في كتاب "المعاصرون من رواد الموسيقى العربية" (1993) للخبير الموسيقي عبد الحميد توفيق زكي، وهو مؤسس فرقة الأنغام الذهبية (1940-1958) وأحد ملحنيها الأساسيين، وهي قد خرّجت أصواتا عدة لعل أشهرها المنسي جلال حرب وأحلام وكارم محمود ونازك وعبد الحليم حافظ وهدى سلطان وشريفة فاضل وآخرون وأخريات.. بالإضافة إلى أسماء أخرى في عالم التأليف الموسيقي والتلحين وكتابة الأغنية والعزف الآلي وقيادة المجاميع والفرق.

ولما لهذه الفرقة من صلة في التيار الغناسيقي –كما نحت حسين الأعظمي- الذي ينتمي إليه منير مراد ملحناً موضوع هذه المقالة، فإنه يلزمنا الحديث عنها لاحقاً.

في ذلك الكتاب وضع زكي فصلاً طريفاً بعنوان " أسر موسيقية" عرفت بين القرن التاسع عشر والعشرين في توارث أفراد العائلة المهن الموسيقية والغنائية، ومنها أسرة آل عقاد ورحمي وعكاشة ومراد ومنسي وصولاً إلى أسرة سلامة والخطيب والحو والموجي (1).

وحين خصّص مادة عن أسرة مراد ذكر فيها –سأدمج هنا معلومات كتيّب أسطوانة "أغاني مقاهي العشرينات"(1994) فريدريك لا غرانج عنه أيضاً- أن زكي مراد اشتغل تاجر أقمشة في الإسكندرية، وانتقل إثر اكتشاف موهبته نحو القاهرة حيث كان عازف الكمان سامي الشوا يقدم دروساً في الأداء والعزف في معهد أسسه، وقد التقط منصور عوض(مستشار فني) هذا الصوت ودفعه لتسجيل مختارات من الإنتاج الغنائي من القرن التاسع عشر مع شركة أوديون لوكيلها ليتو باروخ.

وقد نجح مراد الأب عبر الأسطوانات –وهذه سابقة لم تحدث حتى صناعة الكاسيت-، فالتقى بمتعهد الحفلات إبراهيم روشو –والد زوجته جميلة- الذي دفعه إلى تقديم الحفلات الغنائية والمسرح الغنائي منذ عام 1910 مع سلامة حجازي -بعد أن أصيب بالشلل- ثم عام 1920 مع سيد درويش في مسرحية "العشرة الطيبة" التي سيعقبه في ذات الدور محمد عبد الوهاب في عروض موسم آخر مع منيرة المهدية.

وقد سافر إلى أمريكا، بعد مرور في أقطار عدة: تونس والجزائر وفرنسا في رحلة فنية – تجارية بين عامي (1928-1933)، وعاد خاسراً أرباحه نتيجة مضاربة مالية أقضت ثروته، فعمل مديراً أو منسقاً فنياً لإحدى شركات الأسطوانات، وقد خلّف مراد الأب ابنته الأولى ملك المهاجرة إلى أمريكا متأسية بوالدها حاملة تراث القرن التاسع عشر والعشرين في مهجرها.

وأما الابنة الثانية- صاحبة الموهبة الخارقة- ليلى مراد التي انطلقت منذ عام 1935 بصوتها في فيلم"الضحايا"(1930) لبهيجة حافظ في النسخة الناطقة مسجلة أغنية، التي توفر لها دعماً متعدد الجهات من أسرتها حيث والدها وتعاملاته الإنتاجية مع شركات الأسطوانات والثقافية مع الشعراء والملحنين، ومن جدها روشو في تقديمها في أولى حفلاتها الغنائية، ومن المخرج والمنتج توجو مزراحي(أحمد المشرقي) الذي أطلق سلسلة أفلامها السينمائية أسوة بسلسلة شالوم الكوميدية..

وذكر أن أختها الصغرى سميحة تمثلت أختها في تجربة سينمائية وغنائية، ولم توفق بينما لم يذكر عن شقيقهن إبراهيم أي شيء، فختم هذه المادة بالكلام عن منير مراد على النحو التالي:

"أن نذكر شقيقها الراحل النابغة منير مراد الملحن الرشيق بل أكروبات الألحان فقد يأتي بالمعجز المطرب الذي لا يستطيع غيره مجاراته، وفي استطاعة منير مراد أن يقلد باللحن موسيقى أي فنان غيره، وكأنك تسمع الفنان الأصلي، وتكاد أن تراه، وقد أجاد ذلك في اسكتش غنائي راقص مقلداً كبار المطربين والملحنين، الذي كان يبدأ كل جزء يختص بفنان ما بقوله جملة: حدش شاف عبد الوهاب مثلاً.. ثم يبدأ بتقليد الشخصية الفنية تمثيلاً وغناء وتعبيراً بالوجه كلما أمكن ذلك"(زكي، 1993، 232).

ولم يكن منير مراد الأول في هذا الاسكتش فقد سبقه إلى ذلك فريد الأطرش في اسكتش "ح أغني يا دنيا" الذي أدته صباح، من فيلم "بلبل أفندي"(1948) حيث كان يريد أن يقدم رسالة حاسمة بأن الحناجر الخالدة في القرن العشرين هي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان بالإضافة إلى شخصية كوكب بطلة الفيلم التي تقلدها بطة، واللافت أنه اعتمد على تسجيلات صوتية أصلية لأغنيات أم كلثوم "انت فاكراني"، وعبد الوهاب "محلاها عيشة الفلاح"، ولأسمهان"فرق ما بينا ليه الزمان؟"، واللافت أن أغنيتي أم كلثوم وأسمهان من تلحين محمد القصبجي، وأغنية عبد الوهاب هي التي أدتها أسمهان في فيلم "يوم سعيد"، وسجلها لاحقاً بصوته عبد الوهاب بالإضافة إلى أن القصبجي شارك في الفيلم ضيفاً.