لم تكمل العقد الثالث من ابتعادها عن الساحة الفنية, إلا ونهضت لتُحيي هذا الركود وتلتَّف على الواقع لتعيد مجداً بعد أن مارست الوحدة وتركت كل شيء في الساحة الغنائية على ماهو عليه في رقي وازدهار, الا أن ذلك لم يستمر وأنهدّ عاليه وكأن شيئاً لم يكن, بعضها كانت محاولات من فنانين.

وثيقة أحمد رامي: «هي كوكب الجزيرة وشادية العرب - 1970م»

ابتسام لطفي «خيرية قربان»، ما حملت في طفولتها من ارتكاز وعمق لنضوج صوتي بعد اهتمامات متنوعة لتفتن بها أذن المتذوقين العرب. ابتسام لطفي عادت إلى واجهة الإعلام وأشرقت واطلقت عن قادمها وكشفت الصورة الجميلة وذاك الحس لتُعيد من جديد تلك السنين والبداية بعد ولادة فنية «فات الأوان» لطفي زيني ولحن طلال مداح «رحمهما الله». عادت لنسترجع معها تاريخ موافقة الملك فيصل بن عبدالعزيز «رحمه الله» على دخولها الإذاعة والتلفزيون – نهاية الستينات الميلادية - وتفجر حسها وصفاء صوتها الذي ترى الأشياء فيه، تميزت بسرعة البديهة، وقدرتها على الحفظ والأذن الموسيقية المرهفة.


ابتسام لطفي مطلع الثمانينات الميلادية

قالت في اتصال هاتفي مع «الرياض»:» أشكر كل من سأل عني في رحلة الغياب, أشكر «الرياض» على ماقدمته, بعد أن كانت عاملاً مساعداً في العودة. كنت أقرأ ما يكتب عني فيها وما تختزنه من تقارير ومعلومات ساهمت في بناء روح مستمرة لا تخلو من التشويق لجيلنا الجديد عن «ابتسام لطفي».

لديها مفاجأة ستكون سعيدة على العشاق من ينتظر جمالها فليسمع, برهة من الوقت نحاول أن نسترجع ذاك الزمن الجميل في الأغنية السعودية والتبدل الاجتماعي وما طغى عليه من فورة التكنلوجيا وصراع الذات والبعد عن بعض.!, هو ذاك الصوت الذي سمعناه في لقاء قديم بإذاعة البرنامج الثاني مطلع الثمانينات, لم يتبدل أول يتغير في «بسمة» ابتسام لطفي.


رسالة من ابتسام لطفي للزميل عبدالرحمن الناصر في موقع «تويتر»

استرجعنا تلك البدايات حين تعلمت عزف آلة العود عن طريق «عبدالرحمن خوندة»، الراحل الذي «ضربها على تلك الناعمة أناملها - بقوس الكمنجة» تعلمت بعد ذلك، أقدارها في طفولتها، ان تبتعد عن ظلمة عينيها وأبصرت من قلبها في مكة. تعيد ذاكرتها وما بنته وقدمته من التراث والحفاظ على مضمونه وأنواعه الإيقاعية «لالا يالخيزرانة» «فارج الهم»يا طير ماذا الصياح - 1976م» ،المولع في بدايات «1982م» وسافروا ما ودعوني». ذاك التعبير هو ما تعانيه من وحشة الليل الدائمة.

انتقلنا في حديثنا لتلك الرموز في فترة تضميد الجراح, هناك في ذاك الزمن البعيد.! وقفت مع رموز الغناء على مسرح واحد بمصر «1974م» في ذكرى انتصار أكتوبر، تلك الحفلة كانت تقول هو حلم رافقها في بطن طفولتها, هو الشيء الذي اعاد رقصة الشمس في عينيها.

ولأن ابتسام لطفي تعشق الشعر قمنا بنبش خزانتها من جديد وما تحتفظ به عن وثيقة أحمد رامي المحب والصديق لأم كلثوم. ذكرتها بما قال في تلك الوثيقة «كوكب الجزيرة وشادية العرب - 1970م» تغني بالدموع قبل الصوت!.

قالت:» هو ذاك أحمد رامي المُحب للجميع, يعطي كُل انسان حقه دون تغليف بالمزاجية والمجاملة».

في متوسط الثمانينات الميلادية من القرن الماضي كان الإرغام على التوقف, هي ذكريات والدتها «رحمها الله» سبباً في الابتعاد القسري بعد وفاتها, حتى لو ظهرت في الاعلام -1989م- وعادت للغياب, التاريخ لا ينسى قيمة وقامة – ابتسام لطفي - ورحلة الغياب وجلد الذات، يقول محمد زيدان»نحن شعب دفان» مازال صوتها شامخاً باقياً يعيدها لمشهد الكتاتيب وإشراقة الشمس وسكون الليل في عَينيهَا، تنتظر»ساعة لقاء»و»وداع», تفتقد والدتها ك»الماء»حينما تعطش. أغنية «أمي» كلمات طلال طائفي وألحان جميل محمود كان لها الأثر العميق في نفسها كما تقول, والتي كانت أعز وأغلى صديقاتها والداعم الوحيد لها في مسيرتها الغنائية إلى حين وفاتها، هو الفراق» كالقشة التي قصمت ظهر البعير»، تؤكد أنها ساهمت في توقفها، إذ لا زالت مرارة الفقدان والآلام تعتصرها بعد رحيل أمها حينما ظلت على هذا المنوال تعاني من الألم والحزن.

في مخزنها الممتلئ بالوثائق والأوراق والقصائد, مذكرة مطلق الذيابي»سمير الوادي» في «1972م» مازالت تحفظها:»إنها تمتلك خامة صوت جيدة, أثبتت وجودها في الوطن العربي».

تقول عن تلك الذكريات القابعة في قاع تفكيرها والمليئة بالدراما والأحاديث والذكريات ومابين الطفولة وغناء الشباب, أتت قصيدة «يا غائبين» يزيد بن معاوية, بالضبط اختارها فاروق شوشة قصراً لاقدمها بصوتي, قد يكون فاروق برر ذلك؟ بان صوتي يهزه ويملأ نفسه بأشياء كثيرة»هكذا هو يقول.

تذكرت معنا كل شيء مرّ في حياتها والعقبات التي تخطتها وأنصهرت طربياً «يا سارية خبريني»»ودعتك الله يا مسافر» و»حبيبي» لجواد الشيخ، وألحان عبدالرحمن الحمد، و»ياهلي» لريم الصحراء، وألحان الفنان سلامة العبدالله والتراثية»نالت على يدها» التي عممت في وزارة الإعلام آنذاك بأن تذاع وقت السهرة لتلاؤمها مع ظلمة الليل وسكونه. هناك كما تروي: بأن اعمالها حينما تسلمها للإذاعة والتلفزيون يعتبرونها مفسوحة لا تمر على اللجنة بناء على ثقة المسؤولين آن ذاك عما تقدمه.

حتى لو انتقل إنتاجها»الله يا قليبة» للشاعر الراحل فايق عبد الجليل، و»الله لا يحرمني منه» لناشي الحربي، كلها من ألحان محمد شاكر، ورائعة «ليالي نجد» للأمير بدر بن عبدالمحسن وألحان سراج عمر، قبل أن تفجر حسها وإمكانيتها باللغة الفصحى «النجوى الهامسة» للأديب طاهر زمخشري ومن ألحانها «أبو عماد».

قد تكون اعجبتها حكاية العودة إلى البكاء في شاعريتها ونغمها في «أبوعماد» هو فضح إحساسها قبل كل شيء، هو ذكريات والطفولة وبصيص الأمل في شروق عينيها التي تعرف الليل كتابة ونغماً ، «أبو عماد» الاسم المستعار الذي أحبته ليطل على مجلد الموروث, لم يكن مدونا في أغنية «مالك مكان عندي» من ألحان حمدان بريجي لكن هذا الاسم مارسته كثيراً عبر الكلمة واللحن ك «النجوى الهامسة» للأديب طاهر زمخشري وألحانها «أبو عماد» ومزيج من صرخات وخليط بين الصبا وطموح الشباب.

لا تخجل من وصف ذائقتها «بالكلاسيكية» عطفاً على تعلقها بالشعر العربي الفصيح الذي تميل لغناء قصائده، فمن يُغني القصيدة يحمل في مشاعره كثيرا من «الرومانسية» على حد تعبيرها، والرومانسيون بطبعتهم يميلون إلى الفصحى.

هاجسها كما تقول ل»الرياض» :»الوسط الفني ليس جميلاً إذا ما فهمنا أي كلمة فيه, وليس هناك شيء إذا ما عرفنا كيف نغني ومتى وماذا نختار»، حضورها الذهني كبير أمام الجمهور في المسرح ودللت على ذلك بغنائها مع رموز الفن في احتفالات أكتوبر بالقاهرة»1974م».

«نام القمر بدري» صرخة البداية كما تقول :»نام القمر بدري وحرمنا أنواره» إنذار عن الرومانسية قبيل مفاجأة الدكتور إبراهيم ناجي بقصيدة «ساعة لقاء» من ألحان المغربي عبدالحميد إبراهيم الذي قاد موسيقى «أطلس»، في تواصل مع الأنغام المصرية أحمد صدقي بمجموعة متواصلة «لوعة آه لقلبي» كلمات أحمد رامي و»نار الشوق» للشاعر فاروق شوشة و»عذاب السنين» للشاعر أمين قطان.

تلك الخزانة المليئة بالأرشيف الفني العظيم وحتى السبعينات والاشراقة في صوتها عندما زّل الطرب ونهض الذوق, الموشحات التي صاغها لحناً محمد الموجي ورياض السنباطي «بعد الحبيب» «أنا لن أعيش» للشاعر أحمد رامي وألحان عمر كدرس»1971م»، لم تترك شيئاً وحتى الأعياد كأغنية «عادت بك الأفراح» و»فرحة العيد» و»بدر السعادة»و»بسم الله»، والنشيد الاجتماعي»الحداد».

هكذا هُم المبدعون على موعد وفجر جديد لصياغة الحديث عن الأغنية المثقفة بينبوع الأغنية العربية ابتسام لطفي, في موعد آخر مع «ساعة لقاء» والالتفاف على الواقع المرير في الغناء وعودته إلى سالف مجده.