في عام (1400) كانت جدة على موعد مع أحد عشاقها وكانت في تلك الحقبة ترتسم على ملامحها جمال أخاذ، فكل مسؤول فيها يعمل ريشته أو ينحت بإزميله في قسماتها لينقل للناس روعتها ويبدي لهم رونقها حتى تصبح عروساً للبحر الأحمر، وكان من بين عشاقها في مطلع القرن الجديد الأديب الكبير الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين، الذي تسلم إدارة النادي الأدبي الثقافي، وأخذ على عاتقه تقديم رسالة التنوير وتفعيل حراكها الثقافي.

كان دافع أبو مدين في ذلك الوقت هو حبه للعمل الثقافي وإخلاصه له، وإيمانه الكامل بأهمية تطوير الفعل الثقافي لهذه العروس، وافساح المجال للجيل الجديد من الشباب والقادم من أفضل الجامعات السعودية والعربية والعالمية بعد أن نالوا قسطاً كبيراً في دراسة اللغة العربية والأدب والنقد بمنهجية عالية، وعلى نخبة من أساذة الجامعات الكبيرة.

سلوى: باقة عبير وشكر لكل الأوفياء الذين قاسموني الكتابة عن أبي في هذه الصفحة

فما كان من أستاذنا أبو مدين إلا أن شرع أبواب النادي بكل ثقة للأفكار الجديدة والأسئلة الشائكة في الأدب والنقد، الأمر الذي جعله يطرح قضية "الحداثة" بكل إشكالاتها وأنماطها، كما أذاع من على منبر النادي كل ألوان الإبداع في الشعر والقصة والرواية.


تدشين مؤتمر الأدباء السعوديين الثالث

مهد ظهور أبو مدين وكوكبة من أبرز النقاد الذين التفوا حوله في مجلس إدارة النادي، إلى أن يحتل نادي جدة الأدبي مكانة سامقة وحضوراً فريداً في الأوساط الثقافية في المملكة، بل وبعض العواصم العربية، فما من اسم بارز في سماء العربية إلا وكان لأبو مدين فضل في استقطابه محاضر على منبر النادي يقدم رؤية حديثة وطرحا جديدا وفكرا مستنيرا، فقد عرفنا واستمعنا وشاهدنا في العصر الذهبي للنادي إلى إحسان عباس وزكي نجيب محمد وعبدالوهاب البياتي والمهدي بن عبود وعز الدين إسماعيل وشكري عياد وحسن ظاظا وعبدالسالم المسدي ويوسف عز الدين الأسد وفاروق شوشة ويوسف بكار ومحمد بن أحمد الشامي وصلاح فضل وسعيد علوش ومحمد رجب البيومي وعلي البطل وسعد مصلوح وجابر عصفور وأحمد كمال زكي وبدوي طبانة وصالح جواد الطعمة وحمادي صمود ونذير العظمة ومحمد العروس المطوي، ناهيك عن أبرز الأصوات المحلية من رواد الأدب وأوائل الأسماء الأكاديمية في المملكة.

لم يقف أستاذنا أبو مدين أمام هذا الجهد لنادي جدة الأدبي، بل كانت لديه فكرة هامة حول مشروع طباعة أبرز الكتب الهامة في الفكر النقدي والإبداع الأدبي والتراث البلاغي، فأصدر النادي جملة من هذه الكتب لأدباء ونقاد سعوديين وعرب نافت على المئة كتاب.

السبيل: صارم بأدب.. حازم بلين.. وفيّ بصدق.. واثق بتجربة.. يستشرف المستقبل

لم يكتف أبو مدين بكل هذا الإنجاز الضخم، فهو يرى أن الساحة الثقافية تحتاج المزيد من الفعل الثقافي، حتى فاجأ المثقفين بعدد من الدوريات التي أضحت منارات للنادي وعنوانا لثقافة بلادنا، فهذه "علامات" في الفكر النقدي، وهذه "جذور" في الدراسات التراثية، وهذه "الراوي" في الإبداع القصصي، وهذه "عبقر" في الشعر وقضاياه، وهذه "نوافذ" لترجمة الإبداع العالمي، كل تلك الدوريات كانت تخرج في موعدها بانتظام دون تأخر أو تلكؤ بل أصبحت سفيرة ثقافية لنا في العواصم العربية يسعى كل ناقد أو مبدع أن يكون له سهم فيها.

هذا هو عبدالفتاح أبومدين.. الإنسان المؤمن والوطني الغيور والمثقف الموسوعي والإداري الناجح والناقد الجريء، تحية له على ما قدم من إنجاز باهر لتاريخنا الثقافي والأدبي، إبان فترة رئاسته للنادي الأدبي الثقافي بجدة والتي تقدر ب(25) عاماً أمضاها بين أروقة النادي مع كتبه وأوراقه يعمل فيه صباح مساء حتى يرفع من رصيدنا الثقافي بين الأمم.

هنا وعلى صفحات ملحقنا الثقافي نقدم تحية محبة وتكريم احتفاء بهذا الرائد أو مدين يشارك فيها ألمع الأصوات النقدية والتنويرية من المملكة ومصر وتونس الذي رسموا بطاقات محبة وتقدير للدور الذي لعبه الأستاذ أبومدين في مسيرتنا الثقافية مع أملنا الكبير أن نراه مكرماً على منصة مهرجان الجنادرية بإذن الله، والآن إلى هذه الكلمات الملونة بالعشق والعرفان.


د. عبدالله الغدامي

في مطلع هذا الاحتفاء يتحدث لنا الناقد المعروف الدكتور عبدالله محمد الغذامي الذي يبرز للمتلقي دور أبو مدين في اصطياد الأفكار وخلق الأسئلة وفحص الرؤى وذلك من خلال تجربته مع الأستاذ أبو مدين في النادي ويقول الغذامي أيضاً:

هناك علاقة شبه بين الأفكار والطيور، ذاك لأن الأفكار لا تعيش في مخزن حديدي داخل رؤوسنا ينتظر منا مفتاحا فضيا نفتح به الصندوق كلما احتجنا فكرة من نوع ما. الأفكار عصية وهي دوماً تحلق هناك في فضاء بعيد، وحينما نكون بأشد الحاجة إليها فإنها تكون أكثر تعصيا وتمنعا علينا حتى لنظن أننا لا نملك أي حل لما يعترض طريقنا في لحظات نكون فيها أحوج ما نكون لأي فكرة تنقذ الموقف، هذا درس عميق تعلمه عبد الفتاح أبو مدين، ثم تعلمته أنا منه، ولك أن تقول إنها خلاصة تجربتي من صحبة امتدت أربعة عقود.

وخلاصة الفكرة أن عقلية أبو مدين تسير تحت هذا المعنى، ولذا كان في حياته العلمية والعملية لا يفتأ يطرح أموره عبر التشاور والأسئلة وعمليات العصف الفكري مع أي أمر يهم به، وكان أول بند في خططه هو طرح الأسئلة، وهذا هو سر نجاح وتفوق برنامج النشاط الإبداعي للنادي الأدبي في جدة، أي إنه نشاط كان يقوم على نظام العصف الفكري الذي يفتتحه أبو مدين بسؤال ثم يترك الكرة بيد اللاعبين يتداولونها فكرة فكرة ومقترحاً مقترحاً وتخيلاً تخيلاً، ويظل هو يرقب الكلام ويصغي مانحاً نفسه حرية كاملة في السياحة والسباحة بين تراشقات الأفكار، ويتولى عقله المتابع فحص الرؤى وعمل حساباته الإدارية والقيادية والتنفيذية، وكأنما هو صياد يضع شباكه ويفردها على الأرض وفيها الطعم حتى يأتي طير يغريه الطعم فيقع في المصيدة، والصيد هنا سيكون فكرة من بين أفكار، وما يلبث الصقر الذي التقطت عينه الصيدة حتى يشرع في التنفيذ.

هكذا يتم اصطياد الفكرة من بعد انتقائها من بين خيارات عدة، وهذه مهارة ذهينة عالية في صناعة الأفكار وفحصها وموازنتها.

ثم يتلو ذلك خطة ذهنية أخرى وهي خطة التنفيذ، وهي خطة ذهنية فريدة من نوعها في فن الإدارة، حيت يعتمد أبو مدين هنا على عنصرين نادرين ومتميزين هما الشجاعة ونبذ المخاوف البيروقراطية من مغبات العمل وعوائقه، إلى حد أنه لم يكن يبالي أن يضحي بمنصبه رئيسا للنادي الثقافي في جدة، وكان همه أن ينجز ما قرر إنجازه حتى لو صار آخر عمل له، ومن هنا فهو يعطي العمل الذي بين يديه كل ما يتطلبه هذا العمل دون تسويف ولا استثناء ولا تأجيل لأي عنصر من عناصره، وهذا هو شرطه الأول على نفسه.

ويواصل الناقد الغذامي طرحه الهام عن الأستاذ أبو مدين فيذكر: أما العنصر الثاني، وهو ما اشترطه أبو مدين على نفسه، فهو أن يمضي في خطة التنفيذ منفردا ومعتمدا على جهده الخاص، ويجري مع كل خطوة من خطوات التنفيذ وكأن ليس في النادي غير شخصه، وهاهو قد اصطاد الفكرة عبر العصف الذهني من كل الأطراف، ويبقى التنفيذ الذي شرطاه الشجاعة المطلقة وبلا استثناء، وكذلك الهمة العالية في التنفيذ، بحيث لا يتكل على أحد من المساعدين، ولا حتى في أبسط الأشياء من مثل أكواب العصير وحجز قاعة المحاضرات وترتيبات السفر للضيف المحاضر واستقباله في المطار، مع فحص مكبرات الصوت وأجهزة التسجيل، حتى إنه مرة أمر بشراء جهاز بث جديد حينما برزت بعض مخاوف من تعطل الجهاز الذي في النادي في عطل بسيط كان يكفي أن نطول بالنا عليه لبعض الوقت كي يتحرك، ولكن الأستاذ لم يرد أن يترك الأمر للمفاجآت أثناء إلقاء المحاضرة، وكنت أنا صاحب تلك المحاضرة ومحاضرتي تحتاج لبروجيكتر لعرض شرائح صور، وقبل المحاضرة بدقائق لاحظت أن الجهاز مشوش مما تسبب علي بحالة من التوتر ولما لاحظ الأستاذ توتري أمر مباشرة أحد الموظفين بالذهاب إلى السوق لشراء جهاز جديد، ولكننا اكتشفنا أن التشويش كان بسبب قرب الجهاز من الشاشة ولو أبعدناه قليلا تصفو الصورة وهذا ما صار، ولم أعلم بتصرف الأستاذ إلا بعد فراغ المحاضرة حين جلسنا نتكلم عن ذلك المقلب الذي أرعبني لحظتها حتى هممت بتغيير موضوع محاضرتي وصرفها لأمر لا يحتاج لشرائح، وكم احسست بالامتنان لحظتها للأستاذ على همته العالية ورقي تصرفه وعدم تسويفه للحظة وترك الأمور للصدف.

هذا نموذج للذهنية العملية والإيجابية لطريقة الأستاذ في العمل، تلك الطريقة التي رسمت خطة للنجاح والإنجاز، بدءاً من صناعة الأفكار وتوليدها وامتدادا لخطط التنفيذ وطريقته اللحظوية التي لا تؤجل شيئاً لما بعد اللحظة.

طبعا هذا هو الأستاذ، ولعلكم لاحظتم تردادي لكلمة الأستاذ واكتفيت بها عن الاسم الكامل، وذلك أننا تعودنا في وسطنا العملي والعلمي على أن كلمة الأستاذ هي مفردة خصوصية تعني عبد الفتاح أبو مدين، وهو بحق استاذ في المنهجية العملية والإنتاجية جعلت عملنا في النادي خلية حية دائبة التحرك ودائبة المحبة ودائبة الإنتاجية، إنها صناعة الأستاذ.


مصلوح: تاريخ الثقافة في السعودية سيتوقف معجباً بالدور الباذخ لأبو مدين

ومن الكويت يأتي صوت الناقد المصري المعروف الدكتور سعد عبدالعزيز مصلوح أستاذ اللسانيات بجامعة الكويت، فهو لا ينس يوم أن رحب به محاضراً في النادي ويثني على دوره التنويري فيه وتحدث أيضاً: عرفت الشيخ الجليل أبو مدين حقبة نيّفت على ثلاثة عقود، فقد اتصلت به أسبابي من مطالع الثمانينات من القرن الميلادي الماضي؛ منذ تفضل فدعاني لإلقاء محاضرة عن اللسانيات وسهمتها في تحليل النص الأدبي. وما زادني كرُّ السنين إلا حُباً وإجلالاً له، وإعظاماً لدوره المقدور في الحركة الثقافية والأدبية في المملكة العربية السعودية. كانت اللسانيات آنذاك قادماً غريباً على ساحة النقد الأدبي، غير مُرَحب به في سياق ثقافي محافظ، ينظر إلى كل قادم جديد بعين الريبة والتهمة. غير أن الأستاذ أبو مدين فاجأني يومها حين تلقى اقتراحي بموضوع محاضرتي عن المنهج اللساني في النقد الحديث بالقبول، بل بالحماسة للموضوع، والدعوة له، والقيام عليه. لقد كان له من ثقوب النظرة وصفاء البصيرة والقدرة على التنبؤ ما أتاح له في تلك الحقبة الباكرة أن يستشرف المستقبل المعرفي لكثير من شُعب هذا العلم المستحدث، وأن يفتح نوافذ نادي جدة لمهاب الريح من كل حَدَبٍ، فاهتزت لها الأرض ورَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج، واشتعل إوار المثاقفات على صفحات الصحف والمجلات؛ فكانت نارها برداً وسلاماً على العلم وطلابه، والمشتغلين بالإبداع في هذا البلد الطيب وفي غيره من بلاد العرب.

لذا؛ أحسب أن تاريخ الثقافة في المملكة سيتوقف طويلاً بالتأمل والإعجاب أمام الدور الباذخ الذي قام به هذا الشيخ الجليل في تحريك دولاب الثقافة، وإنشاء الدوريات العلمية الرصينة، والحرص على انتظام صدورها بالمتابعة والاحتفاء بدقائق التفاصيل، وترسيخ دورها وفاعليتها بما يتجاوز حدود المملكة إلى المؤسسات الثقافية في أقطار العرب، وبذا جعل أفئدة عشاق العربية وعقول أعلام علمائها تهوي إلى ذلك النادي العريق ودورياته من كل صوب، وتتفيأ فيها ظلالَ التنوع المنتج والتسامح الرحب.

ويختتم الناقد مصلوح مشاركته قائلاً: ذلكم هو عبد الفتاح أبو مدين، وتلكم هي سهمته في السياق الثقافي السعودي خاصة والعربي عامة. وما كان لذلك الإنجاز أن يكون لولا ما يتمتع به صاحبه من دأب وسعة صدر، وصلة واشجة بالعربية وكنوز تراثها، وذاكرة حافظة لروائع نتاجها، وقلم مبين معرب لا تفتقد في آثاره ماء العربية ورواءها، وانتساق فريدها؛ إذ تتجاوب فيما يخطه بيمينه أصداء الأستاذين العظام من صَاغَة الأسلوب ورَاضة الكلام، فجزاه الله عن لغة العرب وآدابها جزاء العلماء العاملين، ونفع به وبجهده وجهاده أبناءها وسدنتها المخلصين.


السريحي: في كتابات أبو مدين طبع إحيائي يمد بنسب لطه حسين والعقاد والمازني

أما الناقد المعروف الدكتور سعيد مصلح السريحي فينصب حديثه حول ليلة إقالة الأستاذ أبو مدين من النادي ثم إعادته رئيساً له ويوضح شغفه بالعمل وعشقه للانجاز من خلال صحبة سنوات طويلة ويقول السريحي: في مساء اليوم التالي للهجمة الشرسة التي قادها مجموعة من الشباب المتطرفين ضد أمسية شعرية أقامها النادي وشاركت فيها عدد من الشاعرات السعوديات، في مساء اليوم التالي لتلك الأمسية كان الوجوم يخيم على مقر النادي الأدبي، سألت عبدالله قايد مراسل النادي عاصر نشاطات النادي وتعرف على كل الأدباء والمفكرين الذي شاركوا فيها على نحو يؤهله كي يكون شاهداً على تلك الحقبة، سألته عن سر ذلك الوجوم فأخبرني أن النادي تلقى قبل دقائق رسالة بالفاكس تفيد بإقالة الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين من رئاسة النادي، سألته وهل علم الأستاذ بذلك؟ أشار أن نعم، وحين سألته أين هو الأستاذ قال لي إنه في مكتبه، ترددت قليلاً في أن أدخل مكتب الأستاذ، لم أكن أعرف ما الذي اقول له، كان الأستاذ يدفع ثمنا باهظا لانتصاره لاتجاه الحداثة ووقوفه إلى جانب شباب ذلك الاتجاه في حقبة كانوا أحوج ما يكونون فيها إلى من يقف إلى جوارهم بعد أن تخلت عنهم كثير من المنابر ونفضت يدها منهم كثير من الصحف وأصبحوا هدفاً سهلاً للذين كانوا يرمونهم بما شاءوا من التهم التي تبدأ من المروق على المجتمع وتنتهي بالخروج عن الدين.

لم تكن الخلفية الثقافية للأستاذ وهي خلفية تراثية في تأصيلها وذات طبع إحيائي يمد بنسب إلى طه حسين والعقاد والمازني، لم تكن هذه الخلفية لتحمله على أن يزج بنفسه في أتون معركة الحداثة غير أنه كان يمتلك روحا وثابة تتجاوز البعد الثقافي ورؤية استشرافية وقفت وراء رهانه على المستقبل الذي كان يدرك أنه منذور لحركة الحداثة حتى وإن بدأ حاضرها متعثراً وبالغ خصومها في النيل منها، كان الاستاذ وهو يتولى إدارة النادي يقدم أنموذجا نادرا يتمثل في القدرة على الفصل بين الثقافة الخاصة التي ينتمي إليها والثقافة التي يعرف أن نجاح النادي معقود على الوقوف إلى جانبها.

وإضافة إلى هذه الروح الوثابة والقدرة على الفصل بين المثقف والإداري في العمل الإداري لم يكن الاستاذ ممن يبحث عن إرضاء فئة كان كثيرون غيره لا يبحثون عن شيء بقدر ما كانوا يبحثون عن إرضائها ولم يكن يخاف من فئة كان كثيرون غيره يرتعدون خوفا منها، كان يستند إلى تاريخ يعرف أن أولئك المزايدين على التراث والثقافة لا يبلغون شيئا منه، وأن له من فصاحة البيان وثبات الموقف ما من شأنه أن يتركهم يتلعثمون إن تحدثوا ويرتبكون إن وقفوا.

ويمضي الناقد السريحي في حديثه قائلاً: كنت متردداً أن أدخل عليه مكتبه ليلة خبر إقالته، غير أني ما لبثت أن عزمت أمري ودخلت، كان كما أعهده دائما مستغرقا بين الأوراق، خطاب دعوة لأديب، أو تجارب أخيرة لكتاب على وشك الصدور أو مسودات مجلة من مجلات النادي.

أخرج من بين الأوراق رزمة ودفع بها إلي:

  • علامات.. هذي آخر الأبحاث، معاك يومين، لا تأخرها عندك

عاد ثانية يقلب في أوراقه، رفع رأسه ثانية:

  • لازم نحدد موضوع وضيوف ملتقى قراءة النص القادم لعرضهم على مجلس الإدارة القادم.

قلت له لا يزال بيننا وبين ملتقى قراءة النص أكثر من شهور ستة، فقال لي إننا إن لم نستعد مبكراً فإن الوقت سوف يمضي دون أن نشعر.

تحدثنا عن أمور عدة ولم أستطع أن أسأله عن خبر الإقاله، ولولا أن عبد الله قايد قد أكد لي أنه على علم به لشككت أنه قد علم بذلك، ليس لأن أي تأثر بالخبر لم يكن بادياً عليه، وإنما لأنه كعادته مستغرق في التخطيط لنشاطات النادي التي لا تزال على مسافة عدة أشهر.

حملت ما سلمه لي من أبحاث علامات وأستأذنته مغادرا، عند باب المكتب توقفت قليلاً وسألته، تحدث وكأن الرجل الذي تمت إقالته رجل غيره:

  • يا سعيد، الثقافة مغرم وليست مغنما..

كانت تلك هي كلمته التي يرددها دائما، ثم واصل يقول:

  • علينا أن نعمل ما نؤمن به، إذا عجبهم أهلا وسهلا، وإذا ما عجبهم مع السلامة، لا نبحث عن مكسب من وراء عملنا.

ولمح على فمي سؤالا لم أصرح به، قال:

  • لو بقي لنا يوم واحد في النادي فلن نتقاعس، سنعمل كما ينبغي أن نعمل، ولن نتوقف عن العمل حتى تأتي اللجنة المكلفة باستلام النادي رسميا منا.

وأكد عليّ قبل أن أغادر مازحاً:

  • لا تاخذها حجة وتأخر علامات، ولاتنس تفكر في ضيوف ملتقى النص.

وبعد اسبوع وصل خطاب من رئاسة الشباب يلغي الإقالة ويعيد تثبيت عبد الفتاح أبو مدين رئيساً لنادي جدة الأدبي.


د. عبدالعزيز السبيل

وممن عملوا وتعاملوا مع أستاذنا أبومدين الناقد المعروف الدكتور عبدالعزيز السبيل الذي يدعو إلى أن ننصف أبومدين حتى لا يظلمه عصره وقال: حين أنشأ الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين جريدة "الأضواء" (1957)، هل كان يتنبأ بأن "الأضواء" التي وجهها للقراء ستتجه منهم إليه اعترافاً بفضله، واحتفاء بمنجزه؟ ولعله، حين أسس جريدة الرائد(1959)، كان يقرأ التاريخ المستقبلي، فقد تحول هذا الاسم إلى وصف له ينطبق عليه بكل جدارة وتقدير. فهو دون ريب "الرائد" الأبهى حضورا، والأغزر إنتاجا، والأكثر تنوعا في اهتماماته الأدبية والثقافية.

يضاف إلى ذلك دوره الفاعل ونشاطه المتميز في الحقل الإداري، وصناعة فعل ثقافي مؤثر، كان سنامه خلال وجوده على هرم نادي جدة الأدبي الثقافي، لربع قرن من الزمان. خلالها، كان النادي هو الأكثر حظوة باتجاه الأنظار إليه، عبر ندواته، ومؤتمراته، ودورياته، التي حققت حضوراً محلياً وعربياً متميزاً.

كل ذلك حدث، نظراً لما يتمتع به هذا الرجل من قدرة قيادية، في مجالات ثقافية متعددة. يحركها بشكل أساس حالة القلق الثقافي التي يعيشها. وهو قلق إيجابي، بحيث يسابق الزمن لإنجاز مختلف. ساعده على ذلك تملكه لمهنية اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وتبنيه للمقترحات الجادة الموثرة، بحيث يبدو وكأنه صاحب الفكرة، من حيث المتابعة والحماسة والحرص على الإنجاز.

ويوضح الناقد السبيل جملة من الصفات الثمينة التي يتمتع بها أبو مدين فيقول: أبو مدين صارم بأدب، حازم بلين، وفيّ بصدق، واثق بتجربة، يستشير كثيراً، ويعمل ضمن قناعاته التي تستشرف المستقبل. بدأ حياته من الصفر، وحفر بأظافره الصخر. عبر تلك الأيام، خاض الأمواج والأثباج. وفي معترك الحياة، عاش أيامه في النادي وحياته بين الكلمات. قدم حديث الحياة، وغدا علامات للذين ضل سعيهم، لعلهم يرشدون. أخيراً.. إذا كان "حمزة شحاته ظلمه عصره"، فهل أبو مدين أنصفه عصره؟


النعمي: أبو مدين مرن في العمل إلى أبعد مدى وصلب في المواقف إلى حد الجمود

وهذا الناقد المعروف الدكتور حسن النعمي أحد الذين اتيحت لهم الفرصة ليتعامل مع المحتفى به الأستاذ أبو مدين وقصة تعرفه به فقال: (الثقافة مغارم وليست مغانم) بهذه العبارة يلخص الأستاذ الأديب عبد الفتاح أبو مدين رأيه في الثقافة وفي الإدارة الثقافية. فالثقافة بالنسبة له التزام ومسؤولية، والإدارة الثقافية استيعاب للاختلاف وتنوع التجارب مع قدر من الطموح نحو تطوير آليات العمل. وفي النهاية عليك أن تتحمل الأعباء ولا تنتظر الثناء.

كلنا عرفنا الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين صاحب النشاط الثقافي والإعلامي النشط عبر متابعته سواء من خلال تاريخه في صحيفتي "الرائد" و"الأضواء" أو من خلال رئاسته لنادي جدة الأدبي الذي صنع منه منارة ثقافية على مستوى الوطن العربي.

أتيحت لي فرصة العمل ضمن إدارة نادي جدة برئاسة الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين ما بين عامي (2003م) و(2006م)، ولذلك قصة تروى. كنت قبل انضمامي للنادي قد أطلقت مع الزملاء عبده خال وعلي الشدوي وسحمي الهاجري نادي القصة في جمعية الثقافية والفنون بجدة في عام (2002م)، وعلى مدى موسم قدم نادي القصة برنامجاً عن الرواية السعودية بعد عام (2000م)، وقد لقيت أمسيات النادي متابعات كثرة من المثقفين والصحافة. وكان النادي يعاني من انصراف الجمهور لأسباب مختلفة. في تلك الفترة التقيت الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين في نادي القصيم الأدبي، يومها عرض علي عضوية مجلس إدارة نادي جدة الأدبي التي كانت شاغرة حينذاك. فقد أدرك بنظرته الثاقبة حاجته إلى من يحرك النادي، فقد لاحظ أن مجموعة الشباب في نادي القصة هي التي يمكن أن تعيد للنادي حضوره المنبري الذي أصابه الوهن. فاستمهلته التفكير، حيث إنني مرتبط مع الجمعية. لم يطل قراري، ووجدتها فرصة أكبر للعمل الثقافي واسترشدت بآراء بعض الأصدقاء الذين أكدوا أن فرصة العمل الثقافي في النادي أكبر.

انتلقت لنادي جدة الأدبي في عام (2003م) بعد أن قدمت مشروع (جماعة حوار) الذي رحب به النادي. وقد عرفت أمراً مهما بعد ذلك، وهي صفة نادرة في الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين، أنه يقبل كل من يقدم مشروعاً على أن يتحمل كافة مسؤولياته. وكانت هذه الميزة تناسبني تماماً، فلا أحب أن أراجع المسؤول في كل صغيرة وكبيرة، ولعل هذا أحد أسباب نفوري من المناصب الإدارية التي تؤمن بالتراتبية والبيروقراطية، ولو لم يكن العمل ثقافياً سواء في الجمعية أو النادي لما أقدمت عليه.

ويبرز الناقد النعمي بعضاً من معالم الرجل فيذكر: وجدت في الأستاذ عبد الفتاح أيو مدين رجلا مؤمناً بوجهات النظر مهما اختلفت، بشرط أن يعقب القول عمل. أما من ينظر ولا يفعل فهو ساقط من عينيه، وقد مر على النادي أشخاص أسقطهم من عينه إذ رأى فيهم أدعياء كلام فحسب.

في تجربة جماعة حوار، وفي ليلة الافتتاح قدمت الأستاذ أبو مدين على أنه راعي الحفل، فصعد المنبر فقال، وهو خطاب مدون، (لست راعياً ولا مرعياً، إنما أنا إلا رجل من عرض الناس، أنا منكم وإليكم، وربما نصيبي من القياس إليكم من الثقافة أقل مما تتوقعون).

وقد كان فعله مصدقا لهذا الكلام، حضر كل جلسات جماعة حوار، إلا أن يكون له عذر من سفر ونحوه، يجلس مستمعاً، ويتداخل بصفته الثقافية لا أكثر ولا أقل. فعله هذا كان دائماً محل نظر ممن يحضر، ويرون رئيس النادي يجلس في عرض الجلسة لا في المنصة ينصت برغبة الاستفادة لا مجاملة ولا استعراضاً.

هذا هو الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين، إن تواضع تواضع بصدق، وإن عمل عمل بجد، وإن طاول الطموح كان أهلاً له. مرن في العمل إلى أبعد مدى، وصلب في المواقف إلى حد الجمود. يكره من يتحدث كثيراً، ويفرح بمن يعمل. عندما رأى أحد الزملاء ممن طلبهم للعمل في النادي أنه لم ينجز ما أسنده له، قال له: (من الأفضل أن نبقى أصدقاء، وأنت حل مما طلبت منك).

هذه الروح الإدارية الفذة التي توازن بين إعطاء الصلاحيات حتى ليظن من يعمل معه أنه صاحب قرار، وبين مركزية تهتم بالمنجز في شكله النهائي، وليس الدخول في تفاصيل التفاصيل التي قد تنزع الثقة ممن يعمل معه، هي أحد أسباب نجاح أبو مدين في إدارة دفة النادي بكفاءة واقتدار أكثر من عشرين عاماً.


القاضي: أثبتت الأيام أن أبو مدين أنجز في حيز زمني قصير ما تعجز عنه العصبة أولو القوة

ومن تونس يشارك الناقد المعروف الدكتور محمد إبراهيم القاضي الذي يؤكد معرفته بهذا الهرم الثقافي وبإنجازاته التي وصلت إلى تونس بعد أن كون له اسماً لامعاً في الحركة الثقافية ويقول القاضي: عبدالفتاح أبو مدين.. قد لا يكون مفكراً عملاقاً.. ولا ناقداً نحريراً.. ولا مبدعاً فذا.. ولكنه رجل من أولئك الذين لا يذكر الفكر ولا النقد ولا الإبداع في المملكة العربية السعودية إلا ذكر.. وليس بإمكان مؤرخ للحركة الأدبية والصحافية في المملكة أن يضرب صفحاً عن الدور الخطير الذي اضطلع به هذا الرجل خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين في بلورة الحركة الأدبية في هذه البلاد والإسهام في تحريكها وتمهيد السبيل أمامها لتواكب تيارات الثقافة العربية السائدة.

هذا الرجل الذي حل بالبلاد لا يملك قطميراً، لم يلبث – بعد أن صاول الصعاب فنالت منه حينا وألان عريكتها أحيانا – أن غدا أحد أبنائها المعدودين، وقدم لخصومه القليلين ولأنصاره الكثيرين الدليل على أن الإيمان بالقيم السامية والتفاني في خدمتها دون رجاء مكافأة أو جائزة كفيل بتحقيق أبعد المطالب.

عرفتُ عبد الفتاح أبا مدين في تونس منذ ما يقرب من عشرين عاما. أكاد أراه بعين ذاكرتي: رجلا نحيفا يختلط في شعره السواد بالبياض، رقيق الملامح، ضيق العينين، ترتسم على أساريره ابتسامة لا ينكشف معناها أول وهلة. كان يطيل الإصغاء ولا يتكلم إلا لماما، ولكنه إذا نطق تدفقت الشواهد على لسانه، فكأنه حارس لخزانة الأدب والفكر من الضياع، موكل بالحفاظ عليها ونشر محتوياتها. لم يكن عبد الفتاح أبو مدين يسرف في استخدام المصطلحات النقدية الدائرة في حلقات النقاد المسكونين بالحداثة، ولم يكن يرفضها. لم يكن له غرور المبدعين ونرجسيتهم، ولكنه كان مثلهم ينتقي كلماته – حتى وهو يتحدث مشافهة – جاعلا للغة وظيفة جمالية لا تقل شأنا عن وظيفتها الإبلاغية النفعية.

ويذكر الناقد القاضي أياماً جميلة جمعته بالأستاذ أبو مدين في العاصمة التونسية مع رهط من المثقفين وقال: كنا – أنا والمرحوم عبدالله صولة ود. حمادي صمود – نلم بعبد الفتاح أبي مدين في مصيفه ومشتاه في إحدى ضواحي العاصمة التونسية بين الجبل والبحر، فنجده وسط المجلدات والملفات، وكنا نأخذ عليه إسرافه على نفسه في الكتابة والقراءة والتصحيح حتى وهو في أيام إجازته، فيبتسم لنا ويرد علينا بعبارة صارت عندنا من علاماته: "إن الثقافة مغارم وليست مغانم".

كان عبد الفتاح أبو مدين في تلك الأيام يحمل هما ثقافيا ثقيلا، وكثيرا ما استشارنا في عناوين المجلات التي كان ينوي إصدارها في نادي جدة الأدبي والثقافي. كان يصغي إلينا - ونحن نصف له الصعاب والتحديات – مفترَّ الثغر مؤمنا بقدرته على تجاوز العقاب.

ولقد أثبتت الأيام أن الرجل كان على حق. فقد أنجز في حيز زمني قصير نسبيا ما تعجز عنه العصبة أولو القوة. فكان بذلك مدرسة قائمة برأسها: علمنا أن الطموح لهيب الحياة، وأن المثقف الحق لا تثنيه عقبات السن ولا الوقت ولا الإمكانات المادية. علمنا أبو مدين أن الشهادات العلمية – مهما عظمت – ليست شيئا أمام جذوة الإيمان بالمثل العليا والسعي إلى تحقيقها، وأن المثقف الحق يقاس بما يتركه للمجموعة التي ينتمي إليها. علمنا عبدالفتاح أبو مدين أن الوطنية ليست ورقة توضع في الجيب ولا هتافا يطبق الأفق وإنما هي عمل صامت دؤوب من أجل خير الجميع. علمنا أبو مدين أن أهمية الفرد لا تكمن في جاهه ولا في ماله بل تكمن في إنكاره ذاته وانصهاره في المشروع الجماعي. وأخيرا علمنا عبد الفتاح أبو مدين أن المثقف ليس ذاك الذي يجتر المسلمات وإنما هو ذاك الذي يتجذر في هويته دون أن يمنعه ذلك من أن يدرك حركة التاريخ ويعمل على استباقها. هذا هو أبو مدين الذي أحبه.


العدواني: صلاح فضل رغّبني التعرف بأبو مدين وأمسية قصصية أشعلت شرارة اللقاء

من جهة أخرى يتحدث الناقد المعروف الدكتور معجب العدواني وهو أيضاً من الذين عملوا مع أبي مدين وسمع عنه خيراً قبل أن يتعرف به ودور أبي مدين في خروج دوريات نادي جدة الهامة وقال في حديثه عنه: تمر بعض الأسماء التي تتسنم ذروة العمل في المؤسسات الثقافية والأكاديمية دون أن تترك أثرا يذكر، بينما يمكن لأخرى أن تبقى حاضرة بعد خروجها من العمل! ولا يتحقق ذلك دون رسم أهداف ورفع شعارات للبحث عن الأفضل.

قبل أكثر من عقدين سألني صلاح فضل: ما أخبار الأستاذ عبدالفتاح؟ فأجبته: لم أقابله قط, ولكني أعرفه بوصفه رئيس نادي جدة الأدبي، فقال فضل: ينبغي أن تلتقيه. مضت أعوام أنستني الجملة الأخيرة من حوارنا، لأعود بعدها إلى مدينة جدة للعمل فيها، ولم تشعل شرارة اللقاء بالأستاذ والعمل في نادي جدة سوى أمسية قصصية أقيمت في جمعية الثقافة والفنون بجدة التي كان يقود نشاطها الثقافي عبدالله المعطاني، وكان عبدالعزيز السبيل مدير الأمسية، ودعاني بعد انتهائها للمشاركة في نشاط المنتدى النقدي الذي كان يشرف عليه، ويضم الشوكاني والنعمي والعارف وبافقيه والشدوي وآخرين، إلى جانب رئيس مجلس إدارة النادي وبعض أعضائه مثل قدس والسريحي وباقادر والقحطاني.

انطلقت جلسات المنتدى النقدي بكفاءة عالية معتمدة على إدارة متميزة للسبيل، ودعم معنوي غير محدود من أبي مدين، وتعاون خلاق بين أعضاء المنتدى، وأشرفت على المنتدى بعد انتقال السبيل إلى الرياض ما يقارب ثلاث سنوات، وكانت وشرفت على الووو وكانت تلك اللقاءات بداية الاطلاع على تجربة الأستاذ، اللقب الذي ارتضاه المثقفون له، والتعرف على إنتاجه الكتابي ومداخلاته النقدية، وكنا في تلك الأيام نحرص على الاستفادة القصوى من تلك الخبرات التي تحيط بنا، ونعمل على استثمارها بصورة إيجابية, وكان ما يميز النادي إصداراته الحديثة ودوريته الرصينة (علامات)، ودورياته الناشئة حينذاك: (الرواي) و(عبقر) و(جذور)، إلى جانب فعالياته ومناشطه ولاسيما ملتقى (قراءة النص) الذي لا يزال يعقد بصورة دائمة حتى الآن، وكان يقف وراء ذلك شخص واحد هو (الفتى مفتاح)؛ رجل القرار الجريء المبني على أنموذجين من الخبرة الإدارية وفلسفة الحياة، إلى جانب الحكمة التي اكتسبها من ثقافة واسعة.

وعن متابعة أبي مدين لأعمال النادي ومراجعة إصداراته ومكوثة في النادي جل وقته ليتأكد من سير أعماله يقول عن ذلك الناقد العدواني: كان أبو مدين لا يشرف على تلك الأعمال فحسب، بل يباشرها بنفسه دون كلل أو ملل. يقضي أوقاتا طويلة في قراءة تلك الإصدارات ومراجعتها، حتى تكون جاهزة للطبع، ويتابعها أثناء طباعتها في بيروت، ومن ثم يتابع وصولها إلى النادي، ومن ثم توزيعها ووصولها إلى المستفيدين. أما الملتقيات فلم تكن تنظم لها اللجان الكثيرة، وكان عدد أولئك لا يزيد على أربعة أو خمسة أشخاص، على أن يكون الأستاذ أحدهم، وكانت إقامة النادي لتلك الفعاليات شرارة تفاعل الأندية الأدبية مع الملتقيات وبدء شيوعها في الساحة الثقافية التي كان لنادي جدة الدور الفاعل فيها ولا يزال.

إن شعار أبي مدين الدائم والمعلن أمام الجميع "الثقافة مغارم وليست مغانم" يوضح لنا الهدف الذي رفعه، وأضحى هذا مرتكزًا لكثير من القيادات الإدارية الثقافية، ومن خلال هذا الشعار وتلك العزيمة توالت كتاباته، وتحققت منجزاته الفردية والمؤسساتية دون انتظار مكاسب أو التطلع إلى مغانم، ولعل مغانمه المؤسسية التي نجح النادي فيها قد حملت علامة مميزة في ثقافتنا خلال حقبة الثمانينات والتسعينات، ويمكن أن تتلخص في كون النادي: إصدارات وفعاليات أصبح معروفًا ومرجعًا للباحثين في العالم العربي.


القرشي: حرص أبو مدين على فتح نوافذ لثقافتنا لتسافر إلى الآخر.. و»علامات» أبرزها

ويأتي صوت الناقد المعروف الدكتور عالي بن سرحان القرشي مؤكداً للدور الذي لعبه أبو مدين في حراكنا الثقافي والذي حصل عليه بتعبه وجده حتى نال هذا الموقع الثقافي الكبير وبدأ حديثه قائلاً: أستاذنا عبدالفتاح أبومدين قامة ثقافية رائدة، هذه القامة أصبحت إذا جاز لنا التعبير هي محور تاريخنا الثقافي الذي يمشي على الأرض، ذلك لأن أبامدين من أولئك الرجال الذي نحتوا الصخر بالأظافر وقاسوا مشاغل الحياة ومتاعب الوجود فيها، ومع ذلك لم ينسوا الثقافة والأدب، شقوا لها طريقاً وعاشت به معهم فكأنها ربيبة من ربائبهم وصنعة من صنائعهم.

ويبدو لي أن أبامدين تعامل مع هذه الثقافة لهذا الحس ولذلك يراها كما يقول دائماً: مغرماً لا مغنماً.

يسعد ويبتسم حين يرى إنجازاً ثقافياً، وكم كان باشاً حين يعقد في ناديه ندوة أو محاضرة أو ملتقى سنوياً.

ويبين الناقد القرشي دور أستاذنا أبي مدين في نقل ثقافتنا وايصال إبداعنا إلى البلاد العربية فيقول: حرص أبومدين على أن لا تبقى ثقافتنا حبيسة صحفنا المحلية وقاصرة على ما ينشر بيننا من كتب ومجلات بل فتح لها نوافذ لتسافر إلى الآخر في مختلف البلدان الكتاب الدوري "علامات" الذي كان يصدره نادي جدة ولا يزال يصدر، وحقق انتشاراً واضحاً في أرجاء الوطن العربي تجده بين أوساط المثقفين هنا وهناك يتسابقون إلى النشر فيه ويتسابق العموم إلى اقتنائه، وحين نعود إلى إنجاز أبي مدين الخاص به فإنا نراه ناقداً كون أدواته النقدية بجهود فردية آتت أُكلها من حوارات ومشاغبات مع النصوص الإبداعية في انتاجاته المتعددة، ونجد أبا مدين كذلك حريصاً على تدوين عوالمه ومسيرته، كما هو الحال في كتابه "وتلك الأيام" أو في كتابه الآخر الذي يحكي طرفاً من سيرته وهو "حكاية الفتى مفتاح".

ونختتم هذا التكريم لشيخنا أبي مدين بكلمات إنسانية ورسمتها ابنته الأستاذة سلوى عبدالفتاح أبو مدين الأديبة المعروفة أبرزت لنا في كلماتها الرقيقة (أبومدين) الإنسان والأب والمعلم وكيف يقضي يومه في بيته حيث ذكرت:

كنتُ أردد في ذاتي: هل من شيء كي أكبل هذا القلق؟ وأنا أسير في تضاريسٍ اعتاد حرفي المضي فيها.. وكان عليّ أن أسترجع ما احتفظت به من صور لأبي.. حين كان الفتى مفتاح.

ولأنه الفتى مفتاح الذي لم تعرف يده ما هي لعبة الطيارة الورقية ولا الزورق الورقي.. بل أن تلك اليد الصغيرة كبرت قبل أوانها.

فتعامل مع حرفٍ مختلفة؛ فكان يعمل بيده الصغيرة يرفع الحجر الذي يزن 15 كيلو، ويعجن الخبز في رمضان والجو قائظ..وتحملت روحه ما لم يتحمله بشر!

تلك المحطات لا تغادرني.. وهو يتكئ على سياج الفقد.

ذاك الطفل الذي شقت في نفسه دهاليز من الألم والأنين، لكنه استطاع أن يمحو شيئاً من قسوتها بعون الله له وبإصراره وعزيمته.

فبقدر قسوة الحياة عليه، إلا أنها زادته تواضعاً ونبلاً ووفاءً وقلباً ناصعاً كبتلات الزهر الأبيض.

ليس من منطق كل فتاة بأبيها.. لكن أبي يملك قلباً شفافاً.. رحيماً.. ويده وقلبه ممتلئان بالخير دائماً.. في تعامله عفوي حنون، قليل الكلام يحب أن ينصت إلى المتحدث.. ما يميزه أنه صارم في التعامل مع الوقت ولا يحب أن يبدده.. منظم منضبط لأبعد حد يتعامل في كلّ حياته بالتوقيت لأنه يعلم أنه كالسيف.. يكره الكذب.. واضح وصريح في تعامله.

منظم في برنامج حياته اليومي من حيث الطعام والنوم.. ليس لديه عادات تقيده!

يقضي جلّ وقته في مكتبه الذي يعج بالأوراق وصفحات من الكتب المطوية والمفتوحة.. جليسه الكتاب.. فوق منضدة في غرفة مكتبه تستلقي أقلام ملونة وأقلام الحبر الأسود وكثيراً ما يحب استخدامه في كتاباته.

أما (أبومدين) والسفر فتكشف الأديبة سلوى عن هذا العشق الذي يتوزع بين القراءة والكتابة والتأمل وتقول أيضاً: الحياة سفر ؛ هكذا يراها أبي.. فهو يختار شهراً أو أكثر من العام يحلق بعيداً خارج الوطن، بحقيبة صغيرة تحوي بعض الكتب والأوراق يقضيه في تونس الخضراء حيث الشتاء القارس والأمطار المنهمرة.. يمضيه هناك.. يتأمل.. يقرأ.. ويكتب! ولديه الكثير من الأصدقاء الذين يحب مجالستهم وتداول الأحاديث والثقافة معهم. ويبقى أبي بهدوء طبعه وحِكمه والشعر الذي يستشهد به في حديثه.. ذاك المحرّض لتتعلم من مدرسته الكبيرة وتصر أن تستفيد منها في الحياة.

باقة عبير وشكر لكل الأوفياء الذين قاسموني الكتابة عن أبي حفظه الله في هذه الصفحة.

لتظلّ هذه الحروف في ذاكرة الزمان كربيعٍ متكرر يحمل ألف شمعة حبّ ووفاء.