من يملك الإنترنت؟

الجواب الرسمي: لا أحد..

ولكن إن غيّرنا السؤال إلى من يتحكم بالإنترنت؟ يصبح الجواب (غير الرسمي): أمريكا..

فالإنترنت بمثابة شبكة عصبية عملاقة تنتشر وتتفرع في كافة أرجاء العالم. ولأنها تعتمد على التواصل بين ملايين الرسيفرات والكمبيوترات والكيابل لا يمكن لأحد ادعاء امتلاكه لها!

... ولكن ؛ في عالم النت هناك فرق كبير بين كلمتي "امتلاك" و"تحكم"...

فالامتلاك صعب بفضل تعددية وانتشار الشبكة، أما "التحكم" فأكثر سهولة بحكم الأسبقية والريادة التقنية التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية..

فبحكم الأسبقية؛ نشأت النت في مختبرات جامعة كاليفورنيا قبل أربعين عاماً ثم بدأت كشبكة مغلقة خاصة بوزارة الدفاع الأمريكية.. ورغم أنها اليوم أصبحت مفتوحة ويشارك فيها أكثر من بليون ونصف إنسان إلا أن بروتوكولات التعامل ونظم التواصل وضعه وسيطر عليه منذ البداية "الأمريكان"..

وليس أدل على هذا من وجود هيئة التحكم ببروتوكولات الإنترنت (وتدعى اختصاراً آيكان أو ICANN) في ولاية كاليفورنيا.. وهي هيئة خاصة بتنظيم وتوزيع وإدارة عناوين "الآيبي" وأسماء المجالات والمواقع العليا في جميع أنحاء العالم.. كما تملك القدرة على إدارة موارد الشبكة وتوزيع البلدان والمناطق الجغرافية (حيث يرمز للسعودية مثلاً بSA وكولومبياCo والصينCh واليابانJP وتركياTu)!

وفي حين لا تدرك معظم الدول النامية خطورة تحكم أمريكا بهذه العناصر، شكل احتكارها نقاط خلاف مستمر بينها وبين روسيا والصين والاتحاد الأوروبي الذين يطالبون دائما بإنشاء هيئة عالمية لهذا الغرض (بدل آيكان) لا تخضع لدولة واحدة!! هذا من جهة...

ومن جهة أخرى تتحكم أمريكا أيضاً بالانترنت بفضل ريادة شركاتها في هذا المجال.. فشركات مثل جوجل وميكروسوفت وياهو والفيسبوك واليوتبوب (وبقية العمالقة) هي من تدير وتتحكم فعلياً بعمليات ومحتوى الإنترنت.. فجوجل مثلاً تتحكم بمعظم عمليات البحث، وميكروسوفت تشغل معظم كمبيوترات العالم، واليوتيوب يؤرشف التاريخ المصور للبشرية، والفيسبوك وتويتر يملكان معلومات شخصية لا تحلم بها أجهزة المخابرات العالمية.. ومعظم هذه الشركات تقدم خدمات الإيميل أو التخزين السحابي الأمر الذي يعني أن حتى المراسلات الفردية والمعلومات الشخصية لشعوب العالم تخزن بطريقة تلقائية في بلاد العم سام...

كل هذا يثبت أن أمريكا هي المسيطر الحقيقي على شبكة الانترنت وأنها صاحبة القدرة على استغلالها وقت ما تشاء.. وما أعتقده شخصياً أن أمريكا تجاوزت فعلاً هذا الخيار وأصبحت تستغل الإنترنت لصالحها (ولكن بطريقة خفية وناعمة لا تثير بقية العالم).. فهي مثلاً تفلتر ملايين الإيميلات ونتائج البحث في ولاية ماريلاند (ناهيك عن عمليات التنصت الهاتفي التي فضحت مؤخراً على ميركل وبقية الرؤساء الأوروبيين)، كما تتهمها المخابرات الفرنسية والألمانية باستغلال برامج ويندوز ونظم التشغيل لتسريب المعلومات من كمبيوترات العالم، واليوم لم يعد خافياً أن عمليات القتل التي تنفذها الطائرات بدون طيار (في اليمن وشمال باكستان) تتم بفضل رصد مواقع الهواتف الذكية والمراسلات الإلكترونية الأمر الذي يفسر الدقة العالية في تصيد الأشخاص المعنيين بالذات...

وفي المقابل لم تترك أمريكا للحكومات العالمية سوى سيطرة محلية تتم بطرق بدائية كفصل الخدمة عن الناس (كما فعل حسني مبارك أيام الثورة المصرية) أو حجب بعض المواقع بطريقة يدوية (كما يحدث لدينا في السعودية) أو الإخلال بترتيب البحث الداخلي (كأن تظهر نتائج تشيد بديمقراطية إسرائيل حين تبحث عن معاناة الفلسطينيين) أو فلترة نتائج البحث (بحيث تظهر لك صور جميلة لميدان تيانمن في الصين بدل المظاهرات التي نظمت فيه عام 1989)..

باختصار لم تترك أمريكا لنا سوى خيار سحب السلك من الجدار!!