لا أعلم هل أقارن اليابان بمصر، أم مصر باليابان، أم اليابان بعالمنا العربي؟

فكثيرا ما نسمع أن اليابان أرسلت بعثة طلابية الى مصر أيام محمد علي باشا لتعلم الصناعة وأساليب الإدارة وتنظيم الدولة..

وفي ذلك الوقت كانت شعوب الخليج تعيش في فقر مدقع، وتخلف مفزع، وحالة يرثى لها - في حين كان سكان المدينة يعتاشون على الصدقات التي تأتي من مصر وتوزع من خلال مبنى أزيل قبل سنوات يدعى "التكية المصرية"..

وحتى حين منّ الله علينا بالنفط والعيش الرغيد كانت مصر هي النموذج الذي يُحتذى، وكان من يسافر إليها يعود وكأنه زار كوكبا بعيدا.. وحتى اليوم مايزال كبار السن لدينا يتغنون بحالها أيام الستينيات والسبعينيات الميلادية حين كانت قبلة السياح والأثرياء ورائدة التعليم والتحديث والصناعة والفن الأصيل - وكان الجنيه المصرية حينها يساوي الدينار الكويتي، ويعادل أكثر من عشرة ريالات سعودية..

وبحكم أنها الأقرب الى أوروبا - والأسبق لنسخ أسرار التقدم منها - كانت أيضا نموذجا يحتذى لدول مثل اليابان وتايوان والصين وكوريا الجنوبية (التي كان سكانها في الستينيات يسكنون أكواخ الصفيح على نهر الهان كانج)!!

ولكن مصر اليوم غير مصر الأمس بالتأكيد؛ فالصناعات أُممت أو توقفت عن التطور، ومعدلات النمو انكمشت أو راوحت مكانها، وعدد السكان ارتفع دون أن ترتفع معه مساهمة الفرد في الناتج المحلي - أما الجنيه المصري فتراجع حتى أصبح الدينار الكويتي يساوي 24 جنيهاً، والريال السعودي أقل من جنيهين بقليل!!

وفي المقابل انظر اليوم إلى أين وصلت اليابان (والنمور الآسيوية) مقارنة بمصر وبقية الدول العربية..

فالناتج القومي لليابان يتجاوز 4,218,000,000,000 دولار، بينما لايزيد الناتج القومي لمصر عن 334,400,000,000 دولار!!

وفي اليابان يتجاوز الدخل السنوي للمواطن 33,065 دولارا، في حين لا يتجاوز في مصر 4,435 دولارا..

وفي حين تُنتج اليابان محاصيلها الإستراتيجية (رغم أرضها الجبلية ومساحتها الضيقة) أصبحت مصر (سلة الغذاء للحضارات القديمة) تستورد القمح والحبوب من روسيا وكندا..

وفي حين تملك اليابان 1,161,894 كيلومترا من الطرق السريعة المعبدة (رغم أن الجبال تشكل 80% من أراضيها) لا تملك مصر سوى 64,000 كيلومتر فقط رغم أراضيها الرملية المنبسطة..

وفي المقابل تتفوق مصر على اليابان في مظاهر سلبية كثيرة مثل:

ارتفاع نسبة التلوث، ووفيات المواليد، ومعدل التناسل، وأفراد الجيش، وضعف الشفافية، وتراجع الحريات، وعدد الأطفال (حيث يتكون ثلث الشعب من أطفال تقل أعمارهم عن 14 سنة)!!

وهنا يجب أن نعترف أن مصر مجرد نموذج لحالة تراجع عامة تعاني منها معظم الأوطان العربية.. فحالة التراجع مفزعة دائما حين نقارن اليابان (أو حتى كوريا وتايوان) مع أي دولة عربية أخرى!

وما يخيفني أكثر أن المستقبل لا يبشر بالخير كون مصطلحات مثل "التنمية" و"الاستثمار في الانسان" و"الانتقال لعصر التصنيع" ناهيك عن "صناعة المعرفة" تغيب عن أجندة التيارات المتصارعة في عالمنا العربي..

لا تسمع هذه الأيام مثلا عن وعود مستقبلية أو برامج تنموية (كالتي تقدمها أو تتنافس عليها الأحزاب الغربية) بل مجرد وعود إقصائية وبرامج إعلامية هدفها الأول تسفيه الآخر، والقفز على السلطة (ثم ماذا بعد ذلك؟)

زعيم مدى الحياة، وحالة سُبات جديدة!!