في تسعينيات القرن التاسع عشر الميلادي أخذ مجلس شورى الدولة العثمانية على عاتقه مبادرة لتوطين البدو ضمن أقاليمهم العربية بهدف تقوية ارتباطهم بالحكومة المركزية سياسياً وسهولة السيطرة عليهم عسكرياً والاستفادة منهم اقتصادياً وكان أحد مصممي هذه المبادرة هو عبدالله باشا بن عبدالله بن ثنيان آل سعود الذي استوطن إستانبول في سنة 1295ه وحصل على بعض الأوسمة والرتب وعيّن عضواً في مجلس شورى الدولة العثمانية وكان يقوم بدور الوساطة بين الدولة العثمانية وقبائلها العربية الأمر الذي جذب بعض الشيوخ والزعماء إلى استانبول والتأثير عليهم في سبيل توطين قبائلهم ولكن كانت النجاحات محدودة جداً، ثم أملت الدولة في تحقيق إنجازات أكبر من خلال تعليم أبناء زعماء القبائل وشيوخها إذ إن التلقين والتعليم المجتمعين من شأنه أن يكسب قلوب وعقول اليافعين من أبناء رجالات القبائل ولهذا طرحت فكرة إنشاء مدرسة للعشائر في إستانبول لأول مرة في سنة 1892م وقد نسبت هذه الفكرة إلى السلطان عبدالحميد الثاني وتؤكد الوثائق أن السلطان شخصياً تولى الاهتمام بالمدرسة وكان هو راعيها ومديرها الفخري.

وحسب توجيهات السلطان فقد وضع عثمان نوري باشا مذكرة اقترح فيها إنشاء مدرسة للعشائر بتاريخ 21 حزيران 1892م وفي 6 تموز أوكل الصدر الأعظم إلى وزارة المعارف التحضيرات اللازمة لفتح المدرسة وسرعان ما أرسلت التوجيهات إلى الولايات العثمانية في سورية والعراق وليبيا والجزيرة العربية والأناضول لاختيار الطلاب وقد تم تهيئة كل متطلبات المدرسة من المكان والأثاث والمعلمين واللوائح والخطط والمناهج في فترة قياسية لم تتجاوز ثلاثة أشهر لأن السلطان كان عازماً على افتتاح المدرسة بالتزامن مع ذكرى المولد النبوي في 12 ربيع الأول 1310ه الموافق 4 تشرين الأول 1892م للاستفادة من القيمة الرمزية التي يمثلها هذا اليوم وهو ما تم بالفعل.

ونصت اللوائح التنظيمية للمدرسة على ان الهدف الأساسي من إنشاء المدرسة جاء من أجل تمكين أبناء القبائل من المشاركة في الازدهار المنبثق من المعرفة والثقافة وإلى مضاعفة ميلهم الفطري نحو حب الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية فضلاً عن تقوية الولاء تجاه الدولة والواجبات الدينية الملقاة على عاتقهم... وعند الانتهاء يعود الطلبة إلى قبائلهم ليعملوا معلمين في المدارس التي يعتزم فتحها في بيئاتهم أو في بعض الخدمات المناسبة للدولة.

وكانت مدرسة العشائر بمثابة مدرسة داخلية خاصة لتعليم أبناء زعماء القبائل البدوية العربية وعلى الرغم من ذلك فقد اتسعت دائرة القبول في المرحلة الثانية للدراسة لتشمل الأكراد ثم الألبان، وكانت مدة الدراسة فيها خمس سنوات للأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 16 عاماً، وكان يمنح لكل طالب مرتباً شهريا قدره 30 قرشاً.

وعلى الرغم من ذلك فقد لاقى المسؤولون صعوبات جمة في إقناع النخب العشائرية بفوائد إرسال أبنائهم إلى إستانبول وكان من بين الأعداد القليلة القادمة من الجزيرة العربية وبغداد وسورية في السنة الأولى: علي حسن الزهراني وعبدالله السفياني وظافر محمد القحطاني ومحمد برجس بن فرحان بن هديب وحميدي بن فرحان (الجربا) وعبدالمحسن بن فهد السعدون وأخوه عبدالكريم.

وأخيراً نتساءل هل نجحت مدرسة العشائر في أداء الدور الذي أقيمت من أجله؟

إجابة هذا السؤال وغيره من الأسئلة تجدونها في بحث للمؤرخ الأمريكي يوجين روغان استمد معلوماته من الوثائق العثمانية والمصادر التركية الحديثة ونشر في المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط عام 1996م، وقد قام نهار محمد نوري بترجمة هذا البحث إلى العربية وصدر عن دار الوراق قبل أيام قليلة.