لا يعني الاتفاق المالي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي والذي تم التوصل إليه مساء الأربعاء الماضي سوى حل مؤقت. فالوضع المالي الأمريكي المضطرب، والذي يزداد سوءًا سنة بعد أخرى، لا يمكنه أن يستمر إلى ما لا نهاية. ففي نهاية المطاف لا بد للولايات المتحدة أن ترسو على أحد أمرين: فإما أن تتمكن من التغلب على أزمتها المالية الاقتصادية وهي أزمة مثلما نرى عميقة جداً وذات أوجه متعددة، أو أن تقع في هاوية مالية وتعلن إفلاساً حقيقياً وليس تقنياً. وهذا سوف يعني من ضمن ما يعني عدم مقدرة واشنطن على سداد الديون التي عليها للعالم.

إذاً فنحن أمام سيناريوهات أحد احتمالاتها حدوث طوفان أو تسونامي مالي واقتصادي عالمي. ولذلك فليس مصادفة أن تعلن الصين، أكبر البلدان الدائنة لأمريكا، أنه من الضروري العمل على وضع حد لأمركة العالم والمباشرة من الآن في الأعداد لقيام نظام مالي واقتصادي عالمي أكثر إنصافاً. طبعاً التصريحات الصينية قد لا تكون جدية بما يكفي. فلربما قصدت الصين الضغط على الحزبين الجمهوري والديمقراطي ودفعهما للاتفاق فيما بينهما بخصوص الميزانية والدين. وهذا هو ما حدث.

ورغم ذلك فإن هذا التذمر الصيني، شأنه شأن الاستياء الذي عم بقية البلدان والمؤسسات المالية، يعد مؤشرا على درجة الخطر الذي بدأ يستشعره العالم جراء عدم استقرار الوضع المالي الأمريكي من ناحية وسوء استغلال الولايات المتحدة لوضعها المتميز على حساب بقية بلدان العالم من ناحية أخرى. فمن الواضح أنه ليس بين أجندة المختلفين في واشنطن أي عنوان يدل على اهتمامهم بالأثر الذي سوف يتركه تطاحنهم، ضيق الأفق، على اقتصاد بقية بلدان العالم. وهذا بحد ذاته كافٍ لإثارة القلق خصوصاً لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة.

ومثل ما يقول المثل رب ضارة نافعة. إذ قد تعجل المعركة، التي انتهت مؤقتاً، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في سرعة التحول نحو نظام مالي عالمي أكثر استقراراً. وكمرحلة أولى فليس مستغرباً أن يلجأ الدائنون للولايات المتحدة، وأهمهم الصين وروسيا وبلدان الخليج، للتجمع فيما بينهم ضمن إطار معين للضغط على الولايات المتحدة من أجل إسماع صوتهم. فتشكيل نادٍ للدائنين سوف يصب في مصلحة أمريكا. فهي في نهاية المطاف لا بد أن تلتزم بالمعايير الاقتصادية السليمة وأن تأكل بقدر ما تنتج وتستورد بحجم ما تصدر.

الأمر الآخر هو وضع الدولار في النظام المالي العالمي. فهذه الورقة الخضراء التي كانت في يوم ما واحدة من أدوات الاستقرار المالي العالمي -خصوصاً عند الأزمات- قد أصبحت عبئاً بل وواحدة من مصادر الاضطرابات المالية والاقتصادية في هذه المعمورة. فالدولار غدا ناقلا لكل الأمراض الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة وهي أمراض كثيرة. ولهذا فإن الخلاف الأمريكي أمريكي ربما يعجل من التوجه الذي بدأه العالم بعد 2008 نحو التقليل من هيمنة الدولار على الأسواق العالمية وإنشاء سلة احتياط من العملات الرئيسية. وعلى نفسها جنت براقش كما يقول المثل.