انعقد يوم الثلاثاء الماضي مؤتمر "اقتصاديات الشرق الأوسط ودور القطاع الخاص" برعاية كل من مجلس الغرف السعودية وصندوق النقد الدولي. وأنا هنا لن أتناول كل ما قيل خلال المنتدى. فهو منشور في الجرائد التي صدرت قبل ثلاثة أيام. فما يهمني في هذه السطور القليلة هي الأسباب التي حالت بين قطاع الأعمال في بلدنا وبين لعب دور أكبر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وأعتقد أن أحد الأسباب التي أدت إلى عدم ممارسة القطاع الخاص للدور الذي نتطلع إليه جميعاً ربما يعود، مهما بدا ذلك غريباً، إلى فلسفة التنمية التي تأثرت في الثمانينات من القرن المنصرم بالتوجه العالمي نحو التقليل من دور القطاع الحكومي في الاقتصاد والذي تعزز بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقبول العالم بمبادئ اجماع واشنطن الذي همشت الشأن الحكومي إلى حد كبير. فنحن إذا تلفتنا إلى الوراء قليلاً بعيداً عن التنظير وتطلعنا إلى الواقع فسوف نلاحظ أن القطاع الخاص لدينا لم يتمكن خلال الستين عاماً الماضية من التطور دونما دعم مباشر. حيث نلاحظ في هذا الصدد فترتين واضحتين. الأولى بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأت أرامكو في انتاج النفط بكميات تجارية. وقتها لم يكن لدينا قطاع أعمال حديث يستحق الذكر. فنمط الاقتصاد السائد حينها كان يغلب عليه الرعي والزراعة. ولذلك فإن شركة الزيت العربية الأمريكية بدلاً من أن تستورد كل ما تحتاجه من الخارج رأت أنه من الأجدى لها دعم بعض السعوديين من أجل تأسيس شركاتهم ليلبوا جزءا مما يلزمها مثل الخبز والثلج والألبان وما شابه وكذلك مساندة المقاولين لانجاز العديد من الأشغال الضرورية مثل مد خطوط التابلاين. هذه هي إذاً بداية تكون قطاع الأعمال السعودي الحديث ونشوء البيوت التجارية في المملكة مثل العليان والقصيبي والمطرود وغيرها.

أما الفترة الثانية التي شهدت بروز أكبر لقطاع الأعمال فقد كانت في السبعينات بعد ارتفاع أسعار النفط وتزايد عائدات المملكة الأمر الذي مكن القطاع الحكومي من تقديم الدعم والتسهيلات للقطاع الخاص بصورة أكبر. ولكن حتى ذلك وحده لم يتمكن من توجيه قطاع الأعمال إلى إنشاء شركات كبيرة. فقط الاستثمارات الحكومية المباشرة، من أجل إقامة الصناعات الاساسية في الجبيل وينبع، هي التي ساهمت في إحداث نقلة نوعية في نشاط القطاع الخاص. فالشركات الصناعية الضخمة في المملكة مثل سابك وبناتها قد تأسست بدعم من القطاع الحكومي. وبالعكس فإن تراجع الاستثمارات الحكومية المباشرة بعد ذلك قد أدى إلى تراجع حصة الاستثمارات في تكوين الناتج المحلي الاجمالي من 31% تقريباً عام 1980 إلى 21% عام 2011.

ولذلك فإن المطلوب، كما ما يبدو لي، هو استعادة القطاع الحكومي للدور الذي كان يلعبه في نهاية السبعينات بداية الثمانينات من القرن المنصرم. فنمو الانفاق الاستثماري الحكومي من شأنه، إذا ما وضعت له المعايير المناسبة، أن يؤثر على طابع الانفاق الخاص وتوجيهه لاستثمار في الصناعة وغيرها من المجالات الضرورية لخطط التنمية.