إلى أنّ هناك العديد من الأبحاث التي أظهرت تغيرات مهمة وسلبية في طريقة القيادة لدى الأشخاص الذين يستخدمون الهاتف أثناء القيادة، مثل: بطء الانعكاسات العصبية، والبطء في ردة الفعل عند استخدام المكابح، وكذلك البطء في ردة الفعل والتنبه للتغيرات في إشارات المرور، وكذلك البطء في استخدام الرؤية السليمة من خلال الزجاج أو الأجهزة والعدادات داخل السيارة أثناء القيادة، موضحاً أنّ هذه التأثيرات الجانبية تزداد أضعافاً عند استخدام خدمة رسائل الجوال أو الانترنت أثناء القيادة؛ مما أدى في الكثير من الدول والمقاطعات إلى منع استخدام الهاتف الجوال أثناء القيادة منعاً باتاً ونهائياً، بل وتجريم الذين يستخدمونه أثناء القيادة؛ لأنّهم يعرضون أنفسهم والآخرين إلى الخطر.


شاب يقرأ رسائل الجوال غير مهتم بحضور المجلس

تعدد الخيارات رفع معدلات إدمان مواقع التواصل الاجتماعي